; في رحاب القرآن.. تابع سلسلة (نور من النور) الحلقة الحادية عشرة | مجلة المجتمع

العنوان في رحاب القرآن.. تابع سلسلة (نور من النور) الحلقة الحادية عشرة

الكاتب الشيخ عبد التواب هيكل

تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-1978

مشاهدات 58

نشر في العدد 414

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 03-أكتوبر-1978

سياحة القلب المؤمن

حمدًا لله وشكرًا، وصلاة وسلامًا على هادي الأمة، وكاشف الغمة ومبدد الظلمة، ونبي الهدى والرحمة محمد صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه، وبعد:

ففي رحاب القرآن، أرحب بكم أيها الإخوان، وأحييكم بتحية الإسلام، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته وإليكم الحلقة الحادية عشرة من سلسلة -نور من النور- وبالله التوفيق:

عرفنا في حلقتنا السابقة موقف سورة النور من قضية اتهام الغير بالزنا -وهي ما يُسمى بالقذف- وأنها قد قررت في حق القاذف الذي لا يقدم البينة الشرعية على صدقه وهي أربعة شهود عدول يشهدون بأنهم رأوا الميل في المكحلة والرشاء في البير أو أن يعترف المقذوف اعترافًا صريحًا أمام الحاكم؛ قررت في حق القاذف الذي هذا شأنه ثلاث عقوبات بدنية: وهي جلده ثمانين جلدة.

وأدبية: وهي عدم قبول شهادته أبدًا.

ودينية: وهي وصمه بين الناس بالفسق ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النور: 5)

فهل يقام حد القذف على من يقذف زوجته؟.

وهنا تتجلى لنا عدالة التشريع الإسلامي في سورة النور، ورحمته وتيسيره كما سيتضح لنا من الجواب إن شاء الله، وقبل الشروع في الجواب نقدم بين يديه نبذة قصيرة عن:

- مدى العلاقة الزوجية في الإسلام

إن خير ما يصور لنا مدى العلاقة الزوجية، في نظر الشريعة الإسلامية هو قوله تعالى في سورة الروم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم: 21).

وترتفع العلاقة الزوجية إلى مستوى القمة في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ (البقرة: 187).

الله أكبر ألا ترون أنه أمام هذا التعبير القرآني المعجز في تصوير العلاقة الزوجية كما يريدها الإسلام يسجد البيان وتركع الأقلام؟ وإن إطلاق لفظ -زوج- على كل من الرجل والمرأة بعد اقترانهما بعقد النكاح ليشير إلى طرف من هذا المعنى الذي تتفجر به الآية الكريمة: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ (البقرة: 187).

فمن المعلوم في اللغة العربية أن كلمة -زوج- مقابلة لكلمة -فرد- فالواحد فرد، والاثنان زوج والرجل قبل عقد النكاح فرد وليس زوجًا، والمرأة كذلك قبل عقد النكاح فرد وليست زوجًا: أما بعد اقترانهما بعقد الزواج فإن الرجل الذي كان فردًا يصير زوجًا، والمرأة التي كانت فردًا تصير زوجًا وهما معًا يصيران زوجين: لا زوجًا واحدًا: فقد أصبح بها زوجًا، وأصبحت به زوجًا وهذا دل على مدى الترابط والانسجام والاتصال الروحي والجسدي بين الزوجين وهو ما يدل عليه قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾.

ومن ثم فإن خيانة الزوجة لزوجها في عرضها مما يضاعف الجريمة: ففيها تعد لحدود الله وخيانة للزوج. وهدم لعش الزوجية، ومحضن الذرية، الحنون الودود، وإقحام لأولاد الزنا في نسب الزوج:

وفي ذلك من المفاسد والأضرار، وضياع الحقوق، واختلال نظام التوارث، وانحلال الروابط المقدسة بما لا يحصى.

وإذا كانت خيانة الزوجة لزوجها في عرضها من الجسامة والفظاعة بهذا الحجم فإن اتهام الزوج زوجته بالزنا من غير بينة ولا برهان من أكبر الجرائم وأفدحها، وبالتالي فإن عقوبته في الآخرة أشد من جهنم وعذابها حيث يحجب عن الله تعالى ويحتجب الله عنه يوم القيامة عندما يتمتع المؤمنون بهذا النعيم الذي هو أكبر من الجنة ونعيمها وهو النظر إلى وجه ربهم الكريم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ (القيامة: 22: 25)، ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ (المطففين: 15).

وقال صلى الله عليه وسلم: «أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ولن يدخلها الله جنته، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه يوم القيامة، وفضحه على رؤوس الأشهاد من الأولين والآخرين» رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة، وصححه ابن حيان والحاكم.

والآن رأي الشرع في جواب السؤال: 

هل يقام حد القذف على من يقذف زوجته؟..

هب أن رجلًا دخل بيته فجأة فوجد رجلًا أجنبيًّا يفحش بزوجته على سريره فماذا يصنع؟ أيقتله؟ إن قتله قُتل به أو ناله بقتله أذى شديد.

أيسكت وقد رأى بعينيه وسمع بأذنيه، إن سكت سكت على نار تتأجج في صدره لا يستطيع عليها صبرًا. ثم ليسكت وقد يلتحق بنسبه –بهذا الزنا- من ليس منه ويدخل على أولاده أخ ليس منهم ولكنه يرثهم ويرثونه؟ أيخرج للبحث عن أربعة شهود عدول ثم يأتي بهم إلى سريره ليريهم الميل في المكحلة والرشاء في البير ليقدمهم بينة على صدق دعواه أمام الحاكم؟ لينفذ فيهما وفيم ينتج من جريمتهما حكم الله تعالى، قد لا يتصور هذا، فإنه لا يكاد يجمع الشهود العدول الأربعة حتى يكون الزانيان قد قضيا وطرهما وانتهى الأمر.

فهل لو رمى زوجته الخائنة بالزنا وقد رأى بعينيه وسمع بأذنيه يقام عليه حد القذف وتنفذ فيه العقوبات الثلاث فيجلد ظهره ثمانين جلدة، ولا تقبل له شهادة أبدًا، ويوصم بين الناس بالفسق؟ ما دام لم يقدم أربعة شهود عدول يشهدون على مثل الشمس رؤية ويقينًا. هل يكون ذلك وموقف الزوج كما شرحناه في غاية من الحرج والدقة والحساسية؟ أليس في طلب البينة منه على الوجه المذكور إرهاق له وإعنات شديدان؟ هذا مع ملاحظة أن المفروض في الزوج أنه لا يتهم زوجته بالزنا إلا صادقًا وإلا فقد شهّر بعرضه وشرفه وكرامة أبنائه من هذه الزوجة.

لذلك تجلت رحمة الله بعباده فجعلت لهذا النوع من القذف حكمًا خاصًّا مستثنى من القاعدة العامة في القذف فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ (النور: 6: 10). وهنا تتجلى كما أسلفنا رحمة الله تعالى. وعدالته في تشريعه المحكم، وتيسيره على عباده: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة: 50). 

وهذا الحكم بقذف الزوج زوجته والذي وردت به الآيات المذكورة آنفًا هو ما يسمى باللعان، وقبل أن نتحدث عن مشروعية اللعان وأحكامه بشيء من التفصيل يجدر بنا أن نبدأ أولًا بذكر القصة التي كانت سببًا في مشروعية اللعان أو في نزول آيات اللعان السالف ذكرها.

نص القصة كما رواها أحمد بن حنبل رضي الله عنه

ورد في كتب السنة روايات صحيحة في سبب نزول حكم اللعان أو آيات اللعان:

منها ما رواه الإمام أحمد بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:

لما نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: 4) قال سعد بن عبادة يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟ فقالوا: يا رسول الله لا تلمه: فإنه رجل غيور. والله ما تزوج امرأة قط إلا بكرًا، وما طلق امرأة قط فاجترأ رجل منا أن يتزوجها من شدة غيرته.

فقال سعد: والله يا رسول الله إني لأعلم أنها لحق، وإنها من الله: ولكني قد تعجبت أني لو وجدت لكاع -أي لئيمة خبيثة- قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء، فوالله إني لا آتي بهم حتى يقضي حاجته..

قال: فما لبثوا إلا يسيرا حتى جاء ابن أمية وهو أحد الثلاثة الذين تخلفوا في غزوة تبوك ثم تاب الله عليهم فجاء من أرضه عشاء فوجد عند أهله رجلًا، فرأى بعينيه، وسمع بأذنيه فلم يهجه حتى أًصبح فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني جئت على أهلي عشاء فوجدت عندها رجلًا فرأيت بعيني وسمعت بأذني: فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به واشتد عليه.

واجتمعت عليه الأنصار وقالوا: قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة، إلا أن يضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم هلال بن أمية، ويبطل شهادته في الناس: فقال هلال: والله إني لأرجو أن يجعل الله منها مخرجًا، وقال هلال: يا رسول الله فإني قد أرى ما اشتد عليك مما جئت به والله يعلم أني لصادق.. فوالله إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يأمر بضربه إذا أنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي، وكان إذا أنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي عرفوا ذلك في تربد وجهه، يعني فأمسكوا عنه حتى فرغ من الوحي، فنزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ (النور: 6: 10).

فسُري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أبشر يا هلال فقد جعل الله لك فرجًا ومخرجًا فقال هلال: قد كنت أرجو ذلك من ربي عز وجل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسلوا إليها، فأرسلوا إليها فجاءت فتلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما. فذكرهما وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا فقال هلال: والله يا رسول الله لقد صدقت عليها. فقالت كذب. فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: لاعنوا بينهما فقيل لهلال: أشهد: فشهد أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين. فلما كانت الخامسة: قيل له: يا هلال: اتق الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وأن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب فقال: والله لا يعذبني الله عليها كما لا يجلدني عليها. فشهد الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين..

ثم قيل للمرأة: اشهدي أربع شهادات بالله أنه من الكاذبين. وقيل لها عند الخامسة: اتقي الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وأن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فتلكأت ساعة، وهمت بالاعتراف، ثم قالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت في الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. ففرّق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، وقضى ألا يدعى ولدها لأب، ولا يرمى ولدها، ومن رمى ولدها فعليه الحد، وقضى ألا بيت لها عليه ولا قوت من أجل أنهما يفترقان من غير طلاق ولا متوفى عنها..

وقال صلى الله عليه وسلم: «إن جاءت به أي الولد أصيهب تصغير أصهب وهو الذي في شعره حمرة أريسح –تصغير أرسح وهو خفيق لحم الإليتين حمش الساقين دقيقهما فهو لهلال، وإذا جاءت به أورق أسمر جعدًا شديد الأسر والخلق والذي شعره غير سبط، وهما مدح والقصير المتردد الخلق والبخيل وهما ذم جماليًّا ضخم الأعضاء تام الأوصال خدلج الساقين عظيمهما سابغ الإليتين تامهما وعظيمهما فهو للذي رميت به» فجاءت به أورق جعدًا جماليًّا خدلج الساقين سابغ الأليتين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لولا الأيمان لكان لي ولها شأن» قال عكرمة: فكان بعد ذلك أميرًا على مصر من الأمصار وكان يدعى لأمه ويدعى لأبيه.

وهكذا جاء هذا التشريع الإلهي الحكيم لمواجهة حالة واقعة بالفعل وعلاج موقف صعب على صاحبه وعلى المسلمين، وقد اشتد على رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه ولم يجد منه مخرجًا حتى طفق يقول لهلال بن أمية كما ورد في رواية البخاري «البينة أو حد في ظهرك»، وهلال يقول يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البينة؟.

أيها السادة القراء: فإلى اللقاء في الحلقة الثانية عشرة لنتحدث إليكم إن شاء الله عن: مشروعية اللعان وأحكامه بشيء من التفصيل والله الموفق والمستعان 

..والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

 

الرابط المختصر :