; في ضوء القضية الأفغانية - مواقف الهند في الميزان | مجلة المجتمع

العنوان في ضوء القضية الأفغانية - مواقف الهند في الميزان

الكاتب عبدالحق حسن

تاريخ النشر الثلاثاء 25-أبريل-1989

مشاهدات 63

نشر في العدد 914

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 25-أبريل-1989

كيف يبدو الموقف الهندي من القضية الأفغانية من خلال السياسة المعلنة!

الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة يتجاذبان الدور الهندي فيما يتعلق بأفغانستان.

لابد من إعادة النظر في تقييم دور الهند من مجمل القضايا الإسلامية.

غورباتشوف: إصرار على عدم وصول الأصولية الإسلامية إلى الحكم.

راجيف غاندي: تآمر على المسلمين .

نجيب الله- عدو الإسلام.

درجت بعض الدوائر السياسية العربية على تقديم الهند على أنها الدولة الأولى التي تحظى بمكانة خاصة، وذلك عند التعامل السياسي والاقتصادي؛ وما يعود على الهند بالنفع في مجمل العلاقات.. لكن المتأمل في موقف الهند من قضايا العرب والإسلام يجد في الأمر عجبًا، وهي أن ذلك البلد يضع نصب عينيه عداوة المسلمين، ولا يترك فرصة إقليمية أو دولية تتعلق بقضايا الإسلام إلا ويتخذ منها موقفًا مناهضًا إما بالسلب أو بالإيجاب، وقد يتشفع البعض بتأييدها للقضية الفلسطينية دون أن يتابع التعاون المتنامي بينها وبين إسرائيل في مجال التكنولوجيا العسكرية والأنشطة النووية. وتعد القنصلية الإسرائيلية في الهند من أكثر المؤسسات الدبلوماسية نشاطًا وتآمرًا ضد القضايا الإسلامية في ذلك الجزء الذي يشهد الآن بعثًا إسلاميًا. ورغم التسهيلات والتيسيرات بل المكاسب التي تحصل عليها الهند من الوطن الإسلامي إلا أن مذابح المسلمين هناك لا تتوقف، وكأن دماءهم قربى للهندوس في مناسباتهم الدينية.

 

ورغم أن الدول الإسلامية وبالأخص دول الخليج فتحت أبوابها للعمالة الهندية، وتحملت مساوئها الصحية والأخلاقية في كثير من الأحيان، بل سمحت لهم ببناء الكنائس وممارسة وثنيتهم على أرض التوحيد إلا أن المسلمين لديها لا يحظون بمعشار ما يتمتع به الهندوس والسيخ عندنا.

 

الموقف من باكستان

 

والهند لا ينسى لها المسلمون أنها شطرت الباكستان نصفين، وراحت تعامل النصف الشرقي «بنجلاديش» بكل أنواع الاستعلاء والصلف والمهانة... تتدخل في شئونه وتقف سلبيًا أمام الكوارث التي تجتاحه بروح شماتة وتشفي، وتحارب أي تقارب بينه وبين النصف الآخر «باكستان». وكشمير بلد إسلامي تصر الهند على احتلاله بالقوة، رغم أنه جزء من باكستان حسب قرار التقسيم سنة ١٩٤٦ ... ولا تفكر الهند بمناقشة مصير هذا الجزء لإعادته إلى المسلمين أبدًا.

 

أما الكيان الذي استعصى على هيمنة الهندوس وهي الباكستان، فقد عاقبتها الهند بثلاثة حروب متتالية أعوام ۱۹٤٨ ، ۱۹۹5 ، ۱۹۷۱ فخلقت لها من المشاكل ما أعاق نموها الاقتصادي وأثارت في أنحائها النعرات العرقية، وأصبح لا همّ للباكستان رغم ضعف مواردها الاقتصادية سوى البحث عن وسائل الدفاع عن النفس تجاه تلك الاستفزازات الهندية. وعندما يُقال أن الباكستان تفكر في إنتاج قنبلة نووية، يقف راجيف غاندي وسط أصدقائه الأمريكيين قائلًا «إن أي سلاح تنتجه باكستان يعد قنبلة إسلامية»... وهو لهذا لا يفتأ يحارب المشروع الباكستاني سرًا وجهرًا، ويذهب إلى حد التعاون السافر مع العدو الإسرائيلي في مجال الأسلحة النووية ويفتح له العالم الغربي مجالات التعاون في هذا الميدان على مصراعيها... ورغم تفوق الهند النووي الواضح على الباكستان إذ أنها تمتلك خمس محطات نووية، وقامت بتجارب نووية ناجحة، بينما مازالت الباكستان في بداية الطريق إلا أن الهند تصر على تقليم وتقليص دور الباكستان الإسلامي؛ ولذا أسرعت بالالتفاف سريعًا عقب استشهاد ضياء الحق حول حزب الشعب الباكستاني برئاسة بنازير بوتو، ومحاولة تجميد التوجه الإسلامي المتسارع هناك وتفريغه في إطار علماني يشمل المنطقة كلها الهند وباكستان وأفغانستان، وبهذا تحقق الهند هدفها المتطابق مع مخططات القوى الكبرى لوأد الإسلام من هناك: من بواباته الشرقية.

 

 أما دورها في الحرب الإيرانية–العراقية فغير خاف على المسلم فقيه من الغدر والمناورات السلبية ما يثير، فالاجتماعات السرية والاتفاقات التي تتم من وراء الظهر على حساب طرف في الحرب دون آخر، أثبتت وكأن تلك الحرب جاءت وفق تطلعات الهند في أن تطوي تلك الحرب أطرافها جميعها، وتنفرد هي على الساحة بعد أن تأكل الحرب الأخضر واليابس في المنطقة، وهي حرب بلاشك تدور رحاها في الوطن الإسلامي، وتعود بتأثيراتها السلبية على مستقبل الصحوة الإسلامية... تلك القنبلة الأخرى التي تخافها إمبراطورية الهندوس وتعمل سرًا وعلانية على حربها، ومن هنا انطلق دور الهند في التآمر على الصحوة الإسلامية في أفغانستان.

 

أبعاد الموقف الهندي في أفغانستان

 

غير خاف أن موسكو والهند كانتا وراء الانقلاب الماركسي في أفغانستان بحجة منع الصين من التغلغل في المنطقة إلا أن هذا كان تبريرًا مستبعدًا؛ لأن التبرير الحقيقي من تدخل الدولتين هو الحيلولة دون التقارب بين دولتين تجمعهما عقيدة مشتركة، عقيدة بدأت بالفعل في اليقظة وبعث الهمم في نفوس المسلمين، والمسلمون داخل أسوار الهند تجاوزوا المائة مليون وداخل حصون البلاشفة تجاوزوا الخمسين مليونًا، وهم بلا شك داخل تلك الأسوار أو وراء تلك الحصون يتطلعون إلى جهاد إخوانهم في أفغانستان وفلسطين، ويتنسمون شذى البعث الإسلامي بكل شوق وإكبار، وينتظرون اليوم الذي يشاركون فيه في هذا البعث الإسلامي الكبير المرتقب... ذلك التبرير الذي نعرف لتدخل البلاشفة وتآمر الهندوس معهم ضد أفغانستان... وتلك القنبلة التي يخافها راجيف ناسيًا أن الذي صنع الهند قديمًا هو البعث الإسلامي؛ ولذا فإن الهند استطاعت للقيام بهذا الدور... دورها المشبوه في تحجيم الصحوة الإسلامية أن تحظى بمباركة القوتين العظميين، وأن يجتمع الطرفان على ودها وتقديم المساعدات الطائلة لها... والمعروف عالميًا أن تصطدم مصالح الشرق والغرب في أي مكان. ...

 

لكن على أرض الهند تلتقي مصالح القطبين، وتحصل الهند مقابل هذا على أسلحة سوفيتية لم تحصل عليها دول حلف وارسو، فالميج ٢٩ يحلق في أجواء الهند ولا تراه رومانيا... كما أن أحدث ما أنتجته المصانع العسكرية الفرنسية والبريطانية يقدم لها دون عناء وبشروط غاية في اليسر... أما

 

الولايات المتحدة فتعاونها مع الهند بلغ أشواطًا بعيدة في المجال العسكري والنووي والمواقف السياسية، حتى أنها أي الولايات المتحدة تغض الطرف عن الدور الذي تقوم به الهند، وهو الدور الذي تباركه الولايات المتحدة كشرطي المنطقة، وهذا هو الموقف الذي سجلته الأحداث عقب قيام القوات الهندوسية بالتدخل في المالديف؛ لمنع انقلاب ضد الحكومة هناك وإرسال الرئيس ريجان برقية تهنئة وتأييد لغاندي لنجاحه في إعادة الاستقرار في المنطقة... أما عبث السلطات في مقدرات سيريلانكا وخلقها لمنظمة التأميل والانقلاب عليها لاتخاذها جسرًا لاحتلال ذلك البلد... كل ذلك يمر أمام الإعلام الشرقي والغربي دون ملاحظة وبرضا تام عن هذا

 

الطموح السياسي والعسكري للهند....

 

دور أمني:

 

هذه خلفية موجزة توضح إلى أي مدى تقوم الهند بدور الولايات المتحدة والغرب في جانب، ودور الاتحاد السوفياتي في جانب آخر ونعني به القضية الأفغانية. ففي عشية انسحاب الروس من أفغانستان، وفي الوقت الذي كانت بلاده محاصره من قبل المجاهدين لم يجد نجيب الله صديقًا وفيًا ومساندًا قويًا سوى الهند الذي طار إليها، فوجد البساط الأحمر مفروشًا تحت قدميه في مطار نيودلهي، وأطلقت المدفعية إحدى وعشرين طلقة وفي نهاية الزيارة وعد راجيف غاندي علنًا بمساندة الزعيم الأفغاني الماركسي بكل السبل...

 

وهذا الدعم المطلق هو الذي حدا ببعض الأصوات الهندية أن تتساءل عما إذا كان للهند قوات في أفغانستان، وتتساءل أيضًا عن السر وراء تصريحات غاندي المتكررة التي يؤكد فيها أن نظام نجيب الله لن يسقط، واتهامه للصحافة العالمية برسم صورة قاتمة لنظام الحكم هناك، لقد ارتفع صوت الهند في الدفاع عن النظام الماركسي في الوقت الذي بدا فيه أن السوفييت يتعاملون مع القضية في صمت على استحياء بعد الفشل الذي أصابهم هناك... فهل فوّض الروس الهند للقيام بدورهم في أفغانستان؟

 

زيارة جور با تشوف

 

لِمَ لا؟ وهذا هو الانطباع الذي ساد أوساط المراقبين عقب زيارة جورباتشوف للهند في نوفمبر سنة ۱۹۸۸ وإصدار بيان يؤكد الجانبان فيه على إقامة حكومة ذات قاعدة عريضة في أفغانستان، وإصرارهما على الحيلولة دون وصول ما يسميه راجيف غاندي «بالأصولية الإسلامية» إلى الحكم ونجيب الله –كما ترى الهند– يمثل ما يمكن أن يكون العائق الأخير أمام تقدم المسلمين الأصوليين في أفغانستان، فذلك يضمن له عدم وصول تأثير المسلمين «المتطرفين» إلى الأقلية المسلمة في الهند التي تعيش في أوضاع غير عادلة، وتتعرض بصفة مستمرة إلى مذابح مفتعلة تنسحب عند حدوثها أجهزة الأمن الهندية بشكل متعمد...

 

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى يضمن لها دعم نجيب الله الانفراد بالباكستان والحيلولة دون قيام جبهة إسلامية خالصة من باكستان وأفغانستان وإيران... وهذا ما يلتقي والهدف الذي يسعى إليه الاتحاد السوفيتي.

 

وهذه التحركات المناهضة للصحوة الإسلامية تأتي بالتنسيق مع الدوائر الصليبية التي تسعى هي الأخرى -وفي مقدمتها الولايات المتحدة- إلى تكريس نظام علماني في أفغانستان، وبالتنسيق مع الدوائر الصهيونية التي ترى في تفجير الأوضاع هناك واستدامتها إبعاد الاهتمامات الإسلامية عن القضية المركزية الأولى وهي قضية فلسطين وإعادة المسجد الأقصى. ولهذا عقد مؤتمر في يناير سنة ۱۹۸۷ في تل أبيب لمناقشة القضية الأفغانية وصلته بفلسطين. مقابل هذا الدور تتحرك الهند بأسطولها البحري المتنامي في المنطقة كيف تشاء، وتقوم بالتدخل في شئون المالديف وتحتل سيريلانكا دون اعتراض وتبني من المفاعلات النووية والصواريخ بعيدة المدى بالتعاون مع الشرق والغرب دون شروط... بينما تفرض مئات الشروط على تسليح باكستان وبرنامجها النووي السلمي أو عند بيع صفقة سلاح لها... أو إمدادها بقروض مهينة.

 

إن موقف الهند من مجمل القضايا الإسلامية يحتاج إلى إعادة نظر وتأكيد بعيدًا عن تصريحات المجاملات الدبلوماسية أو الاحتجاج بأنها رائدة حركة عدم الانحياز... تلك الحركة التي عملت الهند من خلالها على شطب نضال المجاهدين الأفغان من جدول أعمالها أو طرح قضيتهم العادلة في مؤتمراتها.. هذه وجهة نظر إسلامية جاءت كمتابعة لمواقف الهند السافرة من الصحوة الإسلامية داخليًا وخارجيًا ولا تخدعنا عبارات التأييد التي يقتضيها أسلوب الدبلوماسية الهندية الخنوع... لأن الممارسة والفعل شيء آخر.... فليرتقب العرب والمسلمون غولًا مفزعًا يتنامى عسكريًا ونوويًا على حدودهم الشرقية أخطر بكثير على قضاياهم من أعدائهم السافرين.

الرابط المختصر :