; في تونس.. بوادر هجوم شرس على الحركة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان في تونس.. بوادر هجوم شرس على الحركة الإسلامية

الكاتب محمد عياد

تاريخ النشر الثلاثاء 01-يوليو-1986

مشاهدات 61

نشر في العدد 773

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 01-يوليو-1986

في النصف الثاني من هذا الشهر، تشهد الساحة السياسية في تونس انعقاد المؤتمر الثاني عشر للحزب الاشتراكي الدستوري تحت شعار الصمود. وهو حدث سياسي بارزق سيوضح موقف الحكم القائم من القضايا الوطنية الكبرى القائمة حاليًا في البلاد. ومن الواضح أن أهم ما ينتظره المراقبون من هذا المؤتمر هو ظهور الموقف الرسمي من مسألة الديمقراطية والتعددية السياسية في البلاد بعد أن شهدت الفترة الأخيرة تراجعًا رهيبًا في مجال الحريات وحقوق الإنسان.

* * * 

نهاية عهد الحزب الواحد:

لقد ظل الحزب الاشتراكي الدستوري والرئيس بورقيبة شخصيًا يحكمان البلاد لثلاثين سنة متصلة دون انقطاع وهي مدة قاسية وغير طبيعة وطيلة ست وعشرون سنة حظرت الحكومة النشاط القانوني على كل الأحزاب المخالفة لها في الرأي. وبلغ عدد المحاكمات السياسية رقمًا قياسيًا كانت ذروته تخصيص أكثر من ثلاثين محاكمة لمناضلي حركة الاتجاه الإسلامي بين 1981- 1983 عندما تقدمت بمطلب رسمي للحصول على رخصة قانونية للنشاط السياسي.

لكن الحظر القانوني والمحاكمات السياسية وألوان التعذيب التي حفلت بها دوائر أمن الدولة في وزارة الداخلية لم تستطع جميعها أن تغطي الحقيقية الموضوعية القائمة وهي أن حزب الدستوري لم يعد يعبر عن تطلعات القطاعات الشابة والحديثة والمثقفة داخل البلاد. وكان أن اعترف المؤتمر الإستثنائي للحزب الحاكم في 1981 جزئيًا بهذه المعطيات  فأعطيت التأشيرة القانونية للحزب الشيوعي يوم 18 يوليو 1981 وهو نفس اليوم الذي اعتقل فيه المكتب السياسي لحركة الاتجاه الإسلامي. ثم تم الاعتراف في نوفمبر 1983 بحركة الديمقراطين الاشتراكيين التي يرأسها الوزير السابق أحمد المستيري وبحركة الوحدة الشعبية المنشقة عن تنظيم الوزير الأول الأسبق أحمد بن صالح.

* * * 

الإسلام والعمل السياسي:

لكن المحك الرئيسي لقضية الديمقراطية ظل قائمًا إزاء مسألة الاعتراف بحركة الاتجاه الإسلامي. فالبرغم من إطلاق سراح قيادتها في عام 1984 ظلت الحكومة تكابر في الإقرار الرسمي بحق الإسلاميين في العمل القانوني. وجاءت مسودة قانون الأحزاب المعروضة على مجلس النواب لتحبط آمال الكثيرين بنصها في أكثر من موضع على منع قيام حزب على أساس إسلامي. لكن المشكلة في الوقت الراهن تتجاوز الجانب القانوني لتمس مسألة التعامل اليومي إزاء قضايا الحركة ونشاطاتها اليومية وقد شهدت البلاد تدهورًا عامًا وشاملًا في مجال الحريات منذ تنصيب الجنرال زين العابدين علي كاتبًا عامًا ثم وزيرًا للداخلية- ومعلوم أن ابن علي كان سفيرًا في بولونيا طيلة سنوات الصراع بين حكومة الجنرال جاروزلسكي ونقابة التضامن كما أنه يتمتع بعلاقات حميمة مع الإدارة الأميركية، وهو يكن عداء شديدًا للحركة الإسلامية ويعتبرها «الخطر الأول في البلاد» على حد تعبيره ومنذ توليه مهامه في الداخلية كانت خطة ابن علي في مواجهة الحركة الإسلامية تعتمد على المتابعة اليومية والتمشيط المستمر واعتقال العناصر النشطة لمدد متفاوتة تكفي لفصلهم عن وظائفهم، بحيث يجد المعتقل نفسه بعد خروجه مضطرًا لمواجهة مشكلة المعاش في بلد بلغ فيه معدل ارتفاع الأسعار بنسبة جنونية وطيلة السنتين الأخيرتين اعتصمت حركة الاتجاه الإسلامي بالصبر الجميل وركزت عملها داخل قطاعات المجتمع وتمسكت بحقها في الشرعية القانونية فأعلنت عن مكتب سياسي جديد برئاسة الأستاذ راشد الغنوشي وساهمت بفعالية في تأسيس الاتحاد العام التونسي للطلبة ووقفت إلى جانب الاتحاد العام التونسي للشغل في محنته الأخيرة كما شاركت في الهيئة التنفيذية للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.

وقد سبق للوزير الأول التونسي محمد مزالي أن استقبل قيادة الحركة رسميًا في قصر الحكومة وصرح بإنه وجدهم معتدلين ومنطقيين وبريئين من تهم العنف والارتباط الأجنبي، وتفاءل الناس خيرًا بهذه التصريحات لكن نشاط وزير الداخلية في الاتجاه المعاكس قلب جميع الأوراق فقد تميزت الشهور الأخيرة بشراسة رهيبة في مواجهة التحركات العمالية والطلابية وبلغ الأمر منذ شهر حد تنظيم هجومات عسكرية حقيقية على الطلاب واعتقال أكثر من ألف منهم دفعة واحدة، وقد حمل نصفهم إلى المعسكرات والمعتقلات.

وعندما طلب الرئيس بورقيبة توضيحًا لما يجرى في الجامعة أعرب وزير الداخلية عن اعتقاده بأن كل هذه الاضطرابات ناتجة عن تقلص صلاحيات وزارة الداخلية ومنعها من التدخل لقمع الاجتماعات الطلابية إلا بإذن من عمداء الكليات. إزاء ما أسماه الوزير بالتوسع الغريب للحركة الإسلامية داخل الجامعة والبلاد «انظر مجلة جون افريك الصادرة بباريس في 21 مايو 1986» وقد حظي هذا التحليل عمومًا بموافقة رئيس الدولة.

* * * 

بوادر ضربة جديدة:

ولقد شرعت وزارة الداخلية التونسية منذ أكثر من شهر في جمع قوائم مفصلة لكل العناصر الإسلامية القيادية في العاصمة وداخل مناطق البلاد وتتضمن القائمة معطيات دقيقة عن عناوين هؤلاء الإخوة وأماكن إقامتهم حتى إذا أعطيت الإشارة الخضراء سهل اعتقالهم جميعًا.

وفي نفس الوقت استدعى الشيخان راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو تباعًا إلى وزارة الداخلية وقد هددهم ابن علي نفسه بأن الحكومة ستضرب بقوة في صورة تواصل ما اعتبره نشاطًا غير شرعي للحركة، وفي خطوات أولى تم اعتقال قرابة العشرين شخصًا من غير الطلاب ويجري التحقيق معهم لمعرفة تنظيم الحركة وطرق عملها. وترد المصادر المسؤولة في حركة الاتجاه الإسلامي أن المؤشرات عديدة حول احتمال إقدام النظام على حملة شاملة شبيهة بحملة عام 1981 ولكن بمزيد من العنف والقسوة هذه المرة. وقد تناقلت وسائل الإعلام المحلية والعالمية هذه التطورات السلبية وحذرت جهات وطنية عديدة من المخاطر العديد المحدقة بالبلاد خلال هذه الضائقة.

* * * 

مصلحة الحكم ومصلحة البلاد:

من الواضح اليوم أن لوائح المؤتمر الحالي للحزب ستقرر ما إذا كان النظام سيقدم على حملة من هذا النوع. ولكن مهما يكن الأمر فإن المراقبين يجمعون على أن أي خطوة في هذا الاتجاه ستجعل البلاد على كافة عفريت. ذلك أن إلحاق الإسلاميين بقياديي منظمة العمال في السجن سيكون دليلًا قاطعًا لفئات شعبية واسعة عن دخول الحكم في تونس في مرحلة متطورة من الفردية والاستبداد، ولن يستبعد عندئذ حصول اضطرابات شبيهة بتلك التي شهدتها البلاد في يناير 1984.

وبالرغم من أن الشعب التونسي لا يزال مشغولًا بالخبز أكثر من السياسية، فإن الكل يعلم أن تونس لم تشهد ضائقة اقتصادية كالتي تشهدها الآن بعد طرد العمال من ليبيا وانخفاض عدد السواح الأجانب وتراجع مبيعات النفط.

ويسعى عدد من المستقلين في البلاد إلى تنبيه الحكومة إلى مخاطر الأقدام على ضربة جديدة للإسلاميين. ويبدو أن عددًا كبيرًا من المسؤولين يشاطرونهم نفس الرأي، لكن السيد زين العابدين ابن علي وبعض الوزراء الآخرين يلحون على ضرورة إجراء ضربة احتياطية جديدة قبل أن تستحيل هذه العملية في المستقبل القريب. وفي مواجهة هذه الاستفزازات دعا الأستاذ راشد الغنوشي رئيس الحركة كافة الإسلاميين إلى الاعتصام بالصبر الجميل وضبط النفس وعدم تمكين المتطرفين الرسميين من حجة للهجوم على الحركة كما دعا كافة الفعاليات السياسية إلى تنسيق الجهود لمواجهة عملية الالتفاف الحكومية حول كل المكاسب الديمقراطية المحدودة التي حققها التونسيون في المرحلة الأخيرة.

ومهما يكن اتجاه الأحداث بعد مؤتمر حزب القادم، فإن ما يجدر التنصيص عليه هو أن حركة الاتجاه الإسلامي لم تعد نخبة صغيرة ممثلة في عدد قليل من الأشخاص تنتهي القضية باعتقالهم، وإنما هي الآن تعبير حقيقي عن توجه حضاري لا تنفرد به تونس وحدها وإنما تنبض به كل أرجاء الأمة الإسلامية. وإذا كانت مصر على سبيل المثال قد شهدت أشرس الممارسات القمعية في التاريخ الحديث ضد الحركة الإسلامية فإن شعب مصر نفسه هو الذي ودع بأكثر من نصف مليون شهيد الإسلام الأستاذ عمر التلمساني منذ أيام.

ومن الأفضل للحكومة التونسية ألا تكرر التجارب الفاشلة وأن تعترف بأن الإسلاميين هم مواطنون كاملو الحقوق لهم أن يخدموا بلادهم بالطريقة التي يرونها وفي إطار الديمقراطية والمسؤولية، أما إذا أعرضت الحكومة عن كل ذلك واختارت فتح ملف أسود جديد ضد الإسلاميين فإن العواقب ستكون وخيمة وليحفظ الله تونس وبلاد الإسلام.

الرابط المختصر :