العنوان في اليمن: هل تتنازل الماركسية للإسلام أم العكس؟!
الكاتب علي محمد الزبيري
تاريخ النشر الثلاثاء 24-أبريل-1990
مشاهدات 63
نشر في العدد 964
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 24-أبريل-1990
- الشعب اليمني المسلم لا يعارض الوحدة، بل يتبناها؛ لأنها عندهم
دين.
- هل من مصلحة الدين أن تغير المادة التي تقول: الشريعة الإسلامية
مصدر القوانين جميعًا؟!
- الذين وضعوا شروطًا تعجيزية لإقامة الوحدة هم أعداء الوحدة
الحقيقيون.
تناول الكاتب الصحفي فهمي هويدي في
صحيفة الأهرام الواسعة الانتشار في العددين 37716 بتاريخ 13/3/89 و37723
بتاريخ 20/3/89 مشروع دستور دولة الوحدة، المطروح أمام مجلس الشورى والشعب في
صنعاء وعدن.
وباعتباري يمنيًّا يعنيني هذا الأمر
كما يعني غيري من اليمنيين، وباعتباري من حملة الشريعة والمتخصصين فيها أرى لزامًا
عليَّ أن أناقش الكاتب في بعض آرائه التي أوردها في المقالين آنفي الذكر، لكن قبل
ذلك أقرر ما يلي:
- الوحدة مطلب شرعي
وجماهيري
1-
الوحدة اليمنية مطلب جماهير ينادي به الشعب اليمني في
الشمال والجنوب، وقبل ذلك هو مطلب شرعي يأمر به الإسلام، الذي يأمر بالوحدة وينهي
عن الفرقة، كما في قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا
وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران:103)، ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً
وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء:92).
وبالتالي فالعلماء والشعب اليمني
المسلم وكل المسلمين في العالم لا يعارضون الوحدة بل يتبنونها؛ لأنها عندهم دين،
وكم نتمنى أن تتحد الأمة العربية جمعاء فضلًا عن اليمن، بل أن تتحد الأمة
الإسلامية كلها ضد أعدائها، وهم كثر؛ لأننا في وقت لا قيمة فيه للكيانات الهزيلة
المبعثرة هنا وهناك.
2-
الذين وضعوا شروطًا تعجيزية لإقامة الوحدة هم أول من يعلم
أن الشعب اليمني لا يوافق عليها بمحض اختياره، وهم أعداء الوحدة الحقيقيون؛ لأنهم
بهذه الشروط يضعون عراقيل أمام الوحدة وعقبات في طريقها.
- الشعب اليمني حريص على
إسلامه
3-
الشعب اليمني بشطريه شعب مسلم عريق في إسلامه، عميق في
تدينه، قاوم وسيقاوم كل المبادئ والأفكار والأيديولوجيات التي تفرض عليه من الشرق
أو الغرب عن طريق العملاء أو الدخلاء سواء غلفت تلك المبادئ والأفكار
والأيديولوجيات من خارج البلاد أو كان تغليفها محليًّا، فالشعب المسلم لن يرضى
بغير الإسلام بديلًا ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإسلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ
مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران:85).
- عنوان غير موفق
حول العنوان: لقد اختار الكاتب
لمقاله الأول هذا العنوان: «إساءة للدين والدنيا»، وللأسف الشديد لقد أساء الكاتب
إلى نفسه وإلى القراء قبل أن يسيء إلى الإسلام والمسلمين بهذا العنوان وبمضمونه
على حد سواء.
إذ إن تمعننا يسيرًا في العنوان يجعل
العاقل محتارًا، أحقًّا أن النقد الهادف من قبل العلماء والمختصين المدعم بالحجج
لمشروع يطرح على شعب بأكمله؛ ليكون مرجعًا له يتقيد به وينطلق منه ويتحاكم إليه،
يعتبر إساءة للدين والدنيا؟ ماذا يريد الكاتب؟ بل ماذا تريد القوى التي تقف وراء
الدستور وتحاول فرضه بأي وسيلة؟ هل تريد أن تمرر مخططاتها، وتتحكم في مصير الأمة
ودون أن تسمح حتى بالنقاش الموضوعي؟ هل جاء مشروع الدستور بمصالح حقيقية تخدم
الدين والدنيا حتى تكون مناقشته وإبداء الرأي حول بعض مواده إساءة للدين والدنيا؟
ثم من الذي يحكم بذلك؟ هل أحاط
الكاتب بأمور الدين والدنيا؟ وأحاط بالماضي والحاضر حتى يخول له ذلك أن يصدر مثل
تلك الأحكام؟ لماذا لا نناقش بموضوعية؟ على سبيل المثال:
هل من مصلحة الدين أن تغير المادة
التي تقول: الشريعة الإسلامية مصدر القوانين جميعًا كما هو نص المادة (3) من
الدستور الدائم لليمن الشمالي إلى مادة تقول: الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي
للتشريع كما هو نص المادة (3) من مشروع دستور دولة الوحدة.
- تمييع القضايا
إن من اللعب بعقول الناس أن نقول: إن
النص الأول يستحق «جيد جدًّا»، والنص الثاني يستحق «جيد»، كما ذكر الكاتب في
مقاله الثاني «حرب الألفاظ والأوهام»، إنه مع افتراض أقصى درجات حسن الظن وحسن
النية فإن المادة بصيغتها الثانية يمكن أن يرجع إليها 90% من القوانين، ويترك 10%
على الأقل للمصدر الفرعي أو المصادر الفرعية ولو بحجة أن المشرع القانوني لجأ إلى
المصدر الفرعي؛ لأنه لم يجد بغيته في المصدر الرئيسي، ألا يعني هذا اتهامًا
للشريعة الإسلامية بالقصور؟ أليس في هذه الصيغة اعتراف بقبول تشريع غير الله
ولو بنسبة ضئيلة؟
وهنا يرد السؤال الذي بدأ به الكاتب
مقاله، لكنه لم يجب عليه إجابة علمية مقنعة: هل يجوز أن يشرك أحد مع الله في الحكم؟
والجواب لا تتسوله من أحد إنه صريح في كتاب في الله- تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكُ
فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ (الكهف:26) ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (يوسف:40).
وهل من مصلحة الدين أن يحذف من شروط
عضوية مجلس الرئاسة عبارة أن يكون «عارفًا بالشرعيات، مستقيمًا أخلاقًا وسلوكًا،
محافظًا على الشعائر الإسلامية» (قارن بين المادة «75» من الدستور الدائم والمادة
«85» من مشروع دستور دولة الوحدة).
وفي شروط عضوية مجلس الشورى أو
النواب قارن بين المادة (49) من الدستور الدائم وبين المادة (42) من مشروع دستور
الوحدة تجد الفرق جليًّا واضحًا (في مشروع الدستور حذف شرط المحافظة على الشعائر
الدينية)، وهل من مصلحة الدين حذف المادة (41) من الدستور الدائم التي تقول:
«الدفاع عن الدين والوطن واجب مقدس» أو حذف جملة: «أقسم بالله أن أكون متمسكًا
بالكتاب والسنة مخلصًا لديني...» من اليمين الدستورية.
وسيطول بنا المقام لو استعرضنا ثغرات
مشروع الدستور الأخرى، التي دافع عنها الكاتب بدون إبداء الحجة أو إظهار الدليل.
- دور الأحزاب العميلة
ولنأت إلى الدنيا: هل غابت عن أحد
أوضاعنا المعاصرة؟ ماذا فعلت بنا الاشتراكية عمومًا؟ وفي اليمن الجنوبي على سبل
الخصوص؟ بل ماذا فعلت بنا الأحزاب العميلة في الوطن العربي كله وفي اليمن خاصة؟
فالدستور الإسلامي يصون الدين
والدنيا، يصون الدماء والأعراض والأموال والحرمات والكرامة الإنسانية خاصة إذا
قامت على تطبيقه فئة تخاف الله- جل وعلا- ويهمها مصالح الشعب العليا قبل أن تهمها
المصالح الشخصية والمنافع الذاتية.
لقد استهل الكاتب مقاله الأول بأسئلة
قال: إن الإسلاميين باليمن الشمالي وجهوها إلى عدد من علماء المسلمين في بعض الدول
العربية.
وكنا نتوقع أن نقرأ إجابات علمية
موثقة مقنعة لكنه لم يفعل وبادر إلى اتهام الإسلاميين بالشذوذ، وأنهم غير مسلحين
بالحد الأدنى من المعرفة إلى غير ذلك مما هو إلى الشتم أو السب أقرب، يقول في
مقدمة المقالة الأولى:
- علماء المسلمين ليسوا
عوام
«وأهم ما في الأسئلة أنها
تعبر عن منهج مدرسة في الساحة الإسلامية جدير بالمراجعة والمناقشة، قل: إنها مدرسة
عوام المسلمين، الذين أخطأوا في فهم الدين، ولم ينجحوا في التعامل مع الدنيا، ثم
دخلوا بالغلط في قلب اللعبة السياسية، فأساءوا إلى الاثنين الدين والدنيا».
وأقول له: هل هذا نقاش علمي؟ أهكذا
تصادر الآراء وتصدر الأحكام الجاهزة، إنه يعترف أنها تعبر عن منهج مدرسة في الساحة
الإسلامية يعني أنها ليست رأيًّا شخصيًّا، وإنما تمثل قطاعًا كبيرًا من علماء
اليمن، وليس من المثقفين فحسب، وقد قال هؤلاء العلماء رأيهم بوضوح أمام رئيس
الجمهورية، وعلى المنابر وأثناء المحاضرات مدعمًا بالأدلة والحجج المقنعة، ثم
يصفهم الكاتب بأنهم عوام المسلمين الذين أخطأوا في فهم الدين.
نحن نعلم أن فيهم من أكابر علماء
اليمن، بل العالم الإسلامي، وأن كثيرًا منهم يحملون درجات الدكتوراه في الشريعة
الإسلامية، وبعضهم أعضاء في مجلس الشورى، يعرف الشعب اليمني لهم مكانتهم، وبعضهم
أعضاء هيئة التدريس في جامعة صنعاء في كليات الشريعة والتربية والآداب، هؤلاء
المنتسبون لهذه المدرسة هم من عوام المسلمين في نظر الكاتب.
هل يعني هذا أن الكاتب ينظر إلى نفسه
أنه هو العالم المثقف فقط، أما الآخرون فهم عوام -في نظره- يهرفون بما لا يعرفون؟
ثم يقول: أخطأوا في فهم الدين،
ونقول له: ما هو دليلك على ذلك؟ هل يرمى الكلام وتطلق الأحكام جزافًا بدون دليل؟
هلا بينت لنا كيف الإصابة في فهم الدين؟ وما الدليل على ذلك؟ أم أن كلام مثل هؤلاء
الكتاب مسلّم ولا يحتاج إلى نقاش؟ ثم يقول: «ولم ينجحوا في التعامل مع الدنيا»، ما
الذي يدريك؟ ثم أي دنيا تقصد؟ هل تعني دنيا الحكام والشهوات؟ أم دنيا الأموال
والملذات؟ أم دنيا الأعمال والقيم؟ نحن نشهد أن غالبية علماء اليمن نجحوا في
الدنيا والدين، أما في دنيا النفاق والمجاملات على حساب الدين، فلم ينجحوا، وهذا
شرف لهم وفخر وهو النجاح الحقيقي.
- لا مجاملة في أمر الدين
لقد قال بعض هؤلاء للرئيس علي عبدالله
صالح حينما اجتمع بهم: «لو كان هناك أحد يستحق المجاملة لكنت أنت؛ لأنك رئيسنا،
لكن الأمر دين، ولن تجامل في دين الله، إن مشروع الدستور تضمن ردة وكفرًا، ولن
نقبل به، فإما وحدة على أساس الإسلام...»
لقد كانوا في قمة النجاح حينما نصحوا
وبينوا جزاهم الله خيرًا، فالأمر -بالنسبة لهم- دين وليس لعبة سياسية.
لقد قرأت مقاله الأول فإذا هو عبارة
عن اتهام للإسلاميين بالجهل والشذوذ والتعسف في أول المقال وآخره، وما بينهما وجهة
نظر بعض الإسلاميين المؤيدين المشروع الدستور، والذين أسبل عليهم سمة المثقفين، ثم
مآخذ من سماهم بالمعارضين فهو قد نصب نفسه حكمًا بين الطرفين، وحكم لصالح أحدهما
دون الآخر بدون أن يقدم حجة صحيحة أو برهانًا واضحًا على ما يقول.
الغريب في الأمر أن الكاتب -كما جاء
في مقاله الثاني- يعترف بوجود عيوب في مشروع الدستور، وأنه ليس فوق النقد، وبأن
الذين يمثلون الشطر الجنوبي في مباحثات الوحدة ملتزمون بالماركسية اللينينية،
وأنهم لا يكنون ودا للإسلام، يقول وهي حقيقة لا ينكرها أحد، ثم مع ذلك يطالب
بالتعامل معهم بدون توجس؛ حتى يتوصل معهم إلى الحد المشترك الذي يمكن الالتقاء
عنده، وأن ذلك الحد يمكن أن يكون مقبولًا شرعًا وعقلًا.
لا ندري كيف يمكن الالتقاء بين الدين
والإلحاد؟ أو كيف يتعانق الإسلام مع الماركسية؟ في نظرنا لابد أن يتنازل أحدهما
للآخر، ونحن نطالب أن يتنازل الإلحاد والماركسية للإسلام، أما مؤيدو الدستور ومعهم
الكاتب فإنهم يطالبون-للأسف- بالعكس، ونقول لهم: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي
الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ (الرعد:16).
أخيرًا نقول للكاتب- ولا نود أن
نستطرد أكثر من هذا: إن آخر ما قلته في مقالك الثاني حكمة، وأي حكمة أعني قولك:
«فاليمنيون أدرى بشعاب صنعاء وعدن»، أو كما هو أصل المثل: «أهل مكة أدرى بشعابها».
نسأل الله أن يرينا الحق حقًّا
ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابهن وآخر دعوانا أن الحمد
لله رب العالمين.