العنوان في ذمة الله (1729)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 02-ديسمبر-2006
مشاهدات 74
نشر في العدد 1729
نشر في الصفحة 33
السبت 02-ديسمبر-2006
أبي.. كما عرفته
أحبه الله.. فأحبه عباده
بقلم: شيخة عبد الله المطوع
أينما ذهبت أو تجولت في أنحاء الأرض، وحينما طفت في العالم الإسلامي على وجه أخص تجد قلبًا محبًّا ولسانًا يلهج بالشكر والعرفان، وأكفًّا ضارعة بالدعاء لوالدي – يرحمه الله.
هذا ما عرفناه عنه خلال حياته ورأينا العجب العجاب منه بعد وفاته – يرحمه الله – أفواج من المعزين والمعزيات منهم من حضر، ومنهم من اتصل ومنهم من بعث تعازيه الحارة عبر البرقيات وشبكة الإنترنت، ومنهم من واسيناه بدل أن يواسينا، ومنهم من قال: «إنه أبونا قبل أن يكون أبوكم».
ترى ما الذي جمع هذه القلوب من مشارق الأرض ومغاربها على محبته؟ وما الذي جعل الجميع يشهد – بعد الله ونزاهته؟ وأُخبرنا أن الكل تسارع وتلهف على حضور جنازته وتشييع جثمانه من وجهاء القوم، ومن فقرائهم ومن كبرائهم وضعفائهم من شتى الطبقات، ومختلف الأعمار من داخل الكويت وخارجها.
أتمنى أن يكون ذلك شاهدا على محبة الله عز وجل له نحسبه كذلك والله حسيبة، لأن الناس شهداء الله في الأرض، ولأن المولى عز وجل قال في محكم تنزيله، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾ (مريم: 96).
ولا يخفى أيضا على القارئ ما كان يتمتع به والدي من دماثة الخلق ولين الجانب وحلو المعشر.
إذا جلست إليه وأقبل إليك مُرحِّبا خلت أنك حبيبه وصفيه، وإذا رأيت جموع المحبين حولك علمت أنك أمام داعية قد أتقن فنون كسب القلوب وعرف الوصول إليها.
أتذكر أنني ذات يوم جلست ألوم أخي على كثرة أصدقائه، وكيف أنه يقضي أغلب يومه معهم يجاملهم على حساب راحته ووقته، وقلت له معنفة: «الاستئناس بالناس من علامات الإفلاس»، سمع والدي ما دار بيننا فقال معاتبًا: المجاملة من أخلاق المسلمين، والذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم.
ومن قال إن الجلوس إليهم بهدف الدعوة أو السعي في حوائجهم من علامات الإفلاس ينبغي أن تصححي مفاهيمك وتغيري آراءك.
لم أستطع الرد بعد أن أفحمني والدي بحجته، ولكن جلست أتساءل: كيف أن المجاملة من أخلاق المسلمين؟ إلى أن اهتديت إلى حديث السيدة عائشة رضي الله عنها حين قالت: إن رجلًا استأذن على النبي ﷺ فلما رآه قال: «بئس أخو العشيرة وبئس ابن العشيرة»، فلما جلس تطلق النبي ﷺ في وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل قالت له عائشة: يا رسول الله ﷺ حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه فقال رسول الله ﷺ: «يا عائشة متى عهدتني فحاشا؟ إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره» (البخاري ٦٠٣٢)
وكان هذا هدي والدي – رحمه الله –، يجلس إلى الناس ويستمع إليهم بصدر رحب يساعد ضعيفهم، ويصلح بينهم ويسدي النصح إليهم ويكلم كل واحد منهم على حسب وضعه، وينزل الناس منازلهم، ومنهم من نعلم رأي أبي فيه، ولكن ترى معاملته له على النقيض من معرفته به وعندما نسأله عن ذلك يقول مبتسمًا: «بعد شسوي»؟ «للضرورة أحكام»، يقصد أنه لا يحب أن ينفر أحدهم بسوء خلقه.
ومن عاشره علم الكم الهائل من أصدقائه وزملائه والناظر إليهم يرى خليطًا عجيبًا، لا تقتصر صداقته على الجنس أو اللون أو المكانة، بل تتسع لتجعل معيار المحبة والمودة هو الحب في الله عز وجل.
وقرأنا عمن كتب عنه، وسمعنا ممن زاره في مكتبه وهو يرى الوفود التي تفد إليه من كل حدب وصوب، منهم الصديق الحميم، ومنهم الزميل القريب، ومنهم الفقير المحتاج، ومنهم السائل المتعفف، ومنهم الشخصية المرموقة، وغيرهم، أحبه الله فأحبه عباده، وتواضع إليه فرفعه وأعلى ذكره، وأعطى ما بيده فخلد اسمه ونسأله ألَّا يقطع عنه أجره.
ذكرى إمام ورحيل إمام:([1])
رحمة الله عليهما
للأمة الإسلامية مع قادتها وعظمائها شأن خاص تتجلى معانيه عند الاستقبال والتوديع والذكرى، وها نحن اليوم نودع إمامًا فذًّا في ذكرى الإمام الشهيد حسن البنا، ويا حبذا لو كان القراء إلى جانبي حين قابلت هذا الشيخ الراحل عبد الله علي المطوع في مكتبه منذ سنتين، حيث حدثني حديثه العذب عن لقائه في حجته الأولى مع الإمام الشهيد حسن البنا يرحمهما الله. ذلك الحديث الشيق الذي يظهر مدى نباهة هذا الشاب وذكائه اللذين أهلاه لاستلام الشعلة من هذا الإمام الهمام.
فكان ما كان مما لست أذكره *** فَظُنَّ خيرًا ولا تسأل عن الخبر
وهكذا فلتكن النتائج عندما يكون اللقاء بالعظماء وبين العظماء، وكما بدأت الرسالة من أكناف البيت العتيق أيام الموسم تبدأ الصحوة والتجديد في هذا العصر من نفس المكان، حيث أخذ الشيخ عبد الله المطوع الأمانة بقوة وأداها بنصح وظل يتعهدها أينما وجدت في أرجاء المعمورة بروح أبوية حنونة وريادة عظمي، إلى أن أخرجت شطأها واستوت على ساق وحتى تفيًّأ المسلمون ظلالها، ووصلت إلى أقصى نقطة في العالم العربي المغرب الأقصى، حيث موريتانيا عند المنعرج التاريخي للفتح الإسلامي المتجه إلى إفريقيا تقيأنا تلك الظلال، وأكلنا من تلك الثمار الغضة الطرية، فظهرت الوسطية السمحة في تلك المعالم ولا أدل على ذلك من هذه المساهمة التي حرصت «قرية النباغية»، المنزوية في رمال الصحراء الموريتانية بمنائر مساجدها ومصابيح محاظرها ومراكزها العلمية على أن تشارك بها الأمة في توديع هذا الرجل الذي كان أمة، بقصيدة شعرية لأحد طلاب المحظرة وشعرائها البارزين الأستاذ محمد فال ولد محمد حرمة...
في رثاء أبى بدر
شعر: محمد فال ولد محمد حرمة
شمس توارت في سماء المشرق ** بكت السماء على سناها المشرق
كم بين مغربها ومشرقها التقى ** من وجد باكية وعبرة مشفق
هذا أبو بدر يسير معانقًا ** للبدر في ركب الزمان المعنق
وارحمنا للمجتدي آلاءه ** والمستنير بهديه المتألق
والمسـلمين على تباين مذهب ** أو مشرب في مغرب أو مشرق
قد عاش عبد الله فردًا عاليًا ** لمراتب الشرف المنيف المعرق
بفنون أنعمه الأنام مطوق ** يشدو على الأفنان شدو مطوق
مجد تناقلت الثقات حديثه ** فالقوم بين معاين ومصدق
جبهات درء الذل عن حرم الهدى**منه استنارت فيلقًا عن فيلق
وأرامل الشهداء تحت ظلاله **تثني عليه بحالها والمنطق
وعقائل السجناء تشهد أنه **أوفى وأوفر صادق متصدق
وإذا خوارق طارق الجلی دهت** تلفي عوائد جوده لم تخرق
بمواطن النكبات يسعى دائبًا** لإغاثة الملهوف سعي موفق
ذكرى سيبقى خالدا في الدهر لا**يخبو سناه وجدة لم تخلق
قد كان للإخوان مصدر عزة ** ولدعوة الإصلاح تاج المفرق
من للجهاد وللأرامل بعده ** من يرتضي لدفاع أمر محدق
فالله يكرم سعيه ويثيبه ** وينيله أعلى مقام مرتقي
وإذا على السلف استهلت رحمة ** تنهل غادية الهناء لمن بقي
فترى الذراري كالدراري شملهم **ينساب في نظم فريد مونق
وعزاؤنا في من يعزى بعده ** من كل ندب لوذعي متقي
صلى الإله على الذي سبق الورى ** بوسيلة وفضيلة لم تلحق
لماذا اختلفنا مع «فتح»؟
بقلم: عبد الواحد أمان أبو مصعب:([2])
نجيب عن تساؤل الحلقة السابقة حول علاقة أبو بدر يرحمه الله بالقضية الفلسطينية ومسلسل التفاوض ومواقف الفصائل.
وفتح هي القوة الكبرى في كيان منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد لأهل فلسطين، كما نعتها المجتمع الدولي المنحل، فهي وحدها التي تقرر مستقبل فلسطين، وليس أي جهة أخرى، وهي التي اختارت وفق قناعتها طريق التفاوض سبيلًا للتحرير.
كان أبو بدر – يرحمه الله، عضوا في جماء الإخوان المسلمين، كما هو معروف، وكان رأيه وقناعاته لا تخرج عن إطار فهم الجماعة للقضايا الإسلامية والقومية والوطنية.
كان يرحمه الله من المتحمسين لا لخص الشهادة في سبيل الله من أجل استعادة المقدسات فحسب، بل إلى ما وراء ذلك، أن يكون شرع الله هـو القائد للإنسانية جميعا إلى حيث الأمن والعدل والسلام، تلك كانت مفاهيمه وتصوراته وهي في الواقع مفاهيم وتصورات كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر.
إذًا هناك تقاطع في المفاهيم واختلاف في الرؤى بدأ مبكرًا بيننا وبين من آثروا طريق التفاوض سبيلًا لاسترداد الحقوق، قاد ذلك إلى خلاف حاد؛ خصوصا عندما عمدت السلطة جهلًا وقصورًا في النظر إلى أن تجهض حركة المقاومة والاستشهاد، وراهنت على ذلك، فأوقعت في أبناء الحركة أذى كثيرًا، فتحوا لهم أبواب السجون والمعتقلات، وتتبعوا أنشطتهم وأعمالهم، وقد كانوا يعلمون أن تصرفاتهم هذه كانت تصب في صالح العدو، وكانت تلك الفئة النظيفة منهم، أما الفئات الأخرى فقد جُندت في صف العدو وصارت عينًا تقدم له المعلومات وتدله على مواقع أبناء الحركة الإسلامية الناشطين الذين صاروا أهدافًا سهلة لبطش العدو.
وإحقاقا للحق فقد انضم إلى صفوف المقاومة عدد كبير ممن تبين لهم طريق الحق، في الوقت الذي شاعت في الصف الآخر بذور التنازع والخلاف الذي انتهى بهم إلى الهزيمة المنكرة عند فقدانهم لقواعدهم التي مالت عنهم إلى الحق.
إن بداية الانفراج في الأزمة.. كانت خطة أطفال الحجارة التي أوقد أوارها أبو بدر يرحمه الله وجماعته.
إن كثيرا من الناس يرون النصر بعيدًا، ونراه قريبًا، وما النصر إلا من عند الله القوي العزيز.
([1]) محظرة العلوم الشرعية – موريتانيا
([2]) رفيق درب الشيخ عبد الله المطوع – يرحمه الله
رجل نادر في هذا الزمان
هيا عبد الله العقيل
توفي الشيخ عبد الله المطوع؟!
كررت السؤال بدهشة، وكأن أذناي أصيبتا بالصمم:
من؟
أجاب والدي الحبيب وهو يهم بالخروج من المطبخ وكأنه يريد أن يخفي وجهه الحزين فتنهد وأجاب:
أبو بدر المطوع!
ومشى متجهًا إلى غرفة الجلوس، تبعته وقد لجم لساني، جلست بجانبه على الأريكة ولا أدري ماذا أفعل وماذا أقول في هذه اللحظات الحزينة، أخذت أردد معه: رحمة الله عليك يا «عمو» أبو بدر، رأيت أبي – ولأول مرة في حياتي – يغالب دموعه، وكانت المسبحة في يده يستغفر ويسبح ويردد بصوت حزين بالكاد يسمع.... رحمك الله يا أبا بدر
قلت في نفسي: الله يرحمك يا عموه أبو بدر، كنت غاليًا علينا جميعًا، لكن ماذا بوسعي أن أفعل في هذه اللحظات؟ كيف أواسي أبي؟ بل كيف أواسي نفسي أيضًا، فوالله إنها صدمة، فصورته مازالت عالقة في مخيلتي عندما رأيته أنا وإخوتي عند زيارتنا إلى الكويت، وكأننا نودعه لطالما زارنا في الأردن هو وأبناؤه، ولطالما اعتبرنا كأبناء له. كان الصيف له طعم آخر، طعم مميز بقدوم العم أبي بدر وأبنائه ولنا مواقف لا تنسى معهم، وتذكرت حينها ذلك الموقف عندما كان العم أبو بدر في زيارته الأخيرة إلى الأردن قبل وفاته بقرابة شهرين، كان أبي الحبيب طوال مكوث العم أبي بدر في الأردن يزوره كل يوم بعد المغرب ويبقى عنده إلى ما بعد العشاء، وذات مرة سألته ممازحة: نيَّال عمو أبو بدر، كل يوم معه! فأجاب أبي: أبو بدر أخي وصديقي، ويريدني أن أبقى بجانبه، فهو صديق عزيز وغالٍ وجلساته لا تعوض.
سبحان الله! وكأنه يريد أن يودعه لكنه وداع قاسٍ، نعم، وداع قاسٍ لأنك رجل نادر في هذا الزمان فمن يراك يحبك لتواضعك وصدقك وطيب أخلاقك، ومن يسمع عنك يحبك أكثر ويتمنى رؤيتك، أما أنا فرأيتك وسمعت عنك أيها الرجل النادر فامتلأ قلبي حبًّا واحترامًا لقدوة ومثل أعلى في حياتي.
هب أبي الحبيب واقفًا قاطعًا سلسلة أفكاري، وقال وهو يبتلع غصة ألم: أنا ذاهب إلى المكتب.
لا أنكر أني قلقت عليه بل وخفت عليه وعلى صحته من هذه الصدمة، علمت أنه خرج مسرعًا كي لا نرى دموعه وضعفه في هذه اللحظة، لحظة فقده لعزيز غالٍ على قلبه.
أسرعت إلى غرفتي وأغلقت الباب ووقفت عند النافذة، عندها شعرت بدمعة تذرف من عيني وأخذت تتبعها دمعات علمت عندها أنها دموع تعلمني بأن الفقيد ليس غاليًا فقط على أبي بل غاليًا علينا جميعًا.
رحمك الله أيها الرجل النادر، وجعل قبرك روضة من رياض الجنة وأسكنك فسيح جناته مع النبيين والصديقين وجمعنا وإيَّاك في الجنة إن شاء الله.
مات الذي سعدت به الأيام
شعر: الشيخ أحمد غنام الرشيد
مات الذي سعـدت به الأيام ** وأرامل يا صاح والأيتام
رحل الذي لله أضحى سعيه ** سامي المقام مهذب وهمام
سعدت به دار الكويت ومثلها ** دور العروبة كلها والشــام
إن كان عبد الله أمسى راحلًا ** عنا له في القلب ثم مقام
إن كان عبد الله واراه الثرى ** ذكراه تبقى ما سرت أعوام
بل ذكره دوما يعطر دارنا ** شهـدت بما قد قلته الأقوام
عف الإزار فلم يكن ذا ريبة ** منذ نشأ فحياته الإســـــلام
دار الكويت كئيبة من فقده ** فلقد علاه قترة وقتام
هل مثل عبد الله في هذي الدنا ** فلقـــد زهي في مثله الإسلام
إن حل في بلد فمقدمه الرضا ** والحب والتقدير والإكرام
كل يقدر سعيه فيما سعى ** في كل معضلة له إبرام
عنه سلوا أهل المودة والوفا ** كل يقر بأنه مقدام
فتـرى وفود السائلين ببابه ** قد سرهم منه حجى وكلام
أما السياسة فهو رافع راية ** فيها فحسبك أنه علام
أما التجارة من ترعرع فهو فيـ ** ـها حاسب أو حاذق قســام
يا قبر رفقًا بالذي واريته ** فله علينا عهدة وذمم
يا رب فاقبل عذرنا وعذره ** ثوب الرضا فاسد له يا علام
واجعله في بحبوحة في جنة ** تغشاه منك مسرة وسلام
وألهم ذويه الصبر والسلوان يا ** مولاي منك العفو والإنعام