; في خضم حملة الانتخابات الأوروبية: مشاكل الهجرة.. تبرز إلى الساحة | مجلة المجتمع

العنوان في خضم حملة الانتخابات الأوروبية: مشاكل الهجرة.. تبرز إلى الساحة

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الثلاثاء 17-مايو-1994

مشاهدات 68

نشر في العدد 1100

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 17-مايو-1994

الانتخابات الأوروبية وملف الهجرة: "حصان طروادة" الصراع السياسي في فرنسا

يوم 12 يونيو القادم، ستكون شعوب أوروبا الغربية على موعد مع الانتخابات الأوروبية، ومع اقتراب هذا الموعد يشتد التنافس بين مختلف الحساسيات والتيارات السياسية العاملة في الساحة الأوروبية كما هو الحال في فرنسا، حيث قوي الصراع بين اليمين واليسار باعتبار أن هذه الانتخابات مؤشر للصورة التي ستكون عليها الخريطة السياسية في الفترة القادمة التي تتزامن ومقدمات الانتخابات الرئاسية عام 1995م.

ومن بين الملفات الساخنة التي تتناولها وسائل الإعلام كأصداء المجال السياسي، العلاقة بين السلطتين التنفيذية وبالتحديد الحكومة من جهة والسلطة القضائية من جهة أخرى إلى جانب العلاقة داخل الجهاز التنفيذي وخاصة ما يتعلق بملف التعايش بين الحكومة اليمينية والرئيس الاشتراكي بالإضافة إلى التنافس بين أقطاب اليمين على كرسي الحكم.

وقد شهدت الحياة السياسية الفرنسية في الفترة الأخيرة تحركات وجدالاً كبيراً حول موقف القضاة من قرارات وزير الداخلية، وكان هذا الأخير قد طرد شابين من أصل جزائري شاركا في مظاهرات طلابية حول مشروع عقد مهني وجد معارضة شديدة من الطلبة وقطاع التعليم واستغله اليسار لتحريك الشارع ضد الحكومة وكسب وزن سياسي بعد تراجع كبير في الساحة السياسية.

وقد علل قرار طرد الجزائريين بالقيام بأعمال شغب تمس النظام العام، وتحول هذا المشكل إلى قضية سياسية بعد أن عطل القضاء القرار الوزاري ورجع الشابان إلى فرنسا، وتصاعدت الأزمة داخل الحكومة بوقوف وزير العدل إلى جانب الجهاز القضائي فكان رد فعل وزير الداخلية قوياً إلى حد التهديد بالاستقالة على شاشة التلفزيون في برنامج "سبعة على سبعة".

حصان طروادة

ويبدو أن ملف الهجرة بدأ يشكل – كما جرت العادة قبيل المواعيد الانتخابية - حصان طروادة السياسيين بالتصريح والتلميح، لكن هذا الموضوع أصبح ينظر إليه من زوايا وبخلفيات جديدة خاصة وأن الاتجاهات الكبرى للهجرة ومعالمها المستقبلية في طور التبلور على ضوء المسار الاندماجي الذي دخلت فيه الجاليات الأجنبية والإسلامية منها على وجه الخصوص حيث تحول استقرار المسلمين بديار الغرب إلى ظاهرة عامة وباتوا يشكلون جزءاً هاماً من الكيان الأوروبي.

من هنا تفهم مضاعفات الأزمة السياسية على محك الهجرة، هذا الملف الشائك الذي تنقسم الآراء حوله داخل فرنسا وخارجها بخصوص السياسة الواجب اتخاذها مع الوجود الإسلامي في أوروبا، باعتبار عدم وجود مشاكل خصوصية مع الجاليات الأوروبية التابعة للسوق الأوروبية المشتركة لما بينها من تشابه في الرؤى الفكرية والثقافية والانتماءات الدينية والحضارية، على عكس الجاليات المسلمة التي ينظر إليها أنها الآخر المغاير والمخالف.

وتتعدد المواقف بحسب اتساع الأفق الفكري والسياسي، فهناك من بقي متشبثاً بالعقلية الاستعمارية التي ترى في الرجل الأبيض باني الحضارة، وفي الشعوب الأخرى آلات استهلاكية لما تنتجه الحضارة الغربية بغثها وسمينها، وهناك في المقابل من يقبل بالاختلاف الثقافي والعرقي وينظر إلى العالم باعتباره قرية صغيرة، وتنعكس هذه الرؤى على الصعيد السياسي في التعامل مع ملف الهجرة المسلمة في ديار الغرب.

لذلك لم تعد قضية المقيمين بصفة غير قانونية مطروحة بقوة كما كانت سابقة، فقد اتخذت الحكومة الفرنسية العديد من القرارات لتضييق الخناق على هذا النوع من الهجرة المسماة بالسرية، وفي المقابل طغت على الساحة مشاكل جديدة لها علاقة بمقتضيات الاستقرار والاندماج وما يتبع ذلك من تنوع ثقافي وعرقي واحتكاك ديني وتفاعل إيجابي وسلبي.

وتعتبر الانتخابات الأوروبية القادمة مناسبة جديدة لتحسس الموقف الرسمي والشعبي من التواجد الإسلامي في أوروبا خاصة وأن ملف البوسنة المشتعل في قلب هذه القارة يزيد الوضع تعقيداً، وسيكون موضوع التعددية الثقافية داخل الكيان الأوروبي من المسائل الجوهرية التي سيتم تناولها في الحملة الانتخابية.

كما أن الشباب الحامل للجنسية الفرنسية والمتبني للفكرة الإسلامية كمنهج حياة سيحاول بهذه المناسبة التعبير عن وجوده من خلال استخدام حقه الانتخابي، بحيث سيكون محل تنافس سياسي لكسب أصواته، لكن ليس من المستبعد أن تتفق الأطراف السياسية على اختلاف مشاربها على تحييد العنصر الديني في موضوع الهجرة في إطار سياسة محاصرة ظاهرة الصحوة الإسلامية النامية في الديار الغربية عملاً بوصايا مجموعات الضغط غير المرتاحة لهذه الظاهرة.

 

الرابط المختصر :