العنوان في فقه الدعوة «12» جهاد الحجة
الكاتب محمد أحمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 15-أغسطس-1972
مشاهدات 68
نشر في العدد 113
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 15-أغسطس-1972
وعي المسلم لوجوب الدعوة إلى الله، وفقهه لهذه المسألة الجدية، ووضوح رؤيته لهذا المعلم البارز من معالم الطريق الإسلامي، كل ذلك يحدد نقطة البدء والانطلاق في مسيرة الفرد المسلم في الحياة، وفي خطة أي إصلاح جماعي، ومن ثـم وجب الإلحاح في بيان هذا الواجب، وتطبيق السلف الصالح له، وأمثلة من تجدد سيرة وكلام السلف في ذلك في قرننا هذا .
وكما رأينا عبدالله بن مسعود وأصحابه يرصد نفسه في الكوفة لتفنيد العزلة، نرى الحسن البصري سيد التابعين؛ رحمه الله، يرصد نفسه في البصرة لبعث همم الناس، وشرح معنى الإصلاح، فيتلو على أهل البصرة قول الله تعالى ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ( سورة فصلت: الآية 33)، ثم يقول: «هو المؤمن أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحًا في إجابته فهذا حبيب الله، هذا ولي الله» لا غيره ممن ينعزل ويجمد ويكـون مستورًا، وحين نقل ابن القيم كلام الحسن هذا عقّب فقال: «فمقام الدعوة إلى الله أفضل مقامات العبد» (۱)
وبمسارعته هذه إلى فهم كلام الحسن، وباتحاد قوله مع قول الكيلاني الذي ذكرناه قبل، دلل على أن وحدة المفاهيم تابعـة لوحدة المنهج في البحث.
أقباس مشابهة من نور واحد.
فلأن منهجهم هو جعل القرآن والحديث الصحيح مصدر الفهم، وبناء الاستعداد النفسي لقبول جميع معاني القرآن والحديث التي يشير إليها العقل السليم والظـاهر اللغوي، اتحدت أقوال ومفاهيم هؤلاء الرهط الفاضل الذين ننقل عنهم، ابتداء بالصحابة، ومن تبعهم بإحسان، ومرورًا بابن الجوزي والشيخ عبد القادر وابن تيمية وابن القيم، وانتهاء ببعض أفاضل هذا العصر، كالرافعي وإقبال وعبد الوهاب عزام، وبقادة الدعوة، كالإمام البنا، والمودودي، وعودة وسيد قطب، وسيظل سير هذه الطائفة الظاهرة على الحق، الآخذة بالمعنى الظاهر، إلى يوم القيامة، بعكس منهج الطوائف الأخرى التي حددتها ابتداء تأثرات فلسفية، وميول ابتداعية، وشهوات بدنية ونفسيـة، وتخوفات وجبن وحرص، فما عادت تفتش إلا عما يوافق الذي وقر في عقولها ونفوسها، وتعرض عما يفضحها، أو تتعجل وتتكلف لصرفه عن معناه الظاهر.
في سورة العصر كفاية
وسطرٌ واحدٌ في القرآن فيه كفاية وغنى لأصحاب المنهج الأول الصحيح، وذلك قوله تعالى ﴿وَٱلۡعَصۡرِ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ﴾ (سورة العصر).
بل يكفيهم رُبعُها الذي وصف المتواصي بالحق بالربح.
ولذلك وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة العصر بأنها تعدل ثلث القرآن (۲).
فكلمتان فحسب، لأنهما بينتا وجوب الدعوة، كانتا ربع ثلث القرآن.
فكل واحد في خسر، «إلا من كمّل قوته العلمية بالإيمان بالله، وقوته العملية بالعمل بطاعته، فهذا كمالُه في نفسه، ثم كمل غيره بوصيته له بذلك، وأمره إياه به، وبملاك ذلك كله، وهو الصبر، فكمل نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح، وكمل غيره بتعليمه إياه ذلك، ووصيته بالصبر عليه، ولهذا قال الشافعي رحمه الله: لو فكر الناس في سورة العصر لكفتهم.» (٣) فالله سبحانه «لم يكتف منهم بمعرفة الحق والصبر عليه، حتى يوصي بعضهم بعضًا ويرشده إليه، ويحثه عليه، فإذا كان من عدا هؤلاء، فهو من الخاسرين» (٤).
أو بأحرف أخرى يقولها الداعية الأستاذ محمد محمود الصواف أن:
«شرط النجاة من الخسران جعله الله تبارك وتعالى معلقًا بمعرفة الناس للحق، وإذا عرفوه ألزموا أنفسهم به، ومكنوه من قلوبهم، وعاشوا بالحق، وللحق، ولا يُعفَون من المسؤولية، ولا ينجون بأنفسهم إذا عرفوا الحق ولم يبشروا به ويدعوا الناس إليه ويحملوهم حملًا على التمسك بالحق واتباع الحق.
فالدعوة إلى الحق والتبشير به فرع الإيمان بالحق ومعرفة الحق، ولا يتم الأصل بدون هذا الفرع، الذي هو الدعوة إلى الحق، والتبشير به بين الناس، ومن لم يأخذ نفسه بحمل الناس على الحق الصحيح، بعد أن يعرفه ويتبعه، فهو من الخاسرين، لأن أمر الله تبارك وتعالى صريح في هذه الآية، وهو التواصي بالحق، والتواصي يحمل معنى الدعوة إلى الحق بكل صراحة وقوة، فإذا عرفت الحق، ورأيت أهل الباطل يزيغون عن الحق، ولم تدعهم إلى اتباع الحق، وتوصهم باتباع طريق الحق الذي هــو الصراط المستقيم، والنور المبين، فلا شك أنك من الخاسرين، لأنك لم تنفذ أمر الله، وتتواصَ بالحق، ولأنك أخذت الحق لنفسك ولم تحمل عليه غيرك من الزائغين المنحرفين أو المخطئين التائهين، والمسلم لا يعيش لنفسه فقط، بل يعيش لنفسه وللناس فإذا أصلح نفسه، وجب عليه إصلاح غيره، والدعوة إلى الإصلاح تشمل الناس جميعًا، كل على حسب طاقته، وبقدر نطاقه الذي يحيط به والنص في هذه الآية صريح، لا يقبل التأويل» (٥).
الداعية مجاهد مهاجر
وبمقابل ذلك، منح الله تعالى المتواصين بالحق، من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، الذين يقذفون بحجج الله وبيناته على آراء العقول الزائغة أجر وثواب المجاهدين والمهاجرين، فعَدَّ الأمرَ والنهيَ جهادًا، والثباتَ على الدعــوة هجرةً.
قال ابن القيم: «ولا ريب أن الأمر بالجهاد المطلق إنما كان بعد الهجرة، فأما جهاد الحجة فأمر به في مكة بقوله ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ﴾ ( سورة الفرقان : الآية 52). أي بالقرآن جِهَادًا كَبِيرًا، فهذه سورة مكية، والجهاد فيها هو التبليغ وجهاد الحجة) (٦).
جاهدهم بالقرآن يا أيها النبي، صلى الله عليك وسلم، وجاهدوهم بالقرآن، يا ورثة وأتباع هذا النبي صلى الله عليه وسلم.
أي أن نقف لآراء عقولهم القاصرة بالمرصاد ندمغها بحجج من هذا القرآن، فإذا باطلهم هو زاهق، فالدعوة، والأمر والنهي، والتواصي، نوع من الجهاد، ولذلك ساغ لنا في فقه الدعوة أن نتعرف على كثير من جوانب وصفات الدعوة والداعية قياسًا على أحكام جهاد القتال، بل لذلك أيضًا وجب على الداعية قياسًا على أحكام جهاد القتال أن يفهـم آیات وأحاديث الجهاد على أنها خطاب له هو أيضًا، وهو في أمره ونهيه إن حجبه عن خوض القتال تقدير خسران المعركة وظهور المجازفة ووجود المثبطين والخونة الذين يضربون من الخلف، ولذلك أيضًا يحق للآمر الناهي أن يُمَنِّيَ نفسه بثواب المقاتلين إن شاء الله.
ثم الداعية بعد ذلك له أجر المهاجرين، كما قرر الإمام ابن تيمية في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَٰئِكَ مِنكُمْ﴾ (سورة الأنفال: الآية 75)، فقال: «قالت طائفة من السلف: هذا يدخل فيه من آمن وهاجر وجاهد إلى يوم القيامة، وهكذا قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (سورة النحل: الآية 110).
يدخل في معناها كل من فتنه الشيطان عن دينه أو أوقعه في معصية، ثم هجـر السيئات وجاهد نفسه وغيرها من العدو، وجاهد المنافقين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك، وصبر على ما أصابه من قول أو فعل، والله سبحانه وتعالى أعلم» (۷).
إلحاح الكيلاني في بيان وجوب الدعوة
وكما اخترنا الإلحاح في بيان وجوب الدعوة إلى الله، واعتبرناه المنطلق، اختار الشيخ عبد القادر الكيلاني رحمه الله الإلحاح في بيان هذا الواجب، وعاد يذكر أهل بغداد كل أسبوع في خطبته، أو بالأحرى عاد يذكر خيار أبناء الأمة الذين تجمعوا من أطراف الأرض في عاصمة الإسلام.
نتدرج معه في أيامه، يصف الدعاة أولًا، فيقول :
«هم قيام في مقام الدعوة، يدعون الخلق إلى معرفة الحق عز وجل لا يزالون يدعون القلوب» (۸).
ويجعل إتاحة الله سبحانه لعبده هذا المقام الشريف أكبر نعمة، ويعد انشغاله به دليلًا على صحة تبعيته وخلافته للرسول صلى الله عليه وسلم، فيقول: «من صحت تبعيته للرسول صلى الله عليه وسلم ألبسه درعه وخوذته، وقلده سيفه، ونَحَلَه من أدبه وشمائله وأخلاقه، وخلع عليه من خُلَعِه، واشتد فرحه به: كيف هو من أمته؟ ويشكر ربه عز وجل على ذلك، ثم يجعله نائبًا له في أمته، ودليلًا وداعيًا لهم إلى باب الحق عز وجل.
كان هو الداعي والدليل، ولما قبضه الحق عز وجل أقام له من أمته من يخلفه فيهم، وهم آحاد أفراد، من كل ألفِ ألفٍ واحد، يدلون الخلق، ويصبرون علـى أذاهم، مع دوام النصح لهم يتبسمون في وجوه المنافقين والفسّاق، ويحتالون عليهم بكل حيلة حتى يخلصوهم مما هم فيه، ويحملوهم إلى باب ربهم عز وجل» (۹).
ثم يدعوهم إلى إماتة الهوى والنفس الأمّارة بالسوء، لتحصل حياة الدعوة «موت ثم نشر، ثم إذا شاء أنشرك له، ردك إلى الخلق لتنظر في مصالحهم وتردهم إلى بابه، يجيء لك الميل إلى الدنيا والآخرة لتتناول أقسامك منهما، تجيء لك القوة على مقاساة الخلق، فتردهم عن ضلالهم» (10).
ثم يوجز صفات الداعية وشروط التوثيق في صفة واحدة جامعة، صفة التجرد الكامل والانغماس بكله في الدعوة، حتى ينسى نفسه، ويعود لا يرى إلا من يدعوهم، ولا يتكلم إلا بما يفيد من يدعوهم؛ فعالمه وكونه الفسيح، لا يحوي تجارة، ولا شهوة، ولا منصبًا، ليس في هذا الكون إلا الذين يباشر دعوتهم، هم تجارته، ولذته، ومنصبه.
«يصير كأن لا نفس له ولا طبع ولا هوى؛ ينسى طعامه وشرابه ولباسه.. يصير ناسيًا لنفسه، ذاكرًا لخلق ربه عز وجل، يخرج بقلبه عن نفسه والخلق، ويبقى بربه عز وجل، كل طلبه نفع الخلق، قد سلم نفسه إلى يد قضاء ربه عز وجل» (۱۱).
فهذا نموذج الدعاة
هذه صفة من يريد أن يكون ضمن القاعدة الصلبة التي يبنى عليها بناء الإسلام الآن، ووالله لا نجاح للدعوة، ولا وصول، إن أعطيناها فضول الأوقات، ولم ننس أنفسنا وطعامنا وشرابنا.
فمَزِّقْ هذه الشرنقة التي لَفَفتَ نفسك بها، واخرج من القوقعة، إن جاهلية القرن العشرين زادت ظلام القرون الأخيرة ظلامًا، فلا ترضَ العيش في الظلام، بل:
كن مِشعلًا في جُنْح ليل حالكٍ يهدي الأنام إلى الهدى ويُبَيِّنُ
وانشَط لدينك لا تكن متكاسلًا واعمل على تحريك ما هو ساكن
وابدأ بأهلك إن دعوتَ، فإنهـم أولى الورى بالنصح منك وأقمَنُ
والله يأمر بالعشيرة أولًا والأمر من بعد العشيرة هَيِّنُ (۱۲)
( 1) مفتاح دار السعادة لابن القيم 1/153.
(۲) صحيح البخاري 6/233.
(۳) إغاثة اللهفان لابن القيم 1/33.
(٤) الجواب الكافي لابن القيم /83.
(5 ) عدة المسلمين في معاني الفاتحة وقصار السور /87.
(6) زاد المعاد لابن القيم 2/58.
(۷) مجموع فتاوی ابن تيمية 18/284.
(۸) (۹) (۱۰) (۱۱) الفتح الرباني للشيخ عبد القادر في الصفحات 7/83/107/211
(۱۲) الوليد في ديوان الزوابع/١٢٤.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل