; في ظلال شهر الصيام.. ليلة القدر | مجلة المجتمع

العنوان في ظلال شهر الصيام.. ليلة القدر

الكاتب د. عمر سليمان الأشقر

تاريخ النشر الثلاثاء 07-نوفمبر-1972

مشاهدات 64

نشر في العدد 125

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 07-نوفمبر-1972

في حياة الأمم أحداث خالدات، تحمل لها ذكريات عطرة، تبهج القلب، وتنزل من النفوس بردًا وسلامًا نزول الماء إلى جوف الظمآن، وقد تكون هذه الأحداث انتصارًا في معركة، أو خروجًا من محنة، أو ذكرى حاكم عادل، أو قائد ملهم، وعندما تحتفل الأمم بأعيادها التي تذكرها بهذه الأحداث تعبر عن الفرحة النفسية بحركات حسية وأفعال مادية، فتنصب الأقواس، وتجملها بالألوان وترفع الأعلام، وتنفخ في المزامير، وتدق الطبول، وتقيم الاحتفالات ثم يكون جزاؤها على احتفالها بأعيادها لا يتجاوز فرحتها بها.

ولقد كان نزول القرآن حدثًا ضخمًا في حياة الأمة المسلمة، فهو نورها الهادي وحياتها الصافية الرقراقة، وسبيلها إلى العزة والكرامة، ورافعها إلى قمم المجد والخلود، فيه نبأ ما قبلها، وحكم ما بينها، يحيي موات القلوب ويشفي داءها، فيه تحديد لعلاقات الأفراد ببعضهم وعلاقة الحاكم بالمحكوم، وموقف الأمة الإسلامية من غيرها من الأمم، لذلك كان نزول القرآن حدثًا ضخمًا ترتعش لذكراه القلوب المؤمنة فرحًا، ولذلك كان الشهر الذي أنزل فيه القرآن خير الشهور والليلة التي أنزل فيها القرآن خير الليالي ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (البقرة:١٨٥).

﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ(الدخان: ٣).

﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ. لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ. تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ. سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ(سورة القدر).

غير أن الأمة لا ترفع لهذه المناسبة الضخمة أقواسًا ولا تنصب أعلامًا ولكنها تتسابق فيها إلى الفضائل والمكارم فتجتمع لا لتضرب الطبول وتنفخ في الأبواق وترقص على وقع الأنغام، ولكن لتقيم الصلاة، وتقرأ القرآن وتتدارسه آناء الليل وأطراف النهار، فيرجع الضال، ويستغفر المذنب، ويكثر المسلم من الدعاء والابتهال، وكفى بقدر ليلة القدر أنها خير من ألف شهر وأن القائم فيها إيمانا واحتسابا يغفر له ما تقدم من ذنبه، وإن ملائكة السماء وفيهم جبريل يهبطون إلى الأرض، وناهيك بنزولهم بركة وخيرًا، و ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ(الدخان:٤).

 في أي ليلة هي؟

عرف الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ليلة القدر ثم حدث ما تسبب في رفعها، عن عبادة بن الصامت قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبر بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت وعسى أن يكون خيرًا لكم فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة»، (أخرجه البخاري) وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأوسط من رمضان لغلبة ظنه أنها فيه ثم اعتكف العشر الأواخر منه وأمر بالتماسها فيه وفي الوتر منه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في العشر التي في الوسط من هذا الشهر فإذا كان حين يمسي في عشرين ليلة تمضي ويستقبل إحدى وعشرين رجع إلى مسكنه ورجع من كان يجاور معه، وإنه أقام في شهر جاور فيه الليلة التي كان يرجع منها فخطب الناس فأمرهم ما شاء الله ثم قال: كنت أجاور هذه العشر ثم قد بدا لي أن أجاور العشر هذه العشر الأواخر، فمن كان اعتكف معي فليلبث في معتكفه وقد أريت هذه الليلة ثم أنسيتها فابتغوها في العشر الأواخر وابتغوها في كل وتر وقد رأيتني أسجد في ماء وطين فاستهلت السماء في تلك الليلة فأمطرت، فوكف المسجد في مصلى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة إحدى وعشرين فبصرت عيني ونظرت إليه انصرف في صلاة الصبح ووجهه ممتلئ طينا وماء» (رواه البخاري).

وقد أرى كثير من الصحابة ليلة القدر في العشر الأخير ولذلك قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر». وكان الرسول عليه السلام إذا دخل العشر الأواخر من رمضان شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله.

وقد سألت عائشة رضي الله عنها الرسول عليه السلام ماذا تقول إن علمت ليلة القدر فقال لها قولي: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني».

زكاة الفطر

أخرج أبو داود وابن ماجه عن ابن عباس قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر «طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين» فالصائم يقع منه التقصير في صومه فتطهره الصدقة كما يطهره الاستغفار، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، والصوم يسمو بالعبد ويدفعه إلى الجود والإحسان إلى عباد الله، خاصة أن المسلمين مقبلون على يوم يفرحون فيه هو عيد الفطر ومن حق الفقراء أن يفرحوا معنا فهم إخواننا ولذلك أمر الرسول عليه السلام فقال: «أغنوهم بها عن المسألة في هذا اليوم» وهي واجبة على «العبد والحر، والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين» (أخرج ذلك البخاري ومسلم وغيرهما)، عن ابن عمر من قول الرسول عليه السلام، فمتى كان الرجل مالكا لما يزيد على قوت يومه وليلته فيخرج عن نفسه وعن من يعوله من امرأة وولد وعبد.

وكان الرسول عليه السلام وصحابته من بعده يخرجون زكاة الفطر صاعًا من طعام ولا يخرجها مالًا فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر، أو صاعًا من شعير» (رواه البخاري ومسلم) ورويا أيضًا، عن أبي سعيد قال: «كنا نخرج زكاة الفطر صاعًا من طعام، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من زبيب» وفي رواية: كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صاعًا من طعام، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من أقط» فلم نزل كذلك حتى قدم علينا معاوية المدينة، فقال: إني لأرى مدين من سمراء الشام تعدل صاعًا من تمر، فأخذ الناس بذلك، فقال أبو سعيد: فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه. (رواه الجماعة) لكن البخاري لم يذكر فيه قال أبو سعيد: فلا أزال إلى آخره وابن ماجه لم يذكر لفظه «أو» في شيء منه، فالرسول عليه السلام كان يخرجها صاعًا من طعام وكذلك الصحابة، وعلينا أن نتأسى بالرسول عليه السلام وصحابته من بعده فنخرجها كذلك. أما قول من يقول: إن المال أنفع للفقير، فالإجابة أن المال كان موجودًا على عهد الرسول عليه السلام وصحابته وكانوا يخرجون الطعام، ونقول أيضًا: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (مريم: ٦٤). ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (البقرة:٢١٦).

فقد يكون هناك حكم كثيرة من إخراجها طعامًا: ففرق بين أن يلقى الرجل بدراهم إلى الفقراء ثم ينتهي كل شيء من أن يذهب إلى البائع ليشتري طعامًا بنية إخراجه ثم يحمله إلى بيت أخيه الفقير فإذا بالفقير وأهله يدخل إلى بيتهم أشياء يرونها مجسمة وتأتي أشكالًا من قمح وتمر وزبيب.. فيحس بها الفقير وأهله وأبناؤه، إذ يرونها ويأكلون منها بعكس الدراهم التي تدخل جيب الفقير فلا يراها الأبناء ولا الزوجة وقد يكون الفقير بخيلًا يدخر المال ولا يشتري لأهله حاجتهم فلا تحقق الغرض من إخراجها، فلهذه الحكم من تنشيط الأسواق وقيام المزكي بأعمال عدة يقصد بها تحقيق أمر الله، وتجسيم ما يخرجه المزكي في الطعام على أشكاله وإغناء الفقير حقا..

لكل ذلك ولحكم لا نعرفها يعلمها الله نرى أن زكاة الفطر تخرج طعامًا لا مالًا ولا بأس من إخراجها من طعام الناس اليوم كالأرز، والصاع أربعة أمداد والمد أن يملأ الرجل يديه ويمدها باليد المتوسطة التي ليست بكبيرة ولا صغيرة وإذا وزنا ذلك بميزان اليوم نجده يزيد على كيلوين قليلا.

أما الوقت الذي تخرج فيه الزكاة قبل صلاة العيد فعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بزكاة الفطر «أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة» (رواه الجماعة إلا ابن ماجه) فإن تأخرت بعد الصلاة فيجب إخراجها وليس لها أجر زكاة الفطر، بل هي صدقة من الصدقات.

فعن ابن عباس رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات» (رواه أبوداود وابن ماجه)، ويجوز أن تعطى قبل الفطر بيوم أو يومين فقد روى البخاري «وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين» أما إخراجها مبكرًا في أول رمضان أو أواسطه ففيه مخالفة لهدي الرسول عليه السلام وأمره، ولا تحقق الغرض الذي فرضت من أجله، فهي طهرة للصائم من الرفث، والصوم لما ينته بعد، وطعمة للمساكين بإغنائهم عن المسألة في يوم العيد، والفقير سينفقها إن أعطيت له مبكرًا وتبقى الحاجة في يوم العيد.

وفي النهاية أحب أن أهمس في أذن القارئ الكريم فأقول: ابحث يا أخي عن الفقير وتحسس فإن في كل بلد فقراء.. ومنهم فقراء لا يعرفهم الناس ويظنونهم أغنياء لتعففهم ولا تستسهل إعطاءها لأقرب سائل لتريح نفسك فقط، ابحث وسترى أن في عباد الله الكثير ممن يحتاج مثل هذه الزكاة.. تقبل الله منا ومنكم الصيام والزكاة، وغفر لنا ولكم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل