العنوان في ذكرى الهجرة.. وبمعاييرها- «المجتمع» تدعو لإعادة تفسير التاريخ البشري
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 21-ديسمبر-1976
مشاهدات 72
نشر في العدد 329
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 21-ديسمبر-1976
صدر-في العالم الإسلامي- أكثر من ٤٠ كتابًا إسلاميًا في نقد كارل ماركس وفرويد ودارون، وصدر أكثر من ١٥ كتابًا إسلاميًا في نقد جمهرة المستشرقين الذين يفسرون الإسلام بأهوائهم وأضغانهم.
وصدرت عشرات الكتب القومية التي تفسر تاريخ الأمة تفسيرًا قوميًا عربيًا يسقط الإسلام من الحساب.. أو يعطيه مكانة أقل من مكانة «الشعر الجاهلي»!!
وللرد على هذه الكتب القومية اللادينية صدرت مجموعة كتب وكراسات تنتقد الفكر القومي وتدافع عن الإسلام.
ونقد الباطل أمر محمود ومطلوب
من جانب آخر فإن محاولة ماركس وفرويد في حصر التاريخ البشري في جزئيات من الدوافع والأهداف... خرافة إن كانت قد وجدت عقولًا خالية فتمكنت منها في فترة ظهور الرجلين والعقود التي تلت موتهما.
فإن تحرير العالم من هذه الخرافة -بعد أن ثبت علميًا أن هذه النظريات قد بنيت على أساس تفكير أسطوري- عمل إسلامي وإنساني مناط بمفكري الإسلام ومثقفيه. لكن تحرير العالم من التفسيرات التاريخية الخرافية ليس معناه أن نشن حملة من الشتائم ضد واضعي النظريات أو ضد تلاميذهم، وليس معناه أن تنحصر مهمتنا في -النقد الموضوعي- فالنقد الموضوعي مهما التزم الدقة والعلم -فإنه لا يخرج عن دائرة تفنيد أعمال الآخرين وأخطائهم.
- إن قطاعات ضخمة من البشر تقبلت تفسيرات ماركس وأنجلز وفرويد للتاريخ.
فلماذا تقبلت ذلك؟
- لأنها لم تجد أمامها غير تلك التفسيرات.. مثال ذلك أن ماو تسي تونج لم يكن -يبحث عن الشيوعية- بالذات. وإنما كان يبحث عن -نظرية- لتحرير بلاده وتنميتها، فكانت الشيوعية أسرع إليه -باعتبارها نظرية جاهزة- وكان ذلك من سوء حظه وسوء حظ بلاده.
مثال آخر: ألف مفکر أسترالي كتابًا عن مشكلات العالم المعاصر والحلول المطروحة ثم خلص إلى أن الحلول الموجودة شيوعية ورأسمالية ووطنية... مسيحية أو يهودية - أهون من أن تعالج مشكلات العالم وقال: هذه الحلول لا تملك التفسير الصحيح الشامل وبالتالي فهي لا تستطيع تقديم الحل المناسب.
ثم قال: إن هناك أمة لم نسمع رأيها حتى الآن -وهي أمة المسلمين- وأظن أن لديها جوابًا على مجموعة من الأسئلة الحائرة يعني أن لديها التفسير الصحيح الشامل الذي تستطيع -في هداه- أن تقدم الحل المناسب.
فلأي يوم يؤجل المسلمون هذا العمل، بينما العالم يتطلع إلى كلمتهم ورأيهم؟.
إن «المجتمع» تنتهز ذكرى الهجرة فتدعو -في ضوء الهجرة وبمعاييرها- إلى إعادة تفسير التاريخ البشري.
- تفسير التغيير العقائدي الكامل
- تفسير إنشاء الإنسان نشأة جديدة
- تفسير علاقات الإنتاج
- تفسير- هدف- سعي الإنسان في الحياة
- تفسير -الدوافع والبواعث-
- تفسير- العلاقات الإنسانية-
وحين نقول بإعادة تفسير التاريخ البشري في ضوء الهجرة وبمعاييرها لا نقصد تكليف جهة ما أو فرد ما بإصدار سلسلة من الكتب العاطفية أو الناقصة العلم أو التي تستر عجزها الفكري والثقافي بطلاء إسلامي أو التي تنظر إلى الأمور نظرة جزئية مبتوتة عن السياق العام والقواعد الكلية.
كلا.. لا نقصد شيئًا من ذلك أبدًا.
الدعوة إلى إعادة تفسير التاريخ البشري في ضوء الهجرة وبمعاييرها تخاطب - في المقام الأول الصفوة الإسلامية في العلم والفكر والثقافة.
فهذا الجهد يحتاج إلى دراسات موسعة وعميقة وأصيلة في التاريخ والاجتماع والاقتصاد السياسي والعقائد والدراسات النفسية والسيرة والدساتير والقوانين والثورات... وكافة العلوم الإنسانية...
إنه من الظلم للإسلام والإنسانية أن يظل التفسير الإسلامي للتاريخ محجوبًا... في نفس الوقت الذي يقدم فيه التفسير الماركسي للتاريخ نفسه -أمام العالم- وكأنه التفسير الوحيد أو كأنه التفسير الأبدي...
وبمناسبة التفسير الماركسي فإن وقائع الهجرة وأحداثها وقيمها تثبت عكس ما ذهب إليه تمامًا.
مثلا:
- التفسير الماركسي يقول: إن البشرية منذ أن كانت تسعى إلى -بعد- واحد هو: الاقتصاد وأنها ستظل كذلك في سعيها المستمر .
في الهجرة وقع ما يضاد هذه المقولة فقد ترك المهاجرون -رضى الله عنهم- أموالهم ودورهم وتجارتهم. وسعوا إلى رضوان الله وطاعته.
فقد خير الكفار صهيبًا -رضي الله عنه- بين المال واللحاق برسول الله فزهد في المال وأثر الله ورسوله... وهذا نموذج فحسب.
هدف السعي هنا عقائدي.. لا اقتصادي.. لأن المهاجرين تركوا الاقتصاد وراءهم وزهدوا فيه وقصدوا الله وحده.
ويفسر الماركسيون -العلاقات الإنسانية- على أساس طبقي وأن وحدة الطبقة الكادحة هي معيار الإخاء الإنساني في القيمة والضعف والقوة في الهجرة حصل الإخاء الوثيق الكريم الوضيء -بين المهاجرين والأنصار- ليس على أساس طبقي وإنما في ذات الله تعالى.
إخاء تجاوز مرحلة الواجبات إلى أفق التطوع والإيثار- ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ «8» وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ «9» وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (سورة الحشر :الآية :8-9-10)
- وإذا كانت الماركسية تُفسر- الدوافع- الإنسانية بالاقتصاد والفرويدية تفسره بالجنس فإن الهجرة أبطلت هذه الدعاوي الكاذبة حيث صفى الرسول -صلى الله عليه وسلم- قلوب ونفوس المهاجرين وجردها من دوافع الاقتصاد والجنس فقال صلى الله عليه وسلم «إنما الأعمال بالنيات. وإنما لكل امرئ ما نوى ... فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (رواه البخاري)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل