العنوان في سودان المجاعة: استبعاد الجبهة الإسلامية القومية... لماذا؟
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أكتوبر-1987
مشاهدات 83
نشر في العدد 838
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 13-أكتوبر-1987
مواقف الجبهة تتميز بالثبات على المبادئ والوضوح في السياسات
بات من الأرجح أن حزبي الحكومة -الأمة والاتحادي الديمقراطي -يتجهان نحو الحكم الائتلافي مرة أخرى.
وإذا كانت القراءة السياسية للفترة السابقة تدل على هشاشة الائتلاف الحاكم، حيث إن الحكومة القادمة هي الثالثة خلال عام ونصف، كما أن أزمة الشقة الحادة في العلاقة بين الحزبين ولدت خلافات مستمرة أدت مرتين حتى الأن إلى حل الحكومة، وكذلك فإن السياسات التفصيلية لبرامج الائتلاف غير واضحة ولا مفهومة لدى الحزبين، ثم إن حساسية المنافسة الحزبية بينهما ما زالت قائمة، كل ذلك يبرز سؤالًا هامًا :
لماذا هذا الإصرار من الحزبين -الأمة والاتحادي- على الحكم الائتلافي الذي يعني استبعاد الجبهة الإسلامية من دخول الحكم القومي؟؟
وتكمن الإجابة على هذا السؤال في عدة أمور على درجة واحدة من الأهمية: فمن الناحية النفسية فإن الأمة والاتحادي لا يستطيعان تقبل دخول منافس ثالث لهما في اقتسام السلطة والمشاركة فيها وقد اعتادا منذ استقلال السودان -١٩٥٦- على الاستئثار بالسلطة أو تبادلها بينهما. ومن هذا المنطلق نفسه فهما ينظران إلى الانتخابات القادمة بتخوف شديد من أن تتقدم الجبهة الإسلامية زاحفة نحو مناطق الولاء الطائفي التي يعتمدان عليها، خاصةً وأن الجبهة الإسلامية ما فترت يومًا منذ تأسيسها عن تبليغ دعوتها الإسلامية بعقد المؤتمرات وإدارة الندوات وإصدار المجلات والنشرات والاتصال بعامة الشعب وتلمس الحلول لمشاكلهم، ولذا فعامل المنافسة السياسية يدفع الحزبين -الأمة والاتحادي- نحو رفض فكرة الحكم القومي والتي تعني مشاركة الجبهة الإسلامية في حكم البلاد، هذا على الرغم من أن ظروف السودان ومشاكل الائتلاف يدفعان نحو الحكومة القومية.
وكذلك فإن لمواقف الجبهة الإسلامية وسياساتها تجاه أهم القضايا المطروحة في الساحة السودانية تأثيرًا كبيرًا وأساسيًا...
إذ إن مواقف الجبهة تتميز بالثبات على المبادئ والوضوح في السياسات وتفصيل في عرض البدائل، وقد تجلى ذلك تمامًا في «ميثاق الحكم القومي» الذي أصدرته الجبهة الإسلامية وجعلته بمثابة شروط ومواصفات لا بد منها كي تدخل في حكم قومي، ويمكن تلخيص أهم نقاط هذا الميثاق فيما يلي:
- تؤكد الجبهة الإسلامية أن الشريعة الإسلامية هي خيار الشعب الأوحد في كافة مجالات الحياة، ولذا فلا بد من تقديم مشروع القوانين الإسلامية في ظرف لا يتجاوز الشهر من تشكيل الحكومة.
- إلغاء الأحكام الجنائية المبيحة للاعتقال والتجريم الاعتباطي والمقيدة للحريات السياسية.
- مراعاة الانسجام والتناسق بين القوى السياسية المكونة للحكومة القومية، وبمعنى آخر استبعاد قوى اليسار جميعًا من الحكم القومي.
- الاتفاق على حلول وسياسات وبرامج تفصيلية لمواجهة مشكلات البلاد وخاصةً الاقتصادية ومشكلة الجنوب، وانتهاج سياسة خارجية واضحة المعالم.
- التأكيد على ضرورة دعم وتأييد الثورة الإرتيرية في وجه الاحتلال الأثيوبي، وكذلك أهمية عقد اتفاقية الدفاع المشترك مع مصر.
- ويتضح من مواصفات الجبهة الإسلامية للحكم القومي أنها لا تنظر له باعتباره «قسمة لحظوظ السلطة وإنما تعاونًا موضوعيًا على مصالح البلاد»
ومن هنا فإن الموقف المبدئي الثابت للجبهة الإسلامية خاصةً من قضية تحكيم الشريعة الإسلامية يجعل الحزبين في تردد في أمر الحكومة القومية، فهما من جانب لا يريدان أن يتيحا للجبهة فرصة إظهارها بمظهر المنتصر لشرع الله، ومن جانب آخر فهما يتعرضان لضغط خارجي يدفع في اتجاه عدم إدخال الجبهة الإسلامية في أي حكم قومي للبلاد، وقد أكدت جريدة «ألوان» -التي يحررها أعضاء في الجبهة الإسلامية- وجود تحركات أجنبية مؤكدة ترمي إلى استبعاد الجبهة الإسلامية من الحكم، وأشارت الجريدة إلى الزيارات المتكررة التي يقوم بها دبلوماسيون أمريكيون لقياديي الحزبين -الأمة والاتحادي- والتي يوضح بها الأمريكان أن سياستهم في الشرق الأوسط تهدف إلى محاربة الإسلاميين وإبعادهم عن التأثير في الأدوار الاستراتيجية ولذا فلا يمكن السماح للحركة الإسلامية في السودان بالوصول إلى السلطة.
وخلاصة القول... فإن السودان -ما لم تحصل مفاجآت سياسية طارئة- مقبل على حكم ائتلافي بين الحزبين -الأمة والاتحادي الديمقراطي- رغم أن ظروف السودان وأزمة الثقة بين الحزبين تشيران إلى عدم نجاح الحكم الائتلافي في مواجهة مشكلات البلاد.
وعمومًا فإن رغبة الحزبين -الأمة والاتحادي- في كسب المغانم، والمنافسة السياسية والضغط الخارجي ثم المواقف المبدئية الثابتة للجبهة الإسلامية، كل ذلك يدفع الحزبين إلى الاستماتة على العودة للائتلاف.
ولا يفوتنا أن نشير أن الضغط الداخلي على الحزبين من قبل أحزاب اليسار «الشيوعي والبعث» التي تدفع وبشدة -رغم أنها محدودة الأثر- نحو عودة الائتلاف بين الحزبين -الأمة والاتحادي- خشيةً من دخول الجبهة الإسلامية إلى الحكم الذي يعني بأي حال التقدم الأكيد نحو تحكيم الشريعة الإسلامية، وهو ما يؤرق هذه الأحزاب.
والمراقبون السياسيون في السودان يرون أنه إذا تم بالفعل تشكيل حكومة ائتلافية مرة أخرى فإنها لن تكون أقوى من سابقيها، وبالتالي فإن سقوطها مرة ثالثة سيكون خطير الأثر على النظام الديمقراطي في السودان، ولعل مخاطر الحكومة الائتلافية هذه هي التي جعلت السيد الصادق المهدي رئيس الوزراء ورئيس حزب الأمة مترددًا في تحديد موقف حزب الأمة من الحكومة القومية أو الائتلافية خاصة وقد اتضح له ما يعانيه حليفه -الحزب الاتحادي- من ضعف وتفكك... غير أن عوامل الضغط الخارجي ودافع المنافسة السياسية بينه وبين الجبهة الإسلامية، تدفعان بحزب الأمة نحو الحكومة الائتلافية الثالثة بقدر أكبر... والتي إذا سقطت للمرة الثالثة فسيكون سقوطها الثالث بأننا مثل الطلاق الثالث على حد تعبير الدكتور حسن الترابي... وما تزال الساحة السياسية في السودان حبلى بالمفاجآت.