; في ظلال الرسالة رجال على الطريق | مجلة المجتمع

العنوان في ظلال الرسالة رجال على الطريق

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 28-فبراير-1995

مشاهدات 70

نشر في العدد 1140

نشر في الصفحة 39

الثلاثاء 28-فبراير-1995

جلست مع بشر كثير، ومع جماهير مختلفة المنازع والسجايا والتوجهات، وكنت أحترم لكل ذي رأي رأيه، وأقدر لكل مفكر وجهته، وكنت أعرف أن للمنازع سطوة، والسجايا صولة، فأقدر ذلك وأشفق عليه، وأصبر على عجره وبجره وتحمله، وأعِرف أن هذا من طبائع البشر، ومن إرادة الله، وصدق الله (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) (هود: 118-119)، ولكنني مع هذا ما عرفت رجلًا مستقيمًا الطبع، صافي الفكر، مستقر الجنان، لا يماري في الحق إذا عرفه، ولا يعاند في الصواب إذا ظهر له، كان للصواب وللحق صولة تفوق كل تنازع وتعلو على كل اختلاف إذا تلاشت الأهواء الشرود وخمدت الشهوات الجامحة، وانمحت الشرور الفاتكة، وتوارت الطبائع المريضة، وهذا أيضًا من إرادة الله وصدق الله ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (سبأ: 48) ولذلك كان الحق النازل على رسول الله ﷺ ماحيًا لكل نوازع مريضة، أو سجايا منحرفة، أو توجهات عليلة، أو آراء خبيثة ومبقيًا منها على كل ما يساعد على الخير، ويبني للإنسانية صراطًا مستقيمًا، وهناء مستديمًا، وصدق الله: (وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (الشورى: 24)، ولهذا يلتقي رجال على الحق بعدما عرفوه رغم اختلاف مشاربهم، ويتقابل أناس على طريق الصواب بعدما عاينوه رغم تتباين طبائعهم، يتواصون عليه، ويكافحون من أجله وربما لا يعرف بعضهم بعضًا، أو يتلاقى بعضهم مع بعض؛ لأنه الطريق الأوحد الذي يجمع ولا يفرق، ويلملم ولا يشتت.

والطرق شتى وطريق الحق واحدة            والسالكون طريق الحق أفراد

لا يعرفون ولا تُدرى مسالكهم                   وهم على مهل يمشون قصاد

والناس في غفلة عما يراد بهم                    وجلهم عن طريق الحق حياد

والإسلام لأنه حق مبين ورباني المنبع، وفطري التعاليم وإشعاعي الهداية، تراه يجذب القلوب إلى ضوئه، ويصبغ النفوس بتعاليمه، ويوحد الأفهام بثقافته، ويوجه الطاقات بقوته، ويحرك العزائم بعقيدته، فتلتقي الأمة كأنها جسد وتتوحد السواعد رسالة، وتجتمع الأحلام كأنها حقائق، وتمتزج الآمال كأنها إصباح، وهذا هو العجب في تلك الدعوة:

عجبت منك ومني                                             أغنيتني بك عني

أدنيتني منك حتى                                             ظننت أنك إني

ولهذا ترى المصلحين والدعاة إلى الإسلام ينزعون عن قوس واحد، ويتولون وجهة واحدة لأن المدرسة الربانية التي تخرجوا منها واحدة، والمنهاج الذي تربوا عليه واحد، ولهذا تراك إذا قرأت مثلًا لمحمد عبده فكأنك تقرأ لابن باديس، وإذا قرأت لرشيد رضا فكأنك تقرأ لمحمد إقبال، وإذا قرأت لحسن البنا فكأنك تقرأ للندوي، وإذا قرأت لسيد قطب فكأنك تقرأ للمودودي، تلامذة المعلم الواحد هو رسول الله ﷺ، ودارسون لمنهج واحد هو القرآن الكريم، ومفكرون لثقافة واحدة هي الإسلام، ورواد لأمة واحدة مشاربها متحدة وآمالها واحدة، وأهدافها متناغمة.

وقد صادفني في قراءاتي شيء غريب أضربه مثلًا على ذلك: قرأت عن الأستاذ سيد قطب –رحمه الله– قبل أن ينخرط في العمل الإسلامي، وقبل أن يعرف شيئًا عنه، فوجئت أن الرجل بعمقه الإسلامي ورأيه التحرري، يتشوف إلى إصلاح للأمة بسواعد فتية يؤمنون بالله يراهم في ضمير الغيب، ويأمل أن يشاهدهم في دنيا الواقع، ولهذا صدر كتابه «العدالة الاجتماعية في الإسلام»، بقوله: «إلى الفتية الذين ألمحهم في خيالي قادمين يردون هذا الدين جديدًا كما بدأ، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون مؤمنين في قرارات أنفسهم أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين... إلى أولئك الفتية الذين لا أشك لحظة أن روح الإسلام القوية ستبعثهم من ماضي الأجيال إلى مستقبل الأجيال في يوم قريب.. جد قريب».

كتب هذه المقدمة ولم يكن يعرف الحركة الإسلامية التي انخرط فيها بعد، ولم يكن يعرف رجالها حيث كانوا في ذلك الوقت مغيبين في السجون، ثم قرأت تعليقًا على هذا الكتاب للأستاذ حسن البنا قال فيه: «هذا الكتاب يحمل الفكرة الإسلامية ويدعو لها وهي أفكارنا، وكان ينبغي أن يكون صاحبها واحدًا منا».

وتمضي الأيام، ويذهب سيد قطب إلى أمريكا ويمرض ويدخل أحد المستشفيات الأمريكية، وفي ذات يوم يلاحظ الرجل على من حوله من الممرضين والممرضات بهجة وسرورًا يغمران الجميع فظن أن القوم في عيد، غير أنه ذهل حين سأل عن سبب بهجتهم تلك، فكانت إجابتهم: «لقد تخلصنا من عدو الغرب الأول في ديار الشرق، لقد قتل حسن البنا»! فوجهت الحادثة تفكيره إلى البحث عن دعوة هذا الرجل، فعرفها، وكان من جنودها، وقدم للطبعة الثانية من كتابه «العدالة الاجتماعية» بمقدمة قال فيها: «إلى الفتية الذين كنت ألمحهم بعين الخيال قادمين فوجدتهم في واقع الحياة قائمين، يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم مؤمنين بقرارة نفوسهم أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين... إلى هؤلاء الفتية الذين كانوا في خيالي أمنية وحلمًا، فإذا بهم حقيقة أعظم من الخيال وواقع أكبر من الآمال، إلى هؤلاء الفتية الذين انبثقوا في ضمير الغيب كما تنبثق الحياة من ضمير العدم، وكما ينبثق النور من خلال الظلمات... إلخ».

أرأيت كيف تتوافق الأرواح على طريق الإسلام، وتتجند العقول والأفهام على منهاج الرسالة، ثم تتلاقى وقد لا يعرف بعضها بعضًا، وإنما هم فرسان الرسالة وجند الحق، وشهب الدعوة الواعدة.

وللدعوات فرسان إذا ركضوا                       فيها أبروا كما للحرب فرسان

فهل تراك يا أخي تخاطبهم بظهر الغيب وتتمنى لقاءهم؟ وهل تراك تقابلهم يومًا من الأيام أم ماذا؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

1134

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان

نشر في العدد 9

133

الثلاثاء 12-مايو-1970

حذار من لعنة الأجيال