; في ظل برنامج التسوية الفلسطيني.. «إسرائيل» تفك الحصارات الدبلوماسية عن نفسها | مجلة المجتمع

العنوان في ظل برنامج التسوية الفلسطيني.. «إسرائيل» تفك الحصارات الدبلوماسية عن نفسها

الكاتب عبدالعزيز العمرى

تاريخ النشر الثلاثاء 13-مارس-1990

مشاهدات 47

نشر في العدد 958

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 13-مارس-1990

  • بعض الأطراف الفلسطينية والعربية أبدت رغبتها في عودة علاقات بعض الدول مع الكيان الصهيوني!

    البروسترويكا في الدول الشرقية أعادت العلاقات مع الكيان الصهيوني!

    بدأت كثير من الدول في إعادة علاقاتها الدبلوماسية مع حكومة العدو. ولوحظ في الآونة الأخيرة تحرك ونشاط كبير لقادة العدو باتجاه الدول التي كانت قد قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع "إسرائيل" في أعقاب الاعتداء الصهيوني على الدول العربية عام 1967. وعلى وجه الخصوص، يمكننا رصد تحسن في علاقات "إسرائيل" مع الاتحاد السوفيتي ودول أوروبا الشرقية بدءًا من عام 1986 حينما تم لقاء بين وفد قنصلي سوفيتي ونظيره "الإسرائيلي" في هلسنكي، ثم افتتاح مكتب بولندي لرعاية المصالح البولندية في تل أبيب في أكتوبر من العام ذاته، ثم افتتاح مكتب مماثل للمجر في تل أبيب عام 1987، ثم زيارة وفد قنصلي سوفيتي لتل أبيب عام 1987.

     

    عودة العلاقات

    وفي سبتمبر عام 1989، أعادت المجر علاقاتها الدبلوماسية مع "إسرائيل" كما فتحت جسرًا جويًا بين بودابست وتل أبيب لنقل آلاف اليهود المجريين الذين سمحت لهم بالهجرة إلى "إسرائيل". وذكرت مجلة "جون أفريك" أن الحكومة المجرية عممت منح تأشيرة الهجرة إلى "إسرائيل" لأغلب اليهود المجريين.

     

    وفي سبتمبر 1989، أسرَّ الزعيم الهنغاري الأول كارولي كروش لشامير أثناء زيارته للمجر بأن الكثيرين من قادة حلف وارسو متفقون على بدء حوار داخلي بشأن العلاقات اللاحقة بين بلدانهم و"إسرائيل".

     

    وفي بولندا، أعلن الرئيس البولندي عقب زيارة شيمون بيريز إلى وارسو لترتيب العلاقات مع "إسرائيل" أن قطع العلاقات بين بلاده وبين "إسرائيل" كان خطأً جسيمًا.

     

    واهتمت "إسرائيل" اهتمامًا كبيرًا بعودة العلاقات مع تشيكوسلوفاكيا لأن هذه الدولة سبق وأن ارتبطت بعلاقات متينة مع منظمة التحرير، بل إن عددًا من رجال المنظمة تلقوا تدريبًا سياسيًا وعسكريًا في تشيكوسلوفاكيا، وتشير بعض المصادر أن ياسر عرفات وقع اتفاقًا مع الخارجية التشيكوسلوفاكية للتعاون بين "الدولتين" يستغرق 6 سنوات. وأعلنت براغ عن استعدادها لبحث عودة العلاقات بين الطرفين بعد زيارة شامير إلى تشيكوسلوفاكيا.

     

    وفي أوائل يناير الماضي، زار رئيس البرلمان اليوغسلافي "إسرائيل" واجتمع مع مدير وزارة الخارجية لشؤون أوروبا الشرقية يوسف غويرين حيث بحثا عودة العلاقات بين الطرفين.

     

    وأعربت ألمانيا الشرقية عن استعدادها لإعادة العلاقات الدبلوماسية مع "إسرائيل" كما قبلت الاعتراف بالمسؤولية عما يسمى "اضطهاد اليهود" على أيدي النازيين، وتعهدت بتحمل تبعات ذلك من تعويضات.

     

    ورغم أن العلاقات الدبلوماسية بين الاتحاد السوفيتي و"إسرائيل" لم تتم إعادتها من الناحية الرسمية، إلا أن تطبيع العلاقات بين الطرفين يسير بخطى واسعة وبتسارع واضح. ففي أبريل 1987 قال الزعيم السوفيتي جملة صغيرة جدًا لكنها فتحت "لإسرائيل" أبواب العواصم الأوروبية الشرقية حينما قال: "إنه لمن غير الطبيعي ألا توجد علاقات دبلوماسية بين "إسرائيل" والاتحاد السوفيتي".

     

    مصالح مشتركة

    ويبدو أن "البروسترويكا" في الاتحاد السوفيتي، كما في أوروبا الشرقية، لم تسبب في ترتيب وإعادة العلاقات الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني فقط، بل ساهمت في انتعاش العلاقات الاقتصادية معه. فالتقارب الاقتصادي بين الاتحاد السوفيتي ودولة العدو ذو طابع خاص ويتم تنفيذه عبر حكومات الجمهوريات السوفيتية. وقد أشار تقرير لمراسل صحيفة "هاند بلبلات" المعنية بالشؤون الاقتصادية أن وزراء عديدين من ليتوانيا وإستونيا ولاتفيا وجورجيا قاموا بزيارات إلى تل أبيب، وعقدوا اتفاقيات لا تقتصر على التبادل العادي للسلع بل تتناول أيضًا إنشاء مؤسسات مشتركة. وذكر التقرير أن حجم الصادرات من "إسرائيل" إلى بولندا وبلغاريا والمجر ويوغسلافيا قد تضاعف في الأشهر الـ10 الأولى من عام 1989 بالنسبة إلى نفس الفترة من العام الماضي، كما أن حجم الواردات منها نما بمعدل 22%.

     

    ويبدو كذلك أن لدى هذه الدول رغبة في أن يؤدي التطبيع مع "إسرائيل" إلى رفع الحظر عن مجيء رؤوس الأموال الأمريكية إلى شرق أوروبا. فبولندا مثلًا ترغب كثيرًا في الحصول على قروض من البنك الدولي. والمجر التي ترغب في مضاعفة حجم تجارتها مع "إسرائيل" 4 مرات تنظر بعين الرضا لتشكيل شركات مجرية-"إسرائيلية" مشتركة. فإذا تجاوزت حصة الجانب "الإسرائيلي" نسبة 35% من أسهم الشركة المشتركة، سيكون بمقدور هذه الشركة أن تصدر منتجاتها إلى دول السوق الأوروبية المشتركة أو الولايات المتحدة دون ضرائب استيراد.

     

    جنت على نفسها براقش

    ولكن ما الأسباب والدوافع لهذا "الهوس" و"الشره" من الاتحاد السوفيتي والدول الأوروبية الشرقية لإعادة علاقاتها الدبلوماسية مع "إسرائيل" بعد انقطاعها لأكثر من 20 عامًا؟!

     

    هناك مثل عربي يقول: "جنت على نفسها براقش"، وهو يفسر إلى حد كبير مسألة إقدام تلك الدول على إعادة علاقاتها مع "إسرائيل". فخط "التسوية" السلمية الذي انتهجته الدول العربية والطرف الفلسطيني الرسمي من أجل حل القضية الفلسطينية واستعادة الحقوق الفلسطينية المشروعة وما تبع ذلك من سلسلة التنازلات المجانية، كان أحد أسباب إعادة التفكير والتقييم لعلاقات هذه الدول مع "إسرائيل".

     

    فاعتراف الطرف الفلسطيني الرسمي بدولة العدو اليهودي وحقها في الوجود، وتقزيم المطالبة الفلسطينية والعربية الرسمية إلى الضفة والقطاع "فقط" من أجل إقامة الدولة عليها، وما يعنيه ذلك من تنازل عن 77% من أرض فلسطين والقبول بـ23% من الأرض المغتصبة، والتصريح والتلميح بأن هذه البقية أيضًا خاضعة للحوار والمفاوضات والتفاهم والتعديل، كل ذلك جعل هذه الدول تعيد حساباتها ومواقفها على ضوء تغير مواقف ومطالب وسياسات أصحاب الأرض أنفسهم.

     

    كما أن التقارير والأخبار أكدت دائمًا أن اللقاءات والاجتماعات السرية والعلنية بين الوفود الفلسطينية و"الإسرائيلية" في العديد من عواصم العالم لم تنقطع أبدًا، وأصبحت سياسة ونهجًا لدى الطرف الفلسطيني، الأمر الذي شجع مثل هذه الدول على إعادة علاقاتها بـ"إسرائيل" واعتبار أن قطعها أول مرة كان خطأً كبيرًا.

     

    فمن المؤكد أن الزعماء السوفيت وزعماء أوروبا الشرقية لن يكونوا "ملكيين أكثر من الملك" وأنهم لن يقبلوا أن "يحملوا السلم بالعرض" كما يقولون!!

     

    منطق ساذج

    ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أبدت بعض الأطراف العربية والفلسطينية رغبتها في عودة علاقات بعض هذه الدول مع "إسرائيل" وخاصة "الاتحاد السوفيتي". وكان المنطق السياسي "الساذج" في تبرير ذلك هو إزالة أية عقبات أمام الحل السلمي للقضية، وحتى يصبح الاتحاد السوفيتي "الصديق" مؤهلًا للمشاركة في المؤتمر الدولي، حيث تضع "إسرائيل" عدة شروط لمشاركة السوفيت في المؤتمر الدولي أهمها إعادة الاتحاد السوفيتي لعلاقاته الدبلوماسية معها وسماحه بهجرة اليهود السوفيت.

     

    فكانت لذلك رغبة الزعماء والسياسيين أن يستجيب السوفيت لهذه الشروط، كما استجابوا هم لها.

     

    ولعل ما سبق يعطي صورة ملخصة لحجم الخسارة التي لحقت بالطرف العربي والفلسطيني من جراء تبني برنامج التسوية وإسقاط الخيار العسكري، حيث قدم الفلسطينيون والعرب وحلفاؤهم كل شيء واستجابوا لكل الشروط اليهودية، في حين لم يقدم اليهود حتى الآن شيئًا واحدًا واستمروا في عنادهم وتعنتهم وثباتهم على مواقفهم ومبادئهم وأحلامهم وأطماعهم في كل المنطقة.

     

    إعادة ترتيب الأولويات

    الاتحاد السوفيتي ودول أوروبا الشرقية يعيدون الآن ترتيب مواقفهم وأولوياتهم. فالسوفيت سلموا باعتبار هذه المنطقة منطقة مصالح حيوية لأمريكا، ووافقوا - في مرحلة الوفاق بين العملاقين - على أن تكون أمريكا هي المتصرفة في شؤون المنطقة. وهذا ما يفسر قبول السوفيت بتصورات أمريكا للحل في المنطقة، بل مارس السوفيت دورهم في ترويض أو تليين مواقف بعض الدول العربية التي حاولت لفترة قريبة الظهور بمظهر الرافض للحلول السلمية والمزايدة على بقية الأطراف.

     

    ودول أوروبا الشرقية تعتبر أن الدول العربية لم تطور علاقاتها بها بشكل يفي باحتياجات ومتطلبات هذه الدول، وهي في نفس الوقت تتطلع إلى أن تفتح لهم مواقفهم تلك أبواب أوروبا وأمريكا.

     

    وقد مارست الولايات المتحدة دورًا في الضغط على هذه الدول وترغيبها من أجل إعادة علاقاتها مع "إسرائيل". وفي هذا السياق، نقلت بعض الصحف خبرًا مفاده أن الولايات المتحدة قد رصدت مبلغ 300 مليون دولار كمساعدة لأية دولة أوروبية شرقية تعيد علاقاتها الدبلوماسية مع "إسرائيل"، ومبلغ 500 مليون دولار لأية دولة أوروبية شرقية تخفض مستوى علاقاتها الدبلوماسية مع منظمة التحرير الفلسطينية.

     

    مراجعة شاملة

    هذه القضية تستحق اهتمامًا خاصًا من الأطراف العربية والفلسطينية، لأن استمرار مسلسل إعادة العلاقات مع العدو اليهودي يعني تقويض كل ما حققته المنظمة طيلة الفترة الماضية على صعيد كسب التأييد الدولي وعزل "إسرائيل".

     

    والأمر يحتاج إلى مراجعة عميقة وصادقة لأسباب هذه التراجعات ومعالجتها. وتحتاج إلى مراجعة شاملة للأسلوب والنهج الذي يتبناه الطرف الفلسطيني وقياس إيجابياته وسلبياته والآثار التي عكسها على القضية الفلسطينية بكل جوانبها، ذلك الأسلوب الذي جعلنا - شئنا أم أبينا - نقف في خندق خدمة اليهود وأهدافهم والتناقض مع مصالحنا وحقوقنا.

     

     

     

     

     

     

     

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2099

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 1

1134

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان