العنوان في ذكرى الإسراء
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 01-مايو-1984
مشاهدات 77
نشر في العدد 669
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 01-مايو-1984
ولست أبالي حين أقتل مسلمًا
على أي جنب كان في الله مصرعي
ذكرى الإسراء والمعراج- كغيرها من المناسبات الإسلامية- عزيزة على نفس كل مسلم في شتى بقاع الأرض، ونحن إذ نتوقف عندها إنما نفعل ذلك للعظة والعبرة، لا للاحتفال والغبطة كما يفعل المسلمون اليوم، فالاحتفال بالمناسبة الإسلامية وتعطيل الدوائر الرسمية فيها على النحو الذي نشهده في أكثر من قطر إسلامي، عادة لم تكن عند سلف هذه الأمة، وكثرة الأيام والأعياد على أية حال دليل بؤس وفقر وجدب، والذين يقفون على هامش التاريخ لا يملكون إلا أن يجتروا الماضي والتراث التليد، وقد سجل التاريخ أن الأمة الإسلامية- وهي في أوج نهضتها- لم تعرف مثل تلك الاحتفالات، وعندما بدأت تقلد الأمم الأخرى ذبلت روح الإبداع فيها، وصارت إلى ما صارت إليه من ضعف وهوان.
على أن مناسبة الإسراء والمعراج كانت في حد ذاتها آية وعبرة للرسول صلى الله عليه وسلم ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الإسراء:1)، وتظل آية وعبرة للمسلمين من بعد يجدر بنا التوقف عندها من باب قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الذاريات: 55).
وإذا كان في ذكرى الإسراء والمعراج عظات وعبر للمسلمين في كل تفاصيلها من حيث كونها معجزة تشهد بالنبوة لمحمد- صلى الله عليه وسلم- وأنبأت عن كثير من غيب السماوات والأرض، كما تم فيها تفصيل فريضة الصلاة وهي عماد الدين، فإننا نعتقد أن أكبر عظة فيها من حيث الأهمية بالنسبة للأمة الإسلامية، وواقعها البائس المؤلم في الوقت الحاضر، لهو قدسية القضية الفلسطينية وأهميتها وأولويتها بالنسبة القضايا المسلمين، كما أن الذكرى تكشف عن الطريق الصحيح لاستعادة المسجد الأقصى، وإنقاذ الأمة من الجبروت والطغيان اليهودي.
الحقيقة الأولى التي تكشفها ذكرى الإسراء والمعراج هي مكانة الأقصى القدسية، حيث اختاره الله محطة أساسية في رحلة الإسراء والمعراج.. كما كشفت آية الإسراء أن الله- سبحانه- بارك حوله، والمسجد الأقصى كما هو معروف أولى القبلتين وثالث الحرمين، وفلسطين عمومًا مهبط الأنبياء ومهد الرسالات، من هنا ينبغي للمسلمين جميعًا أن يدركوا هذه القدسية، وأن يضعوها في حساباتهم وهم يخططون لمواجهة العدو اليهودي.
بيد أن هذه القدسية تأتي في المرتبة الثانية بعد قدسية العقيدة الإسلامية نفسها، أو أرواح وكرامة المؤمنين بها، ولما كان اليهود أشد الناس عداوة للمسلمين، حيث قتلوا وشردوا شعب فلسطين، واستولوا على الأرض المقدسة كذلك، فإن مناصبتهم العداء في كل زمان ومكان- ومقارعتهم في المقام الأول- واجب إسلامي عظيم، تأتي ذكرى الإسراء لتكشف عنه لمن غفلوا أو تغافلوا عنه.
الحقيقة الثانية التي تتجلى في ذكرى الإسراء- وما أحوج الأمة لإدراكها بعمق- هي أن الطريق الوحيد لاستنقاذ الأرض والحق المغتصب من اليهود هو القتال في سبيل الله، ولنتأمل في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ (الإسراء:5)، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ (الإسراء:7)..
إن هاتين الآيتين تبينان أن المؤمنين المسلمين «عبادًا لنا» إذا كانوا «أولي بأس شديد» أي استعدوا للقتال، كانوا أهلًا للنصر على اليهود، ومع الأخذ بنظر الاعتبار ما ورد من أقوال المفسرين الأقدمين بشأن إفساد بني إسرائيل في الأرض مرتين وأنهما مضيا، إلا أن ذكر دخول المسجد الأقصى في المرة الثانية، وعدم ذكره في المرة الأولى يجعلنا نميل إلى القول بأن ذلك سيكون على أيدي المسلمين كما ذهب بعض المفسرين المحدثين كسيد قطب- رحمه الله- وهذا التفسير ينسجم مع حديث «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود...»(1) أي أن راية القتال ستكون صريحة معلنة، راية الجهاد في سبيل الله يرفعها المسلمون، وراية الإفساد في الأرض يرفعها اليهود.
هاتان حقيقتان كبيرتان، حينما غفل المسلمون عنهما، أو لم يأخذوهما مأخذ الجد كان فساد في الأرض كبير، وإذا كانتا واضحتين لكل مسلم ذي بصيرة، وكشف التاريخ عن صحتهما، فإن واقع الأمة الإسلامية اليوم يشهد بصدقهما.
شهد تاريخ الحركة الصهيونية الحديث أن فلسطين كانت هدفًا لذاتها، ولأنها منطلق للهيمنة على الأمة الإسلامية بأجمعها، كان هنالك إصرار على فلسطين بالرغم من العروض البديلة التي عرضت على القادة الصهاينة، وشهد التاريخ الحديث كذلك أن التخريب في مناهج التربية والتعليم، وإشاعة الفساد والمنكر، وتشتيت الأمة العربية والإسلامية فكريًّا وسياسيًّا إنما كان وراءه في معظم الأحيان يهود أو أعوان يهود، وكان الغرض هو التمكين للصهاينة في قلب العالم الإسلامي تمهيدًا للإجهاز على كل مقدراته وخيراته.
وشهد التاريخ الحديث جدًا أن الذل والخضوع والاستسلام- تحت أي شعار كان- لا يجدي مع اليهود شيئًا، لم تنفع اتفاقات الهدنة عام 49، ولا قرارات مجلس الأمن وهيئة الأمم في 56، 67، 73، كما لم تنفع اتفاقات كامب ديفيد، ولا اتفاق 17 أيار 83م. كما لم تنفع كل الوساطات حتى وإن قام بها السيد الأمريكي المطاع في عرض العالم العربي وطوله!
إنها لمأساة حقًا حينما يغضب الساسة العرب لا لاغتصاب الصهاينة لفلسطين، بل لقرار بعض الدول نقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس! ومن أجل استنقاذ القدس كما يزعمون! يطالبون بتدويل القدس كما يريد بابا روما!!
وشهد التاريخ الحديث أن القتال ولو تحت راية فيها دخن كثير- كما فعل الشعب الفلسطيني المصابر- هو الأسلوب الأجدى والأبقى والأنفع، ومن أجل إسقاط البندقية الفلسطينية حيكت مؤامرات عسكرية وفكرية وسياسية كادت تسقطها نهائيًا، لولا بقية من أمل في الذين يعانون من الاحتلال الصهيوني في فلسطين في المقام الأول.
وإذا كانت الأمة الإسلامية جادة في بناء نهضتها واستقلالها، فإن الواجب يحتم على ذوي المسؤولية فيها أن يعلموا:
- أن القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للأمة الإسلامية، وأن استنقاذ فلسطين يأتي في سلم الأولويات.
- وأن الطريق الوحيد لاسترجاع فلسطين واستنقاذ المسجد الأقصى هو القتال في سبيل الله.
وعليهم بناءً على ذلك أن يعملوا على:
- إعلان التوبة إلى الله منذ الآن، والعمل على الحكم بما أنزل الله، وتطبيق أحكام الشريعة في مختلف الميادين.
- التوقف حالًا عن مسيرة الخضوع والاستسلام للعدو أيًّا كان.
- العمل على إنهاض الأمة سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وتكنولوجيًّا بشكل متوازن ومدروس.
- إطلاق الحريات، واتخاذ التدابير اللازمة لتوحيد الأمة.
- المبادرة إلى بناء جيل التحرير والجهاد، والإعداد والاستعداد.
- مد يد العون بسخاء إلى الأهل في الأرض المحتلة، وتشجيعهم- عملًا لا قولًا- على الصمود ومقاومة الصهاينة المحتلين.
نعم هذا هو الطريق، وهو وإن كان طويلًا وشاقًا، إلا أنه أقصر الطرق، وما لم يدرك ذلك ذوو المسؤولية في بلاد المسلمين، فليعلموا أن المسلمين ما عادوا يطيقون ليل الذل والهوان، وأن قومًا يجعلون شعارهم:
ولست أبالي حين أقتل مسلمًا على أي جنب كان في الله مصرعي
جديرون بنصر الله، ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج:40).
(1 ) صحيح مسلم (2922).