العنوان في انتخابات الرئاسة الأمريكية... التلويح بورقة «الدِّين» لجذب أصوات الناخبين!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 01-نوفمبر-2008
مشاهدات 47
نشر في العدد 1825
نشر في الصفحة 18
السبت 01-نوفمبر-2008
- «باراك أوباما» جعل الدين حاضرًا بقوة في أعمال المؤتمر العام للحزب الديمقراطي لاستقطاب أصوات المتديّنين
- «جون ماكين» هاجم الإنجيليين في حملته الانتخابية عام ٢٠٠٠م.. وتودّد إليهم في الانتخابات الحالية باختيار الإنجيلية «سارة بالين» نائبة له!
لأن انتخابات عامَي ۲۰۰۰، و۲۰۰٤م، التي فاز فيهما الرئيس الأمريكي «جورج بوش»، لعب فيهما «اللوبي الإنجيلي» (التيار النصراني المحافظ) دورًا انتخابيًا حاسمًا، فقد كان من الطبيعي أن يلعب المعسكر الجمهوري على نفس الوتر في الانتخابات الرئاسية الحالية (۲۰۰۸م)، بل إن هؤلاء «المحافظين الجدد» في معسكر الجمهوريين لم يتورعوا عن استخدام أسلحة ذات صبغة دينية، مثل مهاجمة المرشح الديمقراطي «باراك أوباما»، وادعاء أنه يُخفي إسلامه؛ لأن أباه كان مسلمًا! عندما فاز الرئيس «جورج بوش» الابن بفترة رئاسة ثانية عام ٢٠٠٤م، قال خبراء في تحليل الاتجاهات الدينية: «إن بوش فاز تمامًا كما كان يتوقع الفريق المسؤول عن حملته الانتخابية بجذب المؤمنين المحافظين»، موضحين أنه طرح نفسه في هذه الانتخابات على أنّه «المُخلص» و«المنقذ» لأمريكا في مواجهة ما يزعمون أن الإنجيل حذر منه، وهو «محور الشر»!
وهو نفس ما فعله المرشح الجمهوري «جون ماكين»؛ الذي كان يهاجم (خلال حملته الانتخابية الرئاسية عام ٢٠٠٠م) الإنجيليين والرئيس «بوش»؛ المرشح المنافس له آنذاك على ترشيح الحزب الجمهوري، ويتهمه بالعمل كـ«قواد لعملاء التعصب الديني».. ولكنه (في انتخابات ۲۰۰۸م) غيّر موقفه تمامًا، وتودّد إلى التيار الإنجيلي، بل واختار «سارة بالين» كنائبة له لهذا الغرض، باعتبارها من هذا التيار المحافظ؛ الذي سعى لاستقطابه بعدما لاحظ أن نسبة كبيرة من الأمريكيين تميل لهذا التيار، حسبما تشير كثير من الكتابات والتحليلات الأمريكية، لتصبح الكنائس «الإنجيلية» هي المحرك التنظيمي الأساس الذي يستخدمه الحزب لحشد أصوات الناخبين.
الديِّن.. والسياسة!
والمشكلة في انتخابات ۲۰۰۸م، أنه لا أحد يعرف: أيستمر تصويت الناخبين لصالح مَنْ يرفعون الشعارات الدينية (مثلما حدث سابقًا) أم أن الظروف تغيرت وثبت للناخبين أن مَنْ يرفعون هذا الشعارات الإنجيلية هم من ورطوهم في حروب ومشكلاٍت وانهياٍر للاقتصاد الأمريكي في عهدهم؟! وهل تداعيات الأزمة المالية وخسائرها وحالة الإحباط التي تنتاب الأمريكيين (وقد تجعلهم أكثر ميلًا للدين) يمكن أن تلعب دورًا في هذه الانتخابات؛ ليستمر اللعب على وتر الدين، كما حدث في انتخابات سابقة، بما يعني تعزيز فرص «ماكين».. أم أن الأمريكيين باتوا أكثر وعيا لاستخدام الجمهوريين اللعب بورقة الدين، وحشد التيار الإنجيلي لصالحهم، ومن ثم فلن يلتفتوا لمن يلعبون بورقته هذه المرة؟!
وفي هذا السياق، نذكر أن إحصاءات حديثة تؤكد تصاعد «الأصولية» لدى الأمريكيين عقب الكوارث والخسائر الاقتصادية.. بينما تشير إحصاءات أخرى إلى تناقص تأثير الدين على الحياة السياسية الأمريكية، ففي عام ٢٠٠٤م كان ٣٠٪ فقط من «المحافظين» يرون أن الكنائس ودور العبادة الأخرى يجب أن تبقى خارج السياسة، وقد وصلت نسبتهم الآن إلى ٥٠٪، طبقًا لاستطلاع أجرته مؤسسة «بيو»، وتم نشره في ٢١ أغسطس الماضي، مما يعني تقلص الرغبة في الربط بين الديني والسياسي.
المصالح الصهيونية!
والحقيقة أن الدين لم يكن له دور كبير في انتخابات الرئاسة الأمريكية، بقدر دوره في الانتخابات الأخيرة (٢٠٠٤م)، والحالية (۲۰۰۸م)، لدرجة أن الرئيس الحالي «جورج بوش» فاز بولاية رئاسية ثانية؛ بسبب تركيز معسكره على عنصر الدين في حملته الانتخابية، عبر رفع شعارات مختلفة، مثل: الحديث عن «الإيمان بالله» وتطبيق تعاليم «التحالف النصراني الإنجيلي»، ولوبي «المحافظون الجُدد» في الحياة السياسية، وشن «حرب صليبية» على أعداء أمريكا؛ لتحقيق مصالحهما في السيطرة على الولايات المتحدة، وغزو العالم بالقوة!
وخطورة هذا التيار الديني الأمريكي تتمثل في أنه يقدّم مصالح الكيان الصهيوني على أي شيء؛ اعتمادًا على ما يسمّونه «رؤى إنجيلية» تؤمن بضرورة مساندة اليهود للسيطرة على «فلسطين»، وعودة اليهود كلهم إلى «القدس»، وكذلك السيطرة على أرض «بابل» (العراق)، في سياق النظرية الدائرية للتاريخ وفكرة «هرمجدون»، ومِنْ ثَمَّ يجعل تحرّك الرؤساء الأمريكان لنصرة الكيان الصهيوني أمرًا دينيًا ربانيًا يجب أن ينفذوه! وفي المقابل، يبدو اهتمام كلا المرشحين بمشكلات مسلمي أمريكا أقل، ويبدو اهتمام مسلمي أمريكا منصبًا أكثر هذه المرة على أحوالهم الاقتصادية والمشكلات الداخلية لا الخارجية، في ظل الأزمة المالية الأمريكية الحالية.
الحزب الديمقراطي
وإذا كان الحزب الجمهوري قد اتخذ من الدين سلاحًا له في الانتخابات، فكذلك يستخدم الحزب الديمقراطي الآن السلاح ذاته، ولكنّه يركز على الدين بصفة عامة؛ النصراني واليهودي والإسلامي، ليعطي انطباعًا عما يسميه «التسامح الأمريكي الجديد»، أو «التغيير» الذي يرفع شعاره «باراك أوباما»؛ ليجذب أتباع الأديان كلهم للتصويت له.
وقد تضمن افتتاح مؤتمر الحزب الديمقراطي (بعد ترشيح باراك أوباما) «وعظًا دينيًا إنجيليًا» أنشدته فرقة من المرتلين الكنسيين، أتبعه قيام حاخام يهودي بقصّ حكايات من التوراة حول التسامح والمستقبل، ثم واعظة كاثوليكية تُدعى «هيلين بريجيان».. كما تضمّن ظهور امرأة مسلمة شابة ترتدي الحجاب، بجانب عدد من الشخصيات؛ منهم «إنجريد ماتسون» رئيسة التجمع الإسلامي لشمال أمريكا، وعدد من القساوسة التابعين لكنائس الولايات المختلفة.
وكان واضحًا أن هدف الديمقراطيين هو تحسين صورتهم أمام الناخب المتدين، وإظهار أنهم أكثر ألفة مع كل الأديان التي لا يجب أن تتدخل في الشأن السياسي.. كما كان ظاهرا من خلال الكلمة التي ألقاها «أوباما»، وتركيزه فيها على الصلاة في الكنيسة، أنه يردّ على اتهامات الجمهوريين له باعتناقه الإسلام. وقد اعترف «جوشوا دوبوي»؛ مدير الشؤون الدينية لحملة «أوباما» الانتخابية، قائلًا: «إنّ (أوباما) جعل عقيدته الدينية عنصرًا ثابتًا في حملته الانتخابية، وعمد إلى أن يكون الدين حاضرًا بقوّة في أعمال المؤتمر العام للحزب، من أجل خلق تواصل مع الناخبين المتدينين».
أصوات المتديّنين
نقل «تقرير واشنطن» الأسبوعي عن «آلان هيرتزك»؛ أستاذ العلوم السياسية بجامعة «أوكلاهوما»، أن «فرص (أوباما) لجذب أصوات من اعتادوا التصويت للحزب الجمهوري لن يجدي كثيرًا، فالكاثوليك المؤيدون له لم يزد عددهم إلا قليلًا، والإنجيليون البيض مازالوا أشد ارتباطًا بالجمهوريين».. وهناك فرصة لفريق «أوباما»، في أن يكسب ولو نقاطًا قليلة من هؤلاء المتدينين على حساب «جون ماكين»، بالنظر إلى أن فارق الأصوات القليلة للمتدينين سيكون عنصرًا حاسمًا في تحديد الرئيس القادم، كما حدث مع «جورج بوش» الابن في انتخابات عام ٢٠٠٤م. فأغلبية الأصوليين الإنجيليين (المحافظين) يصوتون غالبًا لصالح مرشح الحزب الجمهوري في معظم الانتخابات الرئاسية، في حين ينقسم الإنجيليون المعتدلون والكاثوليك بين المرشحين.
ويحسم السباق تعداد المتدينين وتصنيفهم فالنصارى يشكلون ٤,٧٨٪ من مجموع الأمريكيين، فيما يشكل أتباع الديانات والمعتقدات الأخرى 15,5٪، أما مَنْ لا ينتسبون لدين أو لعقيدة محددة فيشكلون ١,٦٪، وذلك وفقًا لاستطلاعات ومسوحات شاملة أجراها مركز «بيو»، في عام ٢٠٠٧م على الولايات الأمريكية كافة، ونشرها في ٢٤ فبراير ٢٠٠٨م. ويُعد «البروتستانت» أكبر فئة نصرانية داخل الولايات المتحدة؛ إذ يشكّلون 51,3٪ من التعداد العام للنصارى، في حين تبلغ نسبة «الكاثوليك» ٩,٢٣٪.. وينقسم البروتستانت إلى ثلاث فئات، هي: البروتستانت الإنجيليون المتشددون «المحافظون» والإنجيليون المعتدلون، والبروتستانت السُّود.. وقد كشف استطلاع أخير أن تصويت الإنجيليين المتشددين لن يختلف عن الانتخابات الرئاسية السابقة، فحوالي ٦٨٪ منهم يؤيدون «ماكين» و ٢٤٪ يؤيدون «أوباما»، وهما نسبتان تقتربان من نسبتي انتخابات عام ٢٠٠٤م. إن دور الدين سيظل نشطًا في انتخابات الرئاسة الحالية، وسيلقي بظلاله علي نتائجها، وخسارة «جون ماكين» - تحديدًا - لا تعني تراجع دور الدين في السياسة الأمريكية، وإنما إعادة تحديد دوره، ولجم لعب السياسيين به لأن المقابل هو الصراع الحضاري، وحروب الأديان.