العنوان في رحاب الحق.. علي بن علي
الكاتب د. محمد إسماعيل القطان
تاريخ النشر الثلاثاء 26-مارس-1985
مشاهدات 79
نشر في العدد 710
نشر في الصفحة 41
الثلاثاء 26-مارس-1985
- ليس له عزوة ولا عشير.. ولا يملك مؤهلًا مما تعارف عليه الناس من شهادات مدرسية أو فنية. ولا يقتني من الحطام- حطام دار الغرور.. إلا «وأنيت» كان يصاحبه في ميادين البذل.. ويرافقه في مواطن العطاء. كل وظيفته أنه محصل.. مجرد محصل.
- بالمقابل كان يملك رجولة وفهما وإيمانا ما أحسب أن أحدًا من أترابه كان يجاريه في خصاله تلك.
إن قلبي كان يخفق بالدعاء عندما كنت الحظ هذا الفتى اليافع ذا السبعة والعشرين عاما وهو يحبو على عتبات الدعوة ويخطو مدارجها بثبات وتجرد وقوة.. واستشرف أفاق العز وأمني نفسي أنه سيكون في قابل الأيام ركيزة من ركائز الحق والقوة والحرية.. في بلده. - سافر منذ عام تقريبا وشاهد كيف يمتحن أهل الحق وكيف يكون العمل في الداخل الشق وأدفع ضريبة ولكنه ألذ عبادة وأوفى كيلا..
ودخل السجن. وما أكثر الكرام الذين سبقوه إلى مثل هذا المكان- وزارته زوجه العروس مع والده وعمه يسألون ويستفسرون عن الأمر.. لقد كان الأخ الحبيب يحفظ الصغار سورًا من جزء «عم» في مسجد الحي بعد إذن إمامه وتحت إشرافه.. فإذا بعيون السلطان ترصده- أنها أدركت أنه صار خطرًا يبعث الحياة في القائمين.. وقد حسبوا أنهم أماتوا هذا الشعب وسكن سكون الوموس.. ولكن هيهات هيهات. ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (الصف: 8).
- وخرج من السجن بعد التحقيق والكفالات والضمانات وعاد إلى هنا يقص علينا جزءً مما حدث وطلب أن تأتي عروسة الحامل لأنه يخشى عليها من الفتنة.. وقام بالاتصال بالصغير والكبير يعرض حضور هذه الشابة وتأثر كثيرًا عندما رفض طلبه وشكى لإخوانه ظلم الإنسان لأخيه الإنسان. ثم جاءت البشرى لقد رزقه الله تعالى بنتًا إنها الآن ستكون زوجة هناك.. وكانت فضلًا كبيرًا وعوضًا جاء في وقته من الكريم المنان -سبحانه وتعالى-.
- بدأ يعاني من ألم في بطنه في معدته وظن أن الأمر هين وحسبنا أن هناك علاقة بين ما يحمله من هموم ثقال وبين ما يعاني.. وكشف وحلل.. ودخل المستشفى لاستكمال العلاج.. ثم تطور الأمر سريعا، وإذا بالأطباء يقررون إجراء عملية.. ثم عادوا فقرروا ألغامها.. وكانت المفاجأة أنه مريض بذلك المرض «اللعين» - وهي في عمره- حالة نادرة الوقوع!!
- وأخذنا نعوده .. ونودعه.. وهو حي في آن واحد، وكم يكون شاقا على النفس أن يذهب المرء لزيارة حبيب وعيادته وفي حسه- كما يقول الأطباء- أنه راحل قريبا. وخرج من المستشفى بعد أن نصح الأطباء بسفره إلى قريته.. وجاءني في سيارة مع أخوين كريمين ليلة سفره وتحدث كلامًا غاليًا ما رأيت مثله- علم الله تعالى- إلا في كتب «الرقائق» وطب القلوب.
ودمعت عيناه ودمعت عيوننا وعشنا معًا وهو يعرض صورة من صور أحوال الصابرين القانتين.. وأيقنت أن الدعوة المباركة سيظل بناؤها عاليا وجوهرها باقيا وحركتها سابقة على أكتاف هذه الثلة الطاهرة المجهولة الذين إذا حضروا لم يعرفوا وإذا غابوا لم يفتقدوا..
- ويشاء الله تعالى أن يعود الخوف مرة أخرى إلى الكويت- بعد أن تعب كثيرًا هناك ويمضي ليلته الأولى هنا في عناء لا يطاق ويدخل المستشفى ليمضي جزءً من ليلته الثانية- كانت أمنيته أن يدفن هنا ليصلى عليه إخوانه الذين صاحبهم الجزء الحقيقي من عمره- ويستجيب الله تعالى ويرحل أخونا الحبيب إلى الرحيم الودود -سبحانه وتعالى- يوم الخميس الماضي.
- ويا على: كنت من خير الأجناد في دعوة الحق.. رجولة وفهما وإيمانًا وإنا كنا نحبك في الدنيا.. ونرجو ربنا -تبارك وتعالى- أن نكون معك يوم الدين مع الأنبياء والشهداء والصديقين والصالحين، إنا لله وأنا إليه راجعون