; في رحاب الخلود يا أبا البراء | مجلة المجتمع

العنوان في رحاب الخلود يا أبا البراء

الكاتب الدكتور محمد علي الهاشمي

تاريخ النشر الأحد 10-مايو-1992

مشاهدات 70

نشر في العدد 1000

نشر في الصفحة 42

الأحد 10-مايو-1992

رحيل شاعر الأمة عمر بهاء الدين الأميري

اخترمت يد المنون منذ أيام الشاعر الإسلامي الكبير عمر بهاء الدين الأميري بعد مرض عضال ألم به منذ سنة في المغرب، حيث كان يقيم، ثم نقل بمكرمة ملكية إلى المستشفى التخصصي في الرياض، حيث مكث قرابة شهرين تحت العلاج حتى وافاه الأجل المحتوم في مساء السبت ال22 من شوال 1412. وقد نعاه أهله وإخوانه إلى أصدقائه ومحبيه وعارفي فضله ومكانته في أرجاء العالم الإسلامي، ونقل جثمانه وووري في المدينة المنورة.

 

لقد وقف ذلك القلب الكبير الدفاق بحب دينه وأمته، ووقفت معه نبعة الشعر السهلة الفنية المعطاءة الدؤوبة التي أمدت الجيل المسلم عشرات السنين بزاد وفير من مُثُل الإسلام وقيمه، وصورت عظمة شريعته وسمو أحكامه، وتفرد مبادئه، وشخصت الداء العضال الذي يفتك بأمة الإسلام، بسبب بعدها عن كتاب الله وسنة رسوله، وبتفكك وحدتها السياسية، وتفرقها إلى دويلات صغيرة متخلفة، تتداعى عليها الأمم، كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

وكان يحز في نفس الفقيد أن يرى أمته، وهي أمة الأمجاد والبطولات والمكارم والحضارة، تستحيل إلى غثاء كغثاء السيل. ويستولي على مقدرات كثير من شعوبها وأقطارها من هم غرباء عن الأمة في دينها وأصالتها وتراثها. يشيعون بين صفوفها الفرقة والبغي والعدوان. ويجعلون بعضها يضرب رقاب بعض، فلا يملك الشاعر الفقيد إلا أن يبث حرارة ما يعتلج في نفسه من ألم في مثل قوله:

 

وأمتنا قلب يدمَّي وساعد

يشد ورأس في المذلات يرضخ

نضج وقد نحتج والبغي والعدا

تعشش في أوطاننا وتفرخ

وفينا ومنا داؤنا ودواؤنا

ولكننا في الغي نمضي ونشمخ

ويوقِع باسم الشعب بالشعب بعضنا

ويقتلنا عم ويغري بنا أخ

إلى الله لا منجاة إلا برجعة

إلى الله في الأعماق تسري وترسخ.

 

كانت حياة فقيدنا الغالي، معاناة دائمة وتحرقًا وأسى وهمومًا ثقالًا تكاد تراها في كل قصيدة من قصائده الكثيرة في دواوينه العشرة.

 

صور من حياته

عمل في السلك الدبلوماسي عدة سنوات فمثل سورية وزيرًا وسفيرًا في باكستان عام 1950م وفي المملكة العربية السعودية عام 1954م، وكان طوال عمله السياسي وفيًا لدعوته حريصًا على مصلحة أمته، ثابتًا على مبادئها وقيمها، فإذا ما رأى أن تمثيله لبلاده أصبح مشوبًا بشائبة من نفاق أو مداهنة لحاكم طاغية استلب السلطة، استقال من منصبه السياسي غير عابئ بدنيا السياسية والدبلوماسية وما فيها من متع ومزايا، يجري وراءها كثير من الناس. ولما توالت الانقلابات العسكرية على سورية، غادر الفقيد السلك السياسي، ثم عاد إليه ثم غادره. وفي كل مرة يغادره كان يغادره لخلافه في المبادئ، مع الحاكمين؟ إذ كانت نسمة الحرية الأبية تأبى عليه أن يكون مجرد موظف مسترزق مستنفع وهو يتسنم منصبًا دبلوماسيًا يمثل فيه شعبه وبلاده.

 

واعترته ذات يوم ضائقة وتراكمت على نفسه هموم، وتشكلت وزارة جديدة في بلاده فيها أخ محب له، فأشارت عليه أمه أن يكتب له، مذكرة بما هو فيه من ضيق وهم، فتأثر الفقيد وأنشأ قصيدة طويلة كان ختامها جوابًا على اقتراح أمه، فيه عتب وحب وسمو وعرفان جميل:

 

ولقد ترى أمي تقلب

جبهتي في الساجدين

وتحس رغم تحفظي

بؤسي بباصرة الفطين

فتقول أمي: يا بني

اكتب إلى الخل الأمين

فلعله ولعلها

ولعل كربك أن يلين

 

ويأتي جواب الفقيد على اقتراح أمه متفجرًا من معين العزة والإباء والشمم مصوغًا بإطار من المودة الحنون ملفوفًا برداء من رفق البنوة البارة بالأمومة الحانية، رادًا الفضل إليها فيما يراه في هذا الرد من عزة وكرامة وإباء.

 

يا أمتا هل يستخف

الحب من رأي الرصين؟!

ويسوِّغ الإشفاق غض

الطرف عما لا يزين؟

أدعوتني وهواي يكره

في العلا ما تكرهين؟!

أدعوتني للبذل من

نفسي؟! ونفسي لا تلين

أنا لا أذكر بي صديقًا

ليس لي في الذاكرين

إن كان ذا جاه فإن

الله ذو الجاه المبين

يا أمتا إني من الرحمن

في حصن حصين

علمتني حفظ الكرامة

سوف أحفظها كدين

لن أبذل النفس الأبية

للقريب وللقرين

الله حسبي من معين

إنه نعم المعين

 

حياته في المغرب

ثم دعي الشاعر الفقيد إلى المغرب عام 1386هـ. وعين أستاذًا لـ كرسي الإسلام والتيارات المعاصرة بدار الحديث الحسنية بالرباط -الدراسات العليا- كما درس الحضارة الإسلامية في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس في فاس. وبقي بعد إحالته إلى التقاعد مقيمًا في مسكنه على شاطئ الهرهورة في الرباط. عاكفًا على الكتابة ونظم الشعر، ويدعى كل عام أستاذًا زائرًا للجامعات العربية، وأستاذًا محاضرًا في المواسم الثقافية الجامعية والإسلامية.

 

ولم ينقطع خلال هذه المدة الطويلة عن نظم الشعر الذي كان ينثال من قريحته بعفوية وسماحة ويسر كما ينساب الماء من الكأس المترعة، تمده شاعرية خصبة غزيرة متدفقة، وطبع متألق موهوب. وكان رحمه الله حريصًا على جمال إخراج دواوينه وصحتها. ولذا كان يكتبها بخطه الجميل الواضح، ويضبط أبيات قصائده بالشكل، فلا يدع بذلك مجالًا لأخطاء الطباعة تتسرب إلى شعره فتفسد رونقه وتشوه جماله.

 

وآخر دواوينه «نجاوى محمدية» طبعه في المدينة المنورة، إذ أقام فيها قرابة سنة يشرف يوميًا على طباعته قريبًا من مثوى الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي يناجيه في ديوانه هذا من قلبه المفعم بحبه ويطارحه الهموم الكبار التي جثمت على صدره، من جراء تفرق أمة الإسلام وتخلفها، وبعدها عن ينابيع قوتها وأصالتها وعزتها.

 

وهكذا أمضى الشاعر الفقيد حياته التي نيفت على السبعين يحمل رسالته ويكابد مروءته بين صبر وشكر وشكوى وارتقاب تحقيق الأحلام كما يقول في إحدى قصائده:

 

كابدت بين لياليها وأنهرها

مروءتي، أحمل الأعباء في دأب

صبر، وشكر، وشكوى، وارتقاب غد

لكل يوم غد في حلم مرتقب

 

إنها حياة الأعزة الأحرار، كما يراها شاعرنا الفقيد، لا تصفو لحر أبيّ ولا تثبت على حالة واحدة، والحر منها دومًا في حلو ومر من العيش:

 

هي الحياة، حياة الحر، كوثرها

مر، وفي مرها ذوق من العذب

فالحر، إنشاده ترجيع آهته

وبعض راحته الإمعان في التعب

وبعض راحته الإمعان في التعب

 

وقد عاش شاعرنا الفقيد رحمه الله حياة الأحرار هذه، بما فيها من حلاوة ومرارة. وكان بعض راحته الإمعان في التعب والنصب والكد والمعاناة. ففي ذمة الله يا أبا البراء، إنا لنودعك إلى مثواك الأخير. وفي عين كل واحد منا دموع سِجام، وفي قلوبنا غصص وأحزان. وفي نفوسنا على فقدك آهات وحسرات.

 

إن المصيبة في أمثالك لفادحة، وإن الرزء بك لجسيم، وإن الحزن عليك لعظيم، ولا نقول إلا ما يرضي الله عز وجل: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة: 156) وليس لنا من عزاء يخفف عن نفوسنا شيئًا من وقدة الحزن على فراقك سوى إيماننا بأنك مقبل على رب عدل كريم غفور. يوفي كل نفس ما كسبت، ويجزي عباده الصالحين جنات تجري من تحتها الأنهار لا يمسهم فيها نصب ولا يمسهم فيها لغوب.

وسلام عليكم في جوار ربك الآمن في عليين.

 


 

 

 

 

 

 

 

الرابط المختصر :