; في ذكرى استشهاده حسن البنا حياته ومنهجه من خلال أحاديثه | مجلة المجتمع

العنوان في ذكرى استشهاده حسن البنا حياته ومنهجه من خلال أحاديثه

الكاتب الأستاذ أنور الجندي

تاريخ النشر الثلاثاء 01-مارس-1983

مشاهدات 62

نشر في العدد 610

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 01-مارس-1983

أملان راودا أحلام البنا: إسعاد أسرته وقرابته وتعليم أبناء دينه وإرشادهم.

البنا -رحمه الله- كان كنور الشمعة تضيء للناس باحتراقها.

أعتقد أن خير النفوس: تلك النفس الطيبة التي ترى سعادتها في إسعاد الناس وإرشادها وتستمد سرورها من إدخال السرور عليهم وذود المكروه عنهم، وتعد التضحية في سبيل الإصلاح العام ربحًا وغنيمًة والجهاد في الحق والهداية – على توعر طريقهما راحة ولذة، وتنفذ إلى أعماق القلوب فتشعر بأدوائها وتتغلغل في مظاهر هذا المجتمع، فتتعرف على ما يعكر على الناس صفاء عيشهم ومسرة حياتهم، وما يزيد هذا الصفاء ويضاعف تلك المسرة ولا يحدوها إلى ذلك إلا شعور بالرحمة لبني الإنسان، وعطف عليهم ورغبة شريفة في خيرهم، فتحاول أن تبرئ القلوب المريضة وتشرح الصدور الحرجة وتسر النفوس المنقبضة، لا تحسب ساعة أسعد من تلك التي تنقذ فيها مخلوقًا من هذا الشقاء الأبدي أو المادي، وترشده إلى طريق الاستقامة والسعادة وأعتقد أن العمل الذي لا يعدو نفعه صاحبه ولا تتجاوز فائدته عامله، قاصر ضئيل، وخير الأعمال وأجلها، ذلك الذي يتمتع بنتائجه العامل وغيره من أسرته، وأمته، وبني جنسه وبقدر شمول هذا النفع، يكون جلاله وخطره وعلى هذه «العقيدة» سلكت سبيل المعلمين، لأني أراهم نوًرا ساطعًا يبدو فيستنير به الجمع الكثير، ويسري في هداه الجم الغفير إن مكان كنور الشمعة، يضيء للناس باحتراقها.

 وأعتقد أن أجّل غاية يجب أن يرمى الإنسان إليها وأعظم ربح يربحه أن يحوز رضاء الله عنه، فيدخله حظيرة قدسه، ويخلع عليه جلابيب أنسه ويزحزحه عن جحيم عذابه وعذاب غضبه، والذي يقصد إلى هذه الغاية يعترضه مفرق طريقين لكل خواصه وميزاته يسلك أيهما شاء:

أولهما: طريق التصوف الصادق الذي يتلخص في الإخلاص والعمل وصرف القلب عن الاشتغال بالخلق خيرهم وشرهم، وهو أقرب وأسلم.

والثاني: طريق التعليم والإرشاد الذي يجامع الأول في الإخلاص والعمل، ويفارقه في الاختلاط بالناس ودرس أحوالهم وغشيان مجامعهم ووصف العلاج الناجع لعللهم وهذا أشرف عند الله وأعظم ندب إليه القرآن الكريم ونادي بفضله الرسول الكريم وقد رجح عندي الثاني بعد أن نهجت الأول لتعدي نفسه وعظيم فضله، ولأنه أوجب الطريقين على المتعلم وأجملهما بمن فقه شيئًا ﴿وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (التوبة:١٢٢).

وأعتقد أن قومي بحكم الأدوار السياسية التي اجتازوها والمؤثرات الاجتماعية التي مرت بهم، وبتأثير المدنية الغربية والشبه الأوروبية والفلسفة المادية، والتقليد الإفرنجي، بعدوا عن مقاصد دينهم ومرامي كتابهم ونسوا مجد آبائهم وآثار أسلافهم والتبس عليهم هذا الدين الصحيح بما نسب إليه ظلمًا وجهلًا، وسترت عنهم حقيقته الناصعة البيضاء، وتعاليمه الحنيفية السمحة، بحجب من الأوهام يحسر دونها البصر وتقف أمامها الفكرة، فوقع العوام في ظلمة الجهالة، وتاه الشبان والمتعلمون في بيداء حيرة وشك أورث العقيدة فسادًا وبدل الإيمان إلحادًا.

وأعتقد أن النفس الإنسانية محبة بطبعها وأنه لابد من جهة تصرف إليها عاطفة حبها، فلم أر أحدًا أولى بعاطفة حبي من صديق امتزجت روحي بروحه فأوليته محبتي وآثرته بصداقتي، وأعتقد كذلك أنه لن يصلح آخر هذه الامة إلا بما صلح أولها من الرجوع إلى أصول الدين والتمسك بقانونه المتين، والرقي والتقدم تحت لوائه المنضود.

كل هذا أعتقده عقيدة تأصلت في نفسي جذورها، وطالت فروعها، وأخضرت أوراقها وما بقي إلا أن يثمر، فكان أعظم آمالي بعد إتمام حياتي الدراسية أملان:

«خاص»: وهو إسعاد أسرتي وقرابتي، والوفاء لذلك الصديق المحبوب ما استطعت إلى ذلك سبيلًا.

«عام»: وهو أن أكون مرشدًا معلمًا، إذا قضيت في تعليم الأبناء سحابة النهار، ومعظم العام قضيت ليلي في تعليم الآباء هدف دينهم ومنابع سعادتهم، ومسرات حياتهم، تارة بالخطابة والمحاورة وأخرى بالتأليف، والكتابة، وثالثة بالتجول، والسياحة.

وقد أعددت لتحقيق الأول: معرفة بالجميل وتقديرًا للإحسان، ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (الرحمن:٦٠)، ولتحقيق الثاني من الوسائل الخلقية والثبات والتضحية وهما ألزم للمصلح من ظله وسر نجاحه كله ما تخلق بهما مصلح فأخفق إخفاقًا يزرى به أو يشينه، ومن الوسائل العملية درسًا طويلًا سأحاول أن تشهد لي به الأوراق الرسمية، وتعرفًا بالذين يعتنقون هذا المبدأ ويعطفون على أهله، وحسبما تعود الخشونة على ضالته، وألف المشقة على تحافيه، ونفسًا بعتها لله وصفقة رابحة، وتجارة بمشيئته منجية راجيًا منه قبولها، سائلة إتمامها، ولكليهما عرفانًا بالواجب وعونًا من الله سبحانه، أقرأه في قوله تعالى: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (محمد:٧) 

هذا هو موضوع الإنشاء الذي كتبه «حسن أحمد عبد الرحمن البنا» الطالب بالسنة الثالثة في دار العلوم عام ١٩٣٦ وكان الموضوع:

أشرح أعظم آمالك بعد إتمام دراستك وبين الوسائل التي تعدها لتحقيقها وهو برنامج عمل يكتبه ذلك الطالب المولود عام ١٩٠٦، والذي كان في العشرين من عمره، والذي أنطلق منه إلى حياته العملية، ويقضي الباحث العجب كيف يمكن أن يكون إنسان بمثل هذا النضج والفهم العميق في هذه السن الباكرة لمهمة الداعي إلى الله، والتعرف على الطريق، على نحو يختلف عن الأسلوب الذي ألفه جيله، وفي مواجهة التحديات التي عرفها المجتمع المسلم في هذه المرحلة، ومن عجب أن ينشأ هذا الداعية في إطار التصوف ثم يستطيع أن يجد من حلق الذكر منطلقًا إلى الدعوة العامة إلى الله على النحو الذي بينه في هذا العرض، وكأنما ابتدع أسلوبًا جديدًا للعمل في مجال الدعوة الإسلامية هو بحق انتقال بها من العمل الصوفي الفردي، ومن عمل العلماء القاصر على الوعظ والإرشاد والتوجيه إلى مجال جديد، كان هو راسمه ومنفذه وهو بناء أجيال إسلامية بالتربية العملية على إيمان بأن الإسلام منهج حياة ونظام مجتمع هذا الأسلوب الذي انتهجه خلال حياته العملية منذ عام ۱۹٢٧ إلى ١٩٤٨ خلال عشرين عامًا هو منهج التعليم والإرشاد الذي وصفه بأنه يشترك مع منهج التربية الصوفي في الإخلاص والعمل ويمتاز عليه في الاختلاط بالناس ودرس أحوالهم وغشيان مجتمعاتهم ووصف العلاج الناجع لعللهم.

وقد كان هذا الرجل صادقًا في نيته على عزيمة قادرة، تعتمد على الله تبارك تعالى إذ سرعان ما نزل إلى الميدان وعمل فيه في الإسماعيلية أولًا ثم في القاهرة ثم في كل مكان ذهب إليه، وظل يعمل في الميدان حتى أسلم الروح شهيد فكرته وغايته».

وحين يكتب تاريخ حركة اليقظة، يكشف عن أن هذا الداعية إلى الله وضع أسلوبًا جديدًا يخرج بالدعوة الإسلامية من مرحلة تأليف الكتب والأبحاث إلى تأليف الناس، وذلك بتكوين جيل جديد يفهم الإسلام فهمًا صحيحًا ويعمل بتعاليمه ويوجه النهضة إليه حتى تكون مظاهر حياة الأمة كلها مستمدة من روحه مرتكزة على قواعدها وأصوله.

 هذا الجيل يجري تكوينه تكوينًا صالحًا بدنيًا بالرياضة وعقليًا بالعلم والثقافة وروحيًا بالخلق والعبادة ووضع المناهج الصالحة في كل الشئون الحيوية من التربية والتعليم والقضاء والتشريع، والاسترشاد في ذلك كله بتوجيه الإسلام الحنيف وصولًا إلى إقامة الدولة الصالحة التي تنفذ أحكام الإسلام وتعاليمه عمليًا وتقوم بحمايتها وتبليغها إلى كل وطن إسلامي».

وقد صور الأستاذ حسن البنا مهمته في جلاء ووضوح في كثير مما كتب وخاطر فقال «ألقيت إلينا نحن شباب الإسلام هذه التبعة: وهي وإن كانت تبعة ثقيلة إلا أنها جليلة عظيمة، والتبعة هي إظهار الناس عامة والبشر جميعًا على ما في الإسلام من أصول وقواعد وتوجيهات ونظم لو اتخذها الناس «نظامًا اجتماعيًا لهم لعاشوا سعداء ولضمنوا في دنياهم الخير كله وفي أخراهم الخير كله كذلك، ثم دعوة الناس لتطبيقها على أنفسهم بعد ذلك، وهي دعوة لم نضع أصولها ولم نبتكرها ابتكارًا ولكنها دعوة وضع الله تبارك وتعالى أصولها وزكى فروعها وبلغها رسوله وسجلها كتابه وتوارثها المخلصون من عباده. وما نحن إلا ورثة لا مخترعون ولا مبتكرون ومن هنا وجب أن يظن الإخوان أن الدعوة لهم أو قاصرة عليهم، ولكنها الدعوة العالمية التي يجب على كل غيور أن يدعو إليها».

رسم الأستاذ حسن البنا خطته في منهج دقيق متماسك أطلق عليه اسم «عقيدتنا».

«أولًا»: اعتقد أن الأمر كله لله – وأن سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- خاتم رسله للناس كافة، وأن الجزاء حق وأن القرآن كتاب الله وأن الإسلام قانون شامل لنظام الدنيا والآخرة.

«وأتعهد» بأن أرتب على نفسي حزبًا من القرآن الكريم وأن أتمسك بالسنة المطهرة وأن أدرس السيرة النبوية وتاريخ الصحابة الكرام.

«ثانيًا»: أعتقد أن الاستقامة والفضيلة والعلم من أركان الإسلام.

«وأتعهد» بأن أكون مستقيمًا أؤدي العبادات وأبتعد عن المنكرات فاضلًا أتحلى بالأخلاق الحسنة، وأتخلى عن الأخلاق السيئة وأتحرى العادات الإسلامية ما استطعت وأوثر المحبة والود على التحاكم والتقاضي، فلا ألجأ إلى القضاء وأعتز بشعائر الإسلام ولغته وأعمل على بث العلوم والمعارف النافعة في طبقات الأمة.

«ثالثًا» أعتقد أن المسلم مطالب بالعمل والتكسب، وأن في ماله الذي يكسبه حقًا مفروضًا للسائل والمحروم.

«وأتعهد» بأن أعمل لكسب عيشي وأقتصد لمستقبلي وأودي زكاة مالي وأخصص جزءًا من إيرادي لأعمال البر والخير، وأشجع كل مشروع اقتصادي إسلامي نافع وأقدم منتجات بلادي وبني وطني ولا أتعامل بالربا في شأن من شؤوني ولا أتورط في الكماليات فوق طاقتي.

«رابعًا» أعتقد أن المسلم مسئول عن أسرته وأن من واجبه أن يحافظ على صحتها وعقائدها وأخلاقها.

«وأتعهد» بأن أعمل لذلك جهدي وأبث تعاليم الإسلام في أفراد أسرتي، ولا أدخل أبنائي أي مدرسة لا تحفظ عقائدهم وأخلاقهم، وأقاطع كل الصحف والنشرات والكتب والهيئات والفرق والأندية التي تناوئ تعاليم الإسلام.

«خامسًا» أعتقد أن من واجب المسلم إحياء مجد الإسلام بإنهاض شعوبه وإعادة تشريعه وأن راية الإسلام يجب أن تسود البشر، وأن من مهمة كل مسلم تربية العالم على قواعد الإسلام.

«وأتعهد» بأن أجاهد في سبيل أداء هذه الرسالة ما حييت وأضحي في سبيلها بكل ما أملك.

«سادسًا»: أعتقد أن المسلمين جميعًا أمة واحدة تربطها العقيدة الإسلامية وأن الإسلام يأمر أبناءه بالإحسان إلى الناس جميعًا.

«وأتعهد» بأن أبذل جهدي في توثيق رابطة الإخاء بين جميع المسلمين وإزالة الجفاء والأصلاف من طوائفهم وعزتهم.

«سابعًا» أعتقد أن السر في تأخر المسلمين ابتعادهم عن دينهم وأن أساس الإصلاح: العودة إلى تعاليم الإسلام وأحكامه وأن فكرة الإخوان المسلمين تحقق هذه الغاية.

«وأتعهد» بالثبات على مبادئها والإخلاص لكل من عمل لها وأن أظل جنديًا في خدمتها أو أموت في سبيلها.

الرابط المختصر :