العنوان في ذكرى الشيخ عمر المختار
الكاتب محمد عمر حسين
تاريخ النشر الثلاثاء 29-سبتمبر-1998
مشاهدات 63
نشر في العدد 1319
نشر في الصفحة 35
الثلاثاء 29-سبتمبر-1998
ليبيا
في التاسعة من صباح يوم ١١ سبتمبر من عام ١٩٣١م أسر عمر المختار عن عمر يناهز ٧٣ عامًا، وفي يوم ١٦ من سبتمبر أعدم في مدينة سلوق أمام جمع من الأهالي ودفن بمقبرة سيدي عبيد بمدينة بنغازي، وكان عمر المختار قد ولد بمنطقة البطنان- الدفنة- في سنة ١٨٦٢م وينتمي إلى قبيلة المنفة من المرابطين، وفي سنة ۱۸۷۸م توفي والده أثناء سفره إلى مكة المكرمة، وقد درس المختار في بداية حياته بزاوية جنزور بالدفنة، ثم انتقل مع شقيقه محمد إلى زاوية الجغبوب- وهي مركز علمي إسلامي- ومكث بها ثماني سنوات وعندما بلغ الأربعين تم تعيينه شيخًا الزاوية القصور، إلا أنه ما لبث أن تركها ليلتحق بالمجاهدين من قبيلة وداي بالقرب من الحدود الجنوبية عندما اصطدمت القبيلة مع الجيش الفرنسي في حملته على تشاد، وعندما كتب الله لهم النصر عاد سيدي عمر إلى الجبل الأخضر.
هذا هو عمر المختار الذي قاد الجهاد في المنطقة الشرقية قرابة ۲۰ عامًا دون أن يكل أو يمل، ضاربًا للأجيال أروع الأمثلة في التضحية والشجاعة لتكون معالم لطريق جيل لطالما بحث في التيه عن رايته وفي الجموع عن قدوته.
وهذه مشاهد أنقلها من كتاب الجنرال المعتدي- غرسياني- وهو العدو اللدود، بعيدًا عن المغالطات والمبالغات والفضل ما شهدت به الأعداء كما يقال:
مذكرات غرسياني عنونت بـ«برقة المهدأة» والمترجم عبد السلام بن عامر- رحمه الله- ترجمها تسهيلًا «برقة الهادئة». يقول واصفًا: «عمر المختار معتدل الجسم، عريض المنكبين، شعر لحيته وشواربه أبيض ناصع، يتمتع بذكاء حاضر وحاد، كان مثقفًا ثقافة علمية ودينية، له طبع حاد ومندفع يتمتع بنزاهة خارقة، لم يحسب للمادة أي حساب متصلب لدينه، وأخيرًا كان فقيرًا لا يملك من حطام الدنيا إلا حبه لدينه ووطنه» «ص۲۷۲».
فلينظر شباب الإسلام إلى هذه الصفات وليعدوا الأوسمة والأنواط التي يتمتع بها ذاك الشيخ وليتأملوا كيف أن حب الدين والتضحية لأجله تحفظ العرض والوطن والمال وتنتزع إعجاب الخصوم ومهابة الأتباع.
«هذا الرجل أسطورة الزمان الذي نجا آلاف المرات من الموت والأسر، واشتهر عند الجنود بالقداسة والاحترام لأنه الرأس المفكر والقلب النابض للثورة، وكذلك كان المنظم للقتال بصبر ومهارة فريدة لا مثيل لها» «ص ٢٦٧».
ويضيف: «عمر المختار يختلف عن الآخرين فهو شيخ متدين، قاس وشديد التعصب للدين ورحيم عند المقدرة ذنبه الوحيد أنه يكرهنا كثيرًا، ولم يخن أبدًا مبادئه، فهو دائمًا موضع الاحترام رغم التصرفات التي تحدث منه في غير صالحنا» «ص ٢٦٨».
ولعلنا نرسم الملامح الكلية لشخصية عمر المختار من خلال الأحداث المحورية المتمثلة في:
يوم أسره.
يوم محاكمته.
يوم لقائه مع غرسياني.
يوم الإعدام.
يوم الأسر: فقد أسر أثناء محاصرة الجيش الإيطالي وتطويقه للجبل بعد أن أصيب جواده فسقط على الأرض وجرح وقد تحامل على نفسه وحاول الدخول إلى غابة قريبة ولكن قدر الله الأسر ونقل إلى بنغازي فقال وهو مكبل بالحديد، يقول غرسياني: «قال هذه الكلمات التاريخية: إن وقوعي في الأسر بكل تأكيد بأمر الله وسابق في علمه سبحانه وتعالى، والآن أنا بين يدي الحكومة الإيطالية الفاشستية وأصبحت أسيرًا عندها، والذي أريد أن أقوله بكل تأكيد إنني لم أفكر في يوم من الأيام أن أسلم نفسي لكم مهما كان الضغط شديدًا ولكن مشيئة الله» «ص ٢٧٦».
يوم المحاكمة: لم يصدر الحكم على المختار أثناء المحاكمة، بل صدر في مكتب الجنرال غرسياني عندما بهرته شجاعة المختار، فقال له: «الحياة وتجاربها تجعلني أعتقد وأؤمن بأنك كنت دائمًا قويًا، ولهذا فإني أتمنى أن تكون كذلك مهما يحدث لك ومهما تكن الظروف، فأجابه: إن شاء الله».
فهذا خير شاهد على انحراف العدالة وخبثها عندما يتعلق الأمر بالمسلمين، وفي التاريخ وقائع وشواهد على الكيل بمكيالين، أما الحاضر فحدث ولا حرج.
وقد كان مما قاله محامي الدفاع مذكرًا قومه، «إنه صاحب حق ولا يضر العدالة إذا أنصفته بحكم أخف وإنني أطلب أن تحذر عدالة محكمتكم التاريخ لأنه لا يرحم، فهو عجلة تدور وتسجل كل ما يحدث في هذا العالم المضطرب» «ص ۲۷۸».
وقد عقب المختار على حكم المحكمة بكل شجاعة قائلًا: «الحكم حكم الله لا حكمكم المزيف، إنا لله وإنا إليه راجعون» «ص ۲۸۸».
٣. لقاؤه مع غرسياني: يقول غرسياني عنه: «الجالس أمامي هو الرئيس المرهوب، وبدأت أفكر كيف يحكم ويقود المعارك، بينما وهو يتكلم- أي عمر المختار- كانت نظراته ثابتة إلى الأمام وصوته نابع من أعماقه، ويخرج من بين شفتيه كلمات ثابتة وبكل هدوء، فكرت ثانية هذا هو القديس، لأن كلامه عن الدين والجهاد يدل بكل تأكيد أنه مؤمن صادق يتكلم عن الدين بكل حماسة وتأثير» «ص ۲۸۲».
وقد أجاب المختار الجنرال عن ترتيبات استسلام المجاهدين، فقال: «بدون جدوى نحن سبق أن أقسمنا أن نموت كلنا الواحد بعد الآخر ولا نسلم أو نلقي السلاح، وأنا هنا لم يسبق لي أن استسلمت، وهذا على ما أظن حقيقي وثابت عندكم».
قال غرسياني: أنت تعتبر نفسك محميًا من الله وتحارب من أجل قضية مقدسة وعادلة قال الشهيد: نعم ليس هناك أي شك في ذلك ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ (التوبة: 51).
قال غرسياني: وعندما تهيأ للانصراف كان جبينه وضاء وكأن هالة من نور تحيط به فارتعش قلبي من جلالة الموقف وأنا الذي خاض معارك الحرب العالمية ولقبت بأسد الصحراء» «ص ٢٨٤»
رحم الله الأسد الشيخ وقد قضى نحبه، فهل في جيل أمتنا من لن يبدل تبديلًا؟
٤. يوم الإعدام: قال صاحب كتاب حياة عمر المختار- محمود شلبي- نقلًا عن شاهد عيان للحظة الإعدام وهو الدكتور العنيزي.. «يا لها من ساعة رهيبة تلك التي سار فيها المختار بقدم ثابتة وشجاعة نادرة وهو ينطق بالشهادتين حتى نفذ فيه الجلادون الحكم، وعندما وجد هؤلاء أن المختار لم يمت أعادوا عملية الشنق مرة أخرى». «ص ١٦٠».
وبهذا تطوى صفحة مشرقة من حياة الشهيد عمر المختار، لتكون معلمًا أمام الجيل وفرصة الدراسة العبر وتحديد الخيار.