; في ذكرى استقلال باكستان.. بنازير.. وسياستها النووية.. إلى أين؟ | مجلة المجتمع

العنوان في ذكرى استقلال باكستان.. بنازير.. وسياستها النووية.. إلى أين؟

الكاتب أسعد طه

تاريخ النشر الثلاثاء 29-أغسطس-1989

مشاهدات 60

نشر في العدد 930

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 29-أغسطس-1989

باکستان.. كانت على موعد في الرابع عشر من أغسطس للاحتفال بالذكرى الثانية والأربعين لتأسيسها الذي جاء ليصيغ حلم الجماهير المسلمة في شبه القارة الهندية في الخلاص من قوى المستعمر البريطاني والأكثرية الهندوسية الكافرة.. وليضع بعد ذلك أسير القيادات العلمانية والقومية لتضاف «دولة باكستان» إلى عشرات الدول التي برزت على أرض الوطن الإسلامي كنتاج لعمليات التجزئة.. إلا أنه وقبل سبعة أيام من احتفالات باکستان طيرت وكالات الأنباء خبرًا مفاده أن وحدة خاصة من وحدات الأمن الباكستانية اعتقلت رئيس تحرير إحدى الصحف المعروفة والمناوئة للحكومة وقامت بمصادرة أكثر من ستمائة نسخة من كتاب صدر له أخيرًا بعنوان «عبدالقادر خان والقنبلة الباكستانية» حيث يورد المؤلف في کتابه أن حكومة بنازير بوتو طلبت فور تسلمها السلطة في ديسمبر الماضي من البروفيسور عبدالقادر خان رئيس مركز الأبحاث النووية في كاهوتا «۳۷ کیلومترًا شرق إسلام آباد» أن يقطع كل أعماله من أجل الانصراف إلى صناعة القنبلة الذرية.. ويتهم المؤلف الدولة بأنها سرقت المعادلات النووية وبعض التجهيزات من عدد من البلدان الغربية.

يأتي هذا الخبر ليلتئم مع التقارير التي لا تمل «مصادر غربية» من بثها والتي تؤكد على قدرة باكستان من الناحية التقنية النووية وعلى قدرتها على الحصول على جميع حلقات الدائرة النووية التي تساعدها في النهاية على استخلاص المواد المشعة اللازمة لصناعة السلاح النووي، كما تؤكد هذه التقارير على أن باكستان قد حصلت بالفعل على تقنية تخصيب اليورانيوم بفضل طريقة جديدة توصل إليها العالم الباكستاني صاحب موضوع الكتاب المُصادر «عبدالقادر خان» وأن هذه القدرة تجعل من السهولة على باكستان صناعة السلاح النووي.. أما التقارير الإسرائيلية فكانت قد ذكرت أن فكرة امتلاك باكستان قنبلة ذرية بدأت عام ١٩٧٤ بعد أن فجرت الهند قنبلتها، ويومها عقد ذو الفقار علي بوتو رئيس باکستان وقتها اجتماعًا عاجلًا من كبار مستشاريه.. وقال لهم: «لقد تمكن الهنود من تحقيق هدفهم وأصبح لديهم قنبلة ذرية.. ومن هنا فإننا مضطرون لامتلاك واحدة مثلها» في ذلك الوقت كانت باكستان- كما ذكر التقرير- تلك المعلومات اللازمة للإقدام على هذا المشروع والعلماء المتخصصين، كما كانت تملك مفاعلًا قوته ۱۳۷ «ميجا وات» حصلت عليه من كندا لتغذية مدينة «كراتشي» بالكهرباء، كما كانت تملك أيضًا مفاعلًا للأبحاث قوته 5 «ميجا وات» استخدمته كمعهد للأبحاث التكنولوجية في مدينة إسلام آباد، كما توجد في باكستان مناجم غنية باليورانيوم الطبيعي إلا أن المشاكل الجمة التي قابلها نظام بوتو قللت من جهده في هذا الموضوع، إلى أن جاء ضياء الحق الذي أولى اهتمامًا خاصًا بهذا المشروع منذ الأيام الأولى لتسلم حكمه.

على كل حال فإن هذا الخبر يبدو وكأنه يأتي ضمن خطة زمنية تعهدت خلالها القوى الرافضة لامتلاك باكستان قنبلة نووية على أن تثير هذه القضية أمام الرأي العام العالمي من حين لآخر.. كان آخرها في عهد الرئيس الراحل ضياء الحق وبالتحديد في شهر يوليو من عام ٨٧ حيث ألقت السلطات الأمريكية في فيلادلفيا القبض على مواطن باكستاني الأصل يحمل الجنسية الكندية إثر محاولته تصدير ٢٢ طنًا من صلب «الماراجنح- 35» الذي يستخدم في صناعة الوقود والمواد النووية، وذلك إثر وشاية من الشركة المصدرة نفسها بعد أن تلقت ثمن الشحنة.. وبعدها وبحوالي عشرة أيام بدأت السلطات الأمريكية وبضغوط من اللوبي الصهيوني في شن حملة على باكستان حيث صرح المتحدث باسم الخارجية الأمريكية أن بلاده طلبت من الحكومة الباكستانية إيضاحات حول هذا الموضوع.. إلى آخر ردود الفعل التي أثيرت وقتها.

إلا أنه لا يمكننا ونحن نتابع هذه القضية والخبر الأخير الذي أثير إلا أن نلاحظ:

أولًا: أن التوقيت هذه المرة في خلافة بنازير بوتو ليبدو وكأنه محك اختبار لسياستها تجاه هذه القضية، وإذا كانت مخالفة للسياسات التي سلكها سلفها الراحل ضياء الحق الذي كان حريصًا على التأكيد على سلمية النشاطات النووية.. وقد صرح في مقابلة نشرته له صحيفة «تايم» الأسبوعية الأمريكية الصادرة في 23/ 3/ 87 أن لدى باكستان القدرة على بناء القنبلة في أي وقت تشاء ولكن بلاده ليست لديها خطط فعلية لصنع ذلك.. بل إن الأمر تجاوز ذلك إلى سعي حكومته إلى تطمين تل أبيب إلى عدم وجود مخاطر نووية عليها.. إلا أن باكستان وعلى لسان وزير خارجيتها وقتها أعلنت عن رفضها التام للمطالب غير المعقولة التي تصر عليها أمريكا كي توقف باکستان تطوير برنامج البحث النووي الذي حقق فيه علماؤها نجاحات ملحوظة، إلا أن هذا التصريح أتى ليزيد من مخاوف واشنطن وليدع المحللين السياسيين إلى تفسير الدعم الغربي لبنازير في انتخاباتها أنه جاء بعد تعهدات قدمتها بوقف إنتاج القنبلة النووية وتحويل المفاعل إلى إنتاج الطاقة لأغراض سلمية، وأعربت عن موافقتها على وضع المشروع النووي الباكستاني تحت إشراف دولي للتأكد من صحة توجهها.

ثانيًا: أن المخاوف من امتلاك باكستان لهذه القنبلة إنما يأتي من المعسكر الغربي والأمريكي؛ حيث تنص تشريعات الكونغرس إلزامية توقيع الرئيس الأمريكي على وثيقة سنوية تنص على أن باكستان لا تمتلك أسلحة نووية كشرط إلزامي لاستمرار تدفق المعونات الأمريكية على باكستان.

كما تأتي هذه المخاوف من الكيان الإسرائيلي الذي حاول تأسيس قاعدة عسكرية في الهند وسيلان ليكون قريبًا من باكستان.. بل اقترحت (إسرائيل) على الهند أن يقوم الطرفان بهجوم مشترك على مفاعل كاهوتا حيث يجرى تخصيب اليورانيوم.. كما تأتي أخيرًا من الهند بحكم العداء التاريخي بينهما والذي أدى إلى ثلاثة حروب منذ استقلال باكستان عام ١٩٤٧.. كما أن آثار حرب بنغلاديش عام ۱۹۷۱ مازالت للعينان واضحة والتي تجلت فيها أعمال التنسيق بين الخطوط العسكرية الهندية والدبلوماسية السوفيتية.

ثالثًا: ازدواجية الموقف الأمريكي من هذه القضية تجاه باكستان والهند.. ففي الوقت الذي ترفع فيه أمريكا سلاح المعونات الاقتصادية كتهديد مباشر لباكستان إذا استمرت في طموحاتها النووية.. وقفت صامتة تمامًا تجاه التفجير النووي الذي قامت به الهند في صحراء راجستان منذ حوالي خمسة عشر عامًا وما تلا ذلك من أنشطة نووية.

رابعًا: إن العداء التاريخي للإسلام وأتباعه حتى وإن كانوا لا يحملون من الإسلام إلا اسمه، بل وإن كانوا حريصين على إظهار ولائهم لقوى الغرب.. هذه الروح الصليبية لكل ما هو مسلم، هي وحدها التي تدفع هذه القوى للضغط على باکستان لوقف مشروعها النووي، وهي التي دفعت (إسرائيل) إلى أن تقول علانية: إن ظهور باكستان كقوة نووية يعطي الإسلام قوة معنوية لا يمكن لليهود تحملها.. كما أن السناتور الأمريكي ألن كرانستون صرح مرة حول هذا الموضوع: «نحن جميعًا نعرف أن باکستان منهمكة بهذه المهمة، وأنه من الخطر الساحق أن تمتلك دولة إسلامية قنبلة نووية».

إلا أنه عند الحديث عن باكستان وسياستها النووية في عهد بنازير بوتو لا يمكننا تجاهل الإشارة إلى قضية هامة في ملف باكستان.. نعني بها اغتيال ضياء الحق.. ورغم أن التحقيقات لم تسفر علانية عن شيء.. إلا أن هناك من الدلائل ما يشير إلى الجاني.. ويفسر حماس الغرب الشديد الذي أبداه لنجاح بنازير بوتو في الانتخابات:

1- رفض ضياء الحق لمبدأ وضع المنشآت النووية تحت إشراف دولي للتأكد من حسن نية باكستان في نشاطها النووي زاد من المخاوف الأمريكية وشكل محطة افتراق بين السياستين الأمريكية والباكستانية؛ مما دعا بنازير بوتو لاستغلال هذا الموقف على النحو الذي ذكرناه من استعدادها لتحقيق الشرط الأمريكي.

2- توجهات ضياء الحق إلى تطبيق الشريعة الإسلامية مما دعا واشنطن للإعراب عن مخاوفها من تطبيق الشريعة وتحويل باكستان إلى قلعة للإسلام.. فاستغلت بنازير الموقف أيضًا ولجأت إلى الإعلان عن استبدال مشروع تطبيق الشريعة بمشروع سياسي فضفاض يقول بتطبيق «العدالة الإسلامية» وحرصها على الإبقاء على القوانين المدنية الغربية الموروثة عن الاستعمار.

3- التأييد والدعم الذي لاقاه المجاهدون الأفغان من النظام الباكستاني في عهد ضياء الحق.. بل تجاوزه أحيانًا لاتفاقات جنيف التي عقدت بين السوفيت والأمريكان وبمشاركة باكستان.. بل ازدياد إيقاع هذا الدعم في الفترة الأخيرة من حكم ضياء الحق.. مما توحدت عنه مخاوف الأمريكان والسوفيت من قيام نظام إسلامي خالص في أفغانستان.. أما بنازير ورغم حرصها على الإعلان من حين لآخر عن دعمها للمجاهدين.. إلا أن تقارير وتصريحات زعماء التنظيمات الإسلامية في أفغانستان بدأت تشير إلى الحدة في نقص الإمدادات العسكرية والذي أدى إلى جمود الموقف على الجبهة وعدم استطاعة أي من الطرفين تحقيق انتصار حاسم.
إلا أن تاريخ أمريكا في المنطقة يشير إلى تخليها عن حلفائها عندما تقتضي مصلحتها ذلك تمامًا كما حدث في إيران والفلبين وغيرهما.. ويبدو أن بنازير لم تع ذلك بعد.. مما دعاها إلى القول: إننا نفكر في تلبية مطالب الولايات المتحدة.. فهل ضمنت بنازير أمن باكستان واستقلاله؟

الرابط المختصر :