العنوان في مؤتمر دولي بالقاهرة: مناقشة موضوعية لظاهرة العنف
الكاتب رجب الدمنهوري
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أغسطس-1998
مشاهدات 67
نشر في العدد 1313
نشر في الصفحة 39
الثلاثاء 18-أغسطس-1998
حظي الحديث عن العنف والإرهاب بقسطٍ وافرٍ من الدراسات والأبحاث في مصر، وعقدت المؤتمرات تلو الأخرى لتحديد تداعيات هذه الظاهرة والوقوف على الأسباب الكامنة خلفها، إلا إن هذه الفعاليات في معظمها -باستثناء النزر اليسير- تأتي متحيزة ومتحاملة على الإسلام بشكلٍ عامٍ، والتيار الإسلامي بشكلٍ خاصٍ (المعتدل والمتشدد)، ودعواها في ذلك أن معظم مرتكبي العنف منطلقاتهم إسلامية.
وقد عقدت جمعية تنمية الديمقراطية -إحدى الجمعيات الأهلية المصرية- مؤتمرًا على مدار عدة أيام تحت عنوان: «العنف الديني والسياسي في مصر.. الدوافع والآفاق»، وهو مؤتمر مدعوم من سفارة هولندا بالقاهرة، الأمر الذي كشف انحيازية المؤتمر مبكرًا، وكشفت مناقشاته عن عدائها السافر ضد الإسلام، وبالرغم من مشاركة بعض الإسلاميين الذين نافحوا عن الإسلام وصدوا هذه الدعاوى المغرضة إلا إنه كان يراد للمؤتمر تكريس العداء ضد الإسلام، وبالتالي خرجت مناقشاته غير موضوعية في بحث العنوان العريض الذي كان على جدول أعماله، وقد وصف أحد المراقبين هذا المؤتمر أنه محاولة تسويقية لترويج العداء ضد الإسلام مقابل بعض الأموال التي اغتنمها القائمون عليه.
وفي المقابل عقد مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي بالاشتراك مع كلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر مؤتمرًا دوليًا حول دور العلوم الاجتماعية في مكافحة جرائم العنف والتطرف في المجتمعات الإسلامية.
ولم يقتصر هذا المؤتمر في مناقشاته على بحث وتحقيق عنوان المؤتمر، لكن أفاق المناقشات والحوارات والمداخلات اتسع مداها وتفاعلت مع هذه الظاهرة بشكلٍ عاٍم، وتحدث في المؤتمر العديد من أساتذة الجامعات والمفكرين الذين مثلوا أفكارًا مختلفة، وهو ما جعل فعاليات المؤتمر تتسم بالسخونة والمناقشات الحادة، وجاءت في مجملها مؤكدة بعد الإسلام عن أي عنفٍ أو إرهابٍ، وذلك في مقابل بعض الآراء التي حاولت العزف على أن الإسلام هو المرجعية الأصولية للعنف!
وعلى مدار ثلاثة أياٍم حاول المؤتمر دراسة هذه الظاهرة من حيث أسبابها وأثارها وكيفية مواجهتها بأسلوب موضوعي وسليمٍ يعالج كل جوانب الظاهرة.
وفي افتتاح المؤتمر ساد اتجاه قوي مؤداه: أن العنف الاجتماعي لا يقل ضراورة أو خطورة عن نظيره السياسي، مشيرًا إلى أن تفشي جرائم البلطجة واغتيال أفراد الأسرة، وشيوع الفساد الاقتصادي وغيرها من الجرائم الاجتماعية التي تحتاج إلى مزيد من الاهتمام والبحث والدراسة، وأرجع أصحاب هذا الرأي حدوث مثل هذه الجرائم كآثار سلبية لنظام العولمة، وما يعتمد عليه من آليات أسهمت في نقل هذه الثقافات والأنماط السلوكية التي أفرزت هذا النوع من الجرائم، وكان من أبرز المتبنين لهذا الطرح د. محمد عبد الحليم- مدير المركز، وأستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر.
معالجة شاملة:
وفيما طالب البعض بالحل التقليدي الذي ثبت فشله وهو المواجهة الأمنية كحل استراتيجي، ثم أتبعه بحلول أخرى لا تقل عن سابقتها تقليدية وعجزًا، وهي إصدار مزيد من التشريعات التي تجرم هذه الأعمال، لكن أراء أخرى أعادت التوازن إلى هذا الطرح، وطالبت بأن تكون هناك معالجٌة شاملٌة لا تغفل أهمية الحوار وحرية إبداء الرأي ومواجهة الفكر بالفكر وتفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب في هذا الاتجاه، وليكن الحل الأمني في المرتبة الأخيرة.
وعلى صعيد علاقة الغرب بالإسلام دارت مناقشات واسعة انتقدت خلالها د. جيهان إبراهيم -أستاذ علم اللغويات بالأزهر- موقف الغرب من الإسلام، واستشهدت بوصف الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون على أنه الخطر الأكبر بعد زوال الشيوعية وانهيار الاتحاد السوفييتي.
واكتفى بريجنيسكي -مستشار الأمن القومي- بتعليق مؤداه أن أمريكا في حاجة إلى مزيد من الدراسة والمعلومات حول ما أسماه بالحركات الإسلامية المتشددة، ولم يخف أن هذا الدور تقوم به جهات صديقة لأمريكا في المنطقة الإسلامية وألمح المستشار الأمريكي إلى خوف أمريكا من قيام ثورة إسلامية جديدة، وفي نهاية تعليقه أكد أن أمريكا حريصة على ألا يلعب الإسلام دورًا مؤثرًا في السياسة الدولية.
هناك فرق:
وفرق د. مصطفى رمضان -أستاذ التاريخ والحضارة بالأزهر- في كلمته بين الجهاد الوطني المشروع ضد الاحتلال، وبين الإرهاب مستنكرًا وضع الجهاد المشروع في سلةٍ واحدةٍ مع الإرهاب واغتصاب الحقوق، وانتهاك الأعراض كما حدث في مؤتمر شرم الشيخ بالقاهرة الذي عقد في شهر مارس ١٩٩٦م.
وأرجع أسباب العنف إلى حالة القهر والاعتداءات المتكررة التي تتعرض لها بعض البلدان والأقليات الإسلامية، وسيادة روح اليأس والقنوط من جراء حالة العنف في مقاومة العدوان هذا فضلًا عن تزوير الانتخابات التي أصبحت ظاهرة انتقلت عدواها إلى معظم الدول العربية والإسلامية وانتشار البطالة بين الشباب، والفهم المغلوط عن الإسلام، واستمرار التوتر بين الحكومات ذات التوجهات العلمانية، وبين التيار الإسلامي.
وحول دور الاقتصاد الإسلامي في مكافحة الجريمة، وأشكال الفقر المختلفة، أكد د. توفيق الحطاب -الأستاذ بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة اليرموك بالأردن- أن الحل الإسلامي لعلاج مشكلة الفقر والجريمة في المجتمع الإسلامي يكمن في ضرورة توافر الإرادة الحضارية المنبثقة عن القيم الإسلامية، وتجديد المعادلة الاجتماعية والاقتصادية من خلال الحوافز الأخروية، والاهتمام بتوفير الاحتياجات الضرورية للفقراء.
وفي كلمة طالب د. محمد المرصفي -رئيس قسم أصول التربية بجامعة طنطا- بضرورة تأسيس قنواٌت تليفزيونيٌة موجهة إلى العالم الخارجي تكون وظيفتها شرح الإسلام، والرد على حملات الافتراء والتشكيك في حضارة الإسلام، وتزويد المراكز الإسلامية بالخارج بالدعاة.
وقال د. عبده الساهي -أستاذ غير متفرغ بالأزهر- في مداخلته: إن المنهج الإسلامي يطمئن النفوس، وينقي المجتمعات من القلاقل والفتن والأزمات، ويشيع الأمن والأمان، مشيرًا إلى أن العقيدة، وسلامة القلوب وأمن الأوطان وحمايتها والأمن الزراعي، وتوفير الغذاء، والأمن الأخلاقي وتهذيب النفوس، وغير ذلك من أساليب الأمن الإسلامي التي تحفظ الحقوق الإنسانية، وتحارب الفساد والإجرام.
وفي نهاية المؤتمر تبلورت رؤية مشتركة مؤداها أن أحد الأسباب الرئيسة للعنف هو غياب الفهم الصحيح للإسلام، واتجاهات الأنظمة في تكريس العلمانية، وتقليص رسالة المسجد عبر بعض إجراءات التأميم وإقصاء الدعاة المعتدلين عن منابرهم.