العنوان في ذكرى الإمام البنا
الكاتب جمعة أمين عبد العزيز
تاريخ النشر السبت 06-مارس-2010
مشاهدات 1
نشر في العدد 1892
نشر في الصفحة 34
السبت 06-مارس-2010
مقال
في ذكرى الإمام
البنا
بقلم: جمعة أمين عبد العزيز[1]
الحقيقة التي لا مراء فيها أن الحديث عن الإمام البنا ومشروعه
الإسلامي الإصلاحي لا تكفيه سطور أو صفحات أو كتب مؤلفة للإحاطة بهذا المشروع
العظيم، وأكبر دليل على ذلك الأعداد المهولة من الكتب الإسلامية التي تناول
تلاميذه وأحباؤه والدارسون فيها نواحي من هذا المشروع الكبير في رسائل للماجستير
أو الدكتوراة.
ذلك لأنك إذا تحدثت عن الإمام
البنا الذي كتب عنه أتباعه وغير أتباعه مسلمون وغير مسلمين عرب وعرب؛ متناولين
تحليل شخصيته ونشأته العلمية الإسلامية التي تربى عليها في بيت مسلم يرعاه والد
فقيه فذ، فلا تدري من أين تبدأ هذه الشخصية؟ هل مع تفوقه في صباه وشبابه، أم في
محاوراته ومحاضراته، أم مع أساتذته وشيوخه، أم في رسائله ومخاطبة الملوك والحكام
والرؤساء؟ وباختصار، هو موسوعة علمية تجمع مجالات العلوم الإسلامية بما فيها
والسياسية الشرعية، ولم يكتف الإمام بحفظها وشرحها و سردها؛ إنما صاغها كمنهج حياة
علمي وعملي تمثل في جماعة الإخوان المسلمين التي مازالت تحمل هذا الفكر دعوة
وتطبيقًا، وتحملت ما تحملت في سبيل ذلك الكثير من التضحيات بالنفس والنفيس، شاء
الله أن يكون الإمام البنا أبرز شهدائها.
وذهب البنا إلى لقاء ربه، وبقيت دعوته؛ لأنها دعوة الإسلام الباقية
والخالدة، وتعلم أتباعه الدرس من قول ربنا: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ
خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ
أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا
ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (آل عمران: 144) ، وما انقلبوا بفضل الله
وما بدلوا وما غيروا بل ﴿.... مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا
عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن
يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: 23)
والرسالة التي بين أيدينا، غرس من غرسه، وثمرة من ثماره، طاقت بنا
وجالت وعرضت لنا كثيرًا من جوانب حياته، ثم ركزت على الجانب الصوفي الذي حرص
الإمام البنا على أن يفرد له مكانًا في القسم الديني من كتاباته لأهميته في تحديد سلوك المسلم
وتوجيهه الوجهة الصحيحة.
والجدير بالذكر أن أول نشأة
الإمام البنا، كانت نشأة لمس فيها حقيقة التصوف معايشة وسلوكًا بالمعنى الذي وصف
الإمام الغزالي التصوف بقوله: «وفي الحق أن التصوف الصحيح هو لباب الإسلام، وأن
الصوفية الصادقين من خيار رجاله الذين عملوا على نشره وإعزازه وتربية النفوس على
مبادئه بطرق لم يسبقهم إليها غيرهم من الفلاسفة والمربين».
التصوف عند الإمام البنا
يقول الإمام البنا في معنى التصوف: «يراد به الزهد في الدنيا والالتفات إلى الآخرة، والاجتهاد
في طاعة الله، أو يراد به تطهير النفس من أدران البشرية حتى تصفو وتشرق وتكون مرأة
للحقائق الربانية والأسرار الإلهية، أو يراد به غناء العارف عما سوى الله تعالى،
فلا يرى موجودًة بذاته غيره، أو يراد به إتباع الرسول ﷺ في أقواله وأفعاله وأحواله،
أو يراد به هذه المعاني كلها لتلازمها واتصالها وترتب بعضها على بعض» وهذا المعنى
هو الذي يقصده شيوخ الصوفية المحققون لا يعدلون به إلى غير ذلك، وأقوالهم في تعريف
التصوف وحده تزيد هذا القصد.
وسأسوق لك بعضًا من هذه التعاريف ليتأكد لك صدق ذلك:
يقول الإمام أبو القاسم الجنيد بن محمد يرحمه الله: «التصوف هو أن يميتك
الحق عنك ويحيبك به» وقال: «هو أن تكون مع الله بلا علاقة» ويقول أبو بكر الشبلي: «الصوفي
منقطع عن الخلق متصل بالحق» ويقول سهل ابن عبد الله التستري: «الصوفي من صفا من الكدر،
وامتلأ من الفكر، وانقطع إلى الله دون البشر، واستوى عنده المال والمدر»
ويحذر الإمام البنا كما حذر العلماء الثقات والباحثون في التصوف إلى
خطورة المعنى الفلسفي للتصوف الذي يحمل معنى الوحدة والحلول وغيرهما من الآراء
الفلسفية الصرفة؛ لأن التصوف بهذا المعنى أمر فلسفي عقلي لا صلة له بالإسلام البتة،
ولم يكن على عهد السلف الصالح ولم يتكلم فيه كبار الصوفية، إنما علم أوجده اتساع
العلوم واستبحار العمران، وترجمة كتب الأمم الأخرى، واختلاط قواعد علومها بعلوم
الإسلام، كما وقع في علم الكلام، وقد يؤدي بصاحبه إلى الخروج من عقيدة أهل الإسلام
وهو يظن أنه من خاصتهم.
وقد كان النظر في التصرف بهذا المعنى سببًا لبلاء كبير في المسلمين، وتكأة
لكل إباحي يتلمس البديل إلى نيل شهواته تحت ستار «العقائد» أو ملحد يريد أن يهدم
الإسلام بتصيد الشبهات أو معطل يحاول التخلص من تكاليف الكتاب والسنة.
أن هناك انطباعًا خاطئًا عند
بعض الناس إذا ذكر التصوف فهو عندهم صور مشوهة لحلقات الذكر المليئة بالبدع
والمنكرات والخرافات، فإذا ذكر التصوف فهو التصوف الفلسفي الذي نقل عن الهنود
واليونان الأقدمين، وانطباعه عن الصوفية دائمًا أنها عقائد وحدة الوجود والحلول
وشطحات المغربين والمخرفين: كالحلاج، وابن عربي، وابن الفارض، وغيرهم ممن لا يختلف
في انحرافهم.
أرأيت كيف بين الإمام البنا الحد الفاصل بين من يتمسك بالمعنى الدقيق
والصحيح لمدلول هذا المصطلح الصوفية ليعمل به، كما يبين المعنى المنحرف له والذي
يؤدي إلى الضلال والانحراف فتفر منه فرارك من الأسد، ويتبين ضلالة للناس... ﴿ وَلِتَسْتَبِينَ
سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ (الأنعام: 55)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل