; في سوق سراييفو | مجلة المجتمع

العنوان في سوق سراييفو

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 24-يناير-1995

مشاهدات 125

نشر في العدد 1135

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 24-يناير-1995

كانت بقع الدماء تغطي مساحة كبيرة من الجليد الذي كان يملأ ساحة السوق الصغير في شارع المارشال تيتو في العاصمة سراييفو، وبينما استوقفت أحد رجال الشرطة البوسنيين لأسأله عن القتلى والجرحى الذين سالت منهم كميات الدماء الكبيرة التي تشربتها الثلوج، هرع إليَّ رجل بوسني كبير السن وقال لي وعلامات الذعر على وجهه: "هل أنت صحفي تركي يا بني؟ "، قلت له: "إني عربي "، قال: "هل رأيت كيف يفعل المجرمون الصرب بنا تحت سمع العالم وبصره ولا يتحرك لنصرتنا أحد؟".

ثم أخذني الرجل الذي كانت تبدو عليه الفجيعة والهلع من يدي إلى دكان مدمر لا يبعد سوى أمتار وقال لي: "أنا صاحب هذا الدكان الذي سقطت عليه قذيفة من القذائف الثلاث، ومن قدر الله أني أفتح دكاني كل يوم في السابعة صباحًا ويكون ممتلئًا بالناس، لكني في هذا اليوم تأخرت على غير العادة، وسقطت القذائف في الساعة 9 والدكان مغلق، فقتل وجرح 10 أشخاص وقدر الله لي أن أكون من الناجين ".

لم يكن الرجل الملهوف قد أكمل رواية فجيعته إليَّ حتى جاءني أحد رجال الشرطة الذين كانوا يطوقون المكان وقال لي بأدب: "أرجو أن تسعى لإنجاز مهمتك وتنصرف بسرعة من المكان، فالهجوم الصربي لم يمض عليه سوى دقائق وهم عادة ما يقومون بقصف المكان الذي قصفوه بعد فترة وجيزة، حيث يضمنون توافد الناس للاطلاع على ما حدث فتكون إصابات المرة الثانية أكبر من الأولى، ولهذا فإننا نحرص على عدم تجمع الناس "، شكرت الجندي الذي كان متأثرًا لفقدان أحد زملائه في القصف، ثم أنهيت مهمتي وانصرفت.

كان ذلك في 22 من ديسمبر الماضي وكنت وقتها أستعد للذهاب إلى مقر الرئاسة في سراييفو لمعرفة نتائج المباحثات التي كان يقوم بها الموفد الأممي ياسوشي أكاشي مع الرئيس بيجوفيتش حينما سقطت القذائف الثلاث متتابعة على السوق الذي لم أكن أبعد كثيرًا عنه.

ولم تكن فجيعتي فيما رأيت بقدر فجيعتي فيما سمعت، فحينما جلست بعد ساعات لأتابع الأخبار التي ستتناول الحادث وجدت أن مسؤولي الأمم المتحدة لم يتهموا الصرب - الذين يدكون سراييفو ليل نهار بالقذائف - بهذه الجريمة، وإنما قالوا: "إن الفاعل مجهول؟! ".

ولم يكن هذا الدجل الإعلامي لمسؤولي الأمم المتحدة جديدًا، فحينما قصف الصرب سوق الخضار الذي لم يكن يبعد كثيرًا عن هذا السوق في فبراير الماضي وقتلوا 68 شخصًا، كان تقرير الأمم المتحدة عن الحادث بأن قذائف المورتر التي قصفت السوق مجهولة الهوية، والعجيب أن قوات الأمم المتحدة لم تعد تتوقف عند حد ممارستها المباشرة ضد المسلمين والتي ترصدها وسائل الإعلام العالمية وترددها كل يوم وإنما أصبحت تقوم بممارسة لعبة إعلامية قذرة تدعم جرائم الصرب وتقويها، فما هو عدد الأطراف التي تتصارع في سراييفو حتى تعلن الأمم المتحدة أن مصدر القذائف التي لا يملكها سوى الصرب فقط مجهول الهوية؟ إنهم طرفان فقط المسلمون والصرب، وهذه القذائف توجد لدى طرف واحد هم الصرب.

لكن الأمر لم يقف عند حد قذائف الأسواق التي حصدت ما يزيد على 100 قتيل وجريح من المسلمين خلال عام 1994م وحده، وإنما أصبح هذا ديدن قوات الأمم المتحدة في كل جرائم الصرب، ففي 2 من يناير الجاري قصف فندق "هوليداي إن" - المواجه لضاحية جربافيتشا التي يسيطر عليها الصرب في قلب سراييفو والتي تقع أمامها ساحة القنص الشهيرة في شارع المارشال تيتو– بصاروخ كان هو بداية خرق الهدنة الهشة التي أعلنت في أول يناير، ورغم أن الكابتن "ميريام سوشاغي" الناطق باسم الأمم المتحدة، قد صرح بأن الصاروخ من طراز يطلق من على الكتف يوجد لدى الصرب، إلا أنه قال في ختام تصريحه: "لكننا لا نستطيع تأكيد أن صرب البوسنة هم الذين أطلقوه ".

وكان ياسوشي أكاشي موفد الأمم المتحدة إلى يوغوسلافيا السابقة، قد أدان المسلمين في شهر أكتوبر الماضي واتهمهم بأنهم قد قتلوا 30 صربيًا مدنيًا في جبل إيجمان، لكن المسلمين أجبروه على الاعتذار بعد ذلك حينما اتضح أنها كانت عملية فدائية عسكرية وأن القتلى كانوا من العسكريين، ولم يقف الأمر عند حد أكاشي وسوشاكي وإنما كان هناك ضابط أيسلندي يدعى ميك ماغنوسون كان دائمًا يصرح للصحفيين بعد كل هجوم يقوم به الصرب على سراييفو بأن المسلمين هم الذين يقصفون المدينة وأنهم يقتلون أبناء دينهم حتى يستدروا عطف العالم عليهم.

وعلى خطى ماغنوسون كان سيدريك ثورنبيري - مسؤول شؤون اللاجئين البوسنيين في زغرب - يعقد مؤتمرات صحفية دائمة بمساعدة سكرتيره الألماني ليعلن دائمًا أن المسلمين هم الذين يطلقون النار على أنفسهم للفت الأنظار إلى قضيتهم والحصول على تأييد الرأي العام العالمي وزيادة الضغط من أجل التدخل العسكري الخارجي.

هذه الأخلاقيات العجيبة لمسؤولي الأمم المتحدة هي التي جعلت أحد الجنود المسلمين يضرب رأسه بالحائط وهو يكاد ينفجر غيظًا حينما سمع هذه التصريحات ويرد على أحد المراسلين الصحفيين قائلًا: "لو علمت أن قواتنا تقتل المسلمين ولو بالخطأ لما بقيت مجندًا في صفوفها يومًا واحدًا "، وهذه التصرفات نفسها هي التي جعلت الشاب البوسني عدي هودجيتش الذي صحبني بعض الأيام في سراييفو يقول لي بحنق بالغ أثناء حديثه معي عن الأمم المتحدة بعد مجزرة السوق: "إننا نكره قوات الأمم المتحدة.. إنهم سبب رئيسي في استمرار مأساتنا ".

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

541

الثلاثاء 24-مارس-1970

حول العالم

نشر في العدد 8

596

الثلاثاء 05-مايو-1970

حول العالم - العدد 8