; في ماليزيا التعليم عن بُعد.. تحديات وآفاق | مجلة المجتمع

العنوان في ماليزيا التعليم عن بُعد.. تحديات وآفاق

الكاتب أحمد سليمان

تاريخ النشر الأحد 01-أغسطس-2021

مشاهدات 70

نشر في العدد 2158

نشر في الصفحة 28

الأحد 01-أغسطس-2021

في ماليزيا التعليم عن بُعد.. تحديات وآفاق

سكان الأماكن النائية يعانون من افتقاد الإنترنت السريع الذي يمكنهم من التواصل مع معلميهم

المجتمع المدني نظم حملة «طرْق الأبواب» للوصول إلى الطلاب وتعليمهم بأماكنهم أثناء الحظر

قبل «كورونا» كان ينظر للتعليم عن بُعد باعتباره تعليماً من الدرجة الثالثة وينظر لخريجيه بعين الريبة!

العزلة الإجبارية للطلاب والمعلمين عززت دوافع الإبداع في حل المشكلات التي واجهتهم

أحمد سليمان

من أهم الأدوات التي استخدمتها البشرية للخروج من الكوارث بأقل الخسائر أدوات المحاكاة واستشراف المستقبل، لكن جائحة «كورونا» فاجأت العالم بما لم يكن في حسبان أحد، اللهم إلا صناع أفلام الخيال العلمي المغرقة في التشاؤم، وسيدوّن التاريخ أن هذه الجائحة تسببت في أصعب وأطول فترة انقطاع للتعليم شهدها العالم على هذا النطاق الواسع منذ أن عرفت البشرية التعليم النظامي المستمر؛ فوفقاً للتقديرات، فقد تأثر ما بين 94 و99% من طلاب العالم على نحوٍ ما بتداعيات الجائحة(1).

في ماليزيا، حينما بدأ الحظر الأول منتصف مارس 2020م، كانت مخاوف الحكومة من انتشار العدوى على أشدها؛ لذا بالغت جداً في فرض الحظر الشامل في الوقت الذي لم تكن حالات العدوى وصلت إلى 100 حالة يومياً، وقد طالت فترة الحظر بشكل غير متوقع؛ فقد استمرت من 18 مارس إلى 28 يونيو 2020م، وفي هذه الفترة لم يتلقَّ أغلب الطلاب دروسهم؛ فقد كانت فكرة التعليم عن بُعد جديدة على المعلمين والطلاب، والأدوات والمهارات اللازمة لم تكن متوفرة عند الغالب الأعم منهم.

ثم عاد الطلاب إلى الدراسة النظامية مع بدء التعافي في الفترة من بداية يوليو إلى منتصف سبتمبر؛ ليعود الحظر من جديد إلى نهاية العام الدراسي مع نهاية عام 2020م، لكن هذه المرة بدأت خطة الوزارة في تفعيل التعليم عن بُعد تخطو خطواتها الأولى مع العقبات والتحديات المعتادة، وفي العام الجديد 2021م، درس الطلاب عن بُعد من منتصف يناير إلى نهاية مارس، ومن بداية أبريل إلى منتصف مايو درس معظم الطلاب في ماليزيا دراسة نظامية، ليعود نظام التعليم عن بُعد من جديد من منتصف مايو إلى وقت كتابة هذه السطور في أواخر يوليو. 

وحسب الإحصاءات اليومية لمصابي «كورونا» التي بلغت ذروتها بنحو 14 ألف حالة جديدة يومياً، فمن غير المنتظر عودة الطلاب إلى المدارس في وقت قريب، بل يتوقع معظم المراقبين استمرار التعليم عن بُعد إلى نهايات أكتوبر، إن لم يكن حتى نهاية العام 2021م.

لا يجادل مطَّلع على الشأن الماليزي في جودة ومتانة البنية التحتية في ماليزيا، لكنها في جزئها المتعلق بعملية التعليم عن بُعد كانت مصممة وموزعة جغرافياً لتلبي احتياجات الأعمال في الظروف الطبيعية؛ فجاءت ظروف الإغلاق لتجعل من هذا التوزيع عائقاً صعباً للوصول إلى جميع الطلاب في مختلف الأماكن؛ حيث عاد معظم العائلات إلى مساكنهم الريفية كما هي عادتهم في قضاء العطلات، وبالتالي يعاني آلاف الطلاب الذين يسكنون في القرى والأماكن النائية من الحصول على خدمات الإنترنت عالية السرعة التي تمكنهم من التواصل الفعَّال مع معلميهم، في حين أن معظم الشركات والمصانع والمدن الكبرى المتاح فيها هذه الخدمات بوفرة خاوية الآن على عروشها بفعل الحظر، وتحاول وزارة الاتصالات جاهدة من بداية العام 2021م توصيل خدمات الإنترنت عالية السرعة إلى هذه المناطق للإسهام في حل هذه المشكلة التي أعاقت العملية التعليمية، وكانت على رأس العقبات التي واجهت الطلاب والمعلمين.

حملة "طرْق الأبواب"

حينما لاحظ عدد من المراقبين حرمان العديد من الطلاب من مناطق الدخل المنخفض والمتوسط من التعليم نظراً لصعوبة الحصول على خدمات الإنترنت والأدوات اللازمة قاموا بحملة أُطلق عليها حملة «طرق الأبواب»، شاركت فيها منظمات المجتمع المدني، تهدف إلى الوصول إلى الطلاب وتعليمهم في أماكنهم في أثناء فترة الحظر، وقد لاقت الحملة ترحيباً كبيراً من المعنيين بالتعليم قبل أن تتوقف لاحقاً بعدما بدأت تثور مخاوف وشكوك في أن تسهم الحملة في نقل العدوى إلى مناطق جديدة لم تكن مصابة.

ومن اللافت للنظر المشاركة المكثفة للبحث العلمي في ماليزيا لرصد ودراسة تداعيات الجائحة على كافة المستويات؛ ففي عامي 2020 و2021م، أنجزت عشرات المؤتمرات والندوات والأوراق العلمية لدراسة الآثار السلبية وطرق الوقاية منها، على المستوى الصحي والفقهي والاجتماعي، وكان للتعليم نصيبه منها، وقد رصدت هذه الأوراق العلمية أهم العقبات والتحديات، وأيضاً بعض الفرص التي تأثر بها التعليم في ظل الجائحة(2)، التي من أهمها:

- تباين الفجوة بين طبقات المجتمعات في الاستجابة لبرامج التعليم عن بعد: لفتت نتائج الدراسات الميدانية نظر الحكومة الماليزية إلى ضرورة التفكير جدياً في تجسير الفجوة بين طبقات المجتمع عبر مزيد من عدالة التوزيع، وبالفعل استجابت الحكومة لهذه النتائج بشكل لافت؛ فقد خصصت ما يقارب 65 مليار دولار عبر ثلاث مراحل لدعم الفئات الأشد فقراً، ودعم طلاب المناطق النائية والفقيرة.

- الحاجة إلى رفع كفاءة المعلمين والطلاب في مجال التعليم عن بُعد: أثبتت التجربة أن ما يزيد على 85% من المعلمين، ونسبة أكبر من الطلاب يفتقرون إلى مهارات التعامل مع برامج التعليم عن بعد رغم بساطتها وسهولة التعامل معها؛ فقد اشتكى كثير من الطلاب والمعلمين، على سبيل المثال، من صعوبة الإجابة عن أسئلة تقويم نهاية العام 2020م الذي تم عبر برامج مثل «googel classe rom”، و”zoom”، مقارنة بالتقويمات الورقية المعتادة(3).

- زيادة الاهتمام والموثوقية في التعليم عن بُعد: قبل «كوفيد 19» كان يُنظر إلى التعليم عن بُعد باعتباره تعليماً من الدرجة الثالثة، وكان ينظر إلى خريجيه بعين الريبة، يعود ذلك بشكل جزئي إلى الاعتياد، وبشكل أكبر إلى سلوكيات خاطئة مارستها مؤسسات التعليم عن بُعد، لكن بعدما رأى الجميع تحت داعي الضرورة أن التعليم عن بُعد يكافئ على الأقل التعليم النظامي، فإن مستقبل هذه التجربة سوف يتغير بشكل جوهري بعد الجائحة.

- إعادة اكتشاف إمكانيات التعليم عن بُعد: رغم تعامل الجميع تقريباً مع شبكة المعلومات الدولية، فإنه يمكننا القول: إنه تمت خلال الأزمة إعادة اكتشاف لمدى القدرات التي يمكن توفيرها عبر التعليم عن بُعد، على سبيل المثال؛ عبر مبادرة من جمعية علماء ماليزيا، تمكن ملايين الطلاب من الاستماع في بث مباشر إلى شرح من أفضل معلمي اللغة العربية (المادة الأصعب على طلاب المرحلة الثانوية)، والتفاعل معه مباشرة، وتلقي الإجابات عن أسئلتهم؛ فلم يعد الوصول إلى الأفضل حكراً على فئة من الطلاب دون أخرى.

من فوائد الأزمة

لكن الحائجة لم تترك المجتمعات، ومنها ماليزيا، دون شيء من الفوائد والمكاسب في مجال التعليم؛ فقد عززت العزلة الإجبارية التي فرضت على الطلاب والمعلمين دوافع الإبداع والتعاون في حل المشكلات التي واجهتهم، وانتشرت على نطاق واسع مجموعات التواصل الاجتماعي بين الطلاب على حدة، وبين معلمي المواد العلمية والنظرية من ذوي الاهتمام المشترك، وبالتأكيد بين المعلمين والطلاب، وتنوعت المناقشات والتدريبات وتبادل الخبرات والحلول، وأصبح كثير من الدورات العلمية المتقدمة متاحة بعد سهولة الوصول إلى عدد من مشاهير المدربين والمعلمين المتميزين، حيث منحهم الحظر الإجباري وقتاً كان من العسير توفيره فيما مضى.

أيضاً، فرضت ظروف التعليم عن بُعد توفير الكثير من المواد العلمية في صورة إلكترونية، وتم استغلال عناصر الإبهار مثل الألوان والرسوم المتحركة، والرسوم التوضيحية في تقريب وتسهيل المعلومات للطلاب، ناهيك عن حجم الاستثمارات الهائل الذي تم بذله في برمجيات وأدوات التعليم عن بُعد، التي نقلت عملية التعليم نقلة نوعية لا تخفى على مراقب؛ فالمنافسة قائمة على أشدها بين مطوري هذه البرامج لتوفير أكبر قدر ممكن من السهولة والكفاءة.

الهوامش

(1) تقرير الأمم المتحدة بعنوان التعليم أثناء جائحة «كوفيد 19» وما بعدها، أغسطس 2020

(2) Transitioning to Online Learning during COVID-19 Pandemic: Case Study of a Pre-University Centre in Malaysia, 6/2020.

(3)  ISSUES & CHALLENGES IN IMPLEMENTING E-LEARNING IN MALAYSIA, Professor Tan Sri Datuk Dr Anuwar Ali President/Vice-Chancellor Open University Malaysia.

الرابط المختصر :