; في المنتدى الفكري سَيّد قطب المدرَسَة الفكريَّة | مجلة المجتمع

العنوان في المنتدى الفكري سَيّد قطب المدرَسَة الفكريَّة

الكاتب محمد عبد الهادي

تاريخ النشر الثلاثاء 01-سبتمبر-1987

مشاهدات 79

نشر في العدد 832

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 01-سبتمبر-1987

فكر الشهيد سيد قطب كان ولا يزال مدرسة، بل.. واحدة من أبرز المدارس الفكرية والدعوية والثقافية المعاصرة التي خرجت الدعاة... بل المفكرين والسياسيين والكتاب، والخطباء والوعاظ والدعاة.. تتلمذ في هذه المدرسة الألوف.. والألوف في مشارق الأرض ومغاربها.. وما زال تلاميذ الدعوة الإسلامية ودعاتها ومفكروها ينهلون من مدرسة سيد رحمه الله الذي استشهد رافع الجبين في زنزانة طاغية مصر قبل إحدى وعشرين سنة... وبمناسبة ذكراه عقدت المجتمع هذا المنتدىالذي اشترك فيه كل من الإخوة:

1- الأستاذ مصطفى مشهور نائب المرشد العام لجماعةالإخوان المسلمين.

٢- المستشار سالم بهنساوي المفكر الإسلامي المعروف.

3- فضيلة الشيخ جاسم مهلهل الياسين كاتب إسلاميوصاحب عدد من المؤلفات الإسلامية الشهيرة.

لقد اختارت المجتمع هؤلاء الإخوة للحديث عن «سيد قطب... المدرسة الفكرية، وسألتهم»:

هل يمكن اعتبار فكر سيد رحمه الله هذا اليوم.. وفي ظروف الدعوة الحالية منهجًا للدعاة؟

  • فضيلة الشيخ جاسم مهلهل الياسين قال في بداية إجابته:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف خلقه محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

فإن المنصف عندما يريد أن يتحدث عن الأئمة والإعلام والدعاة المخلصين يستحي أن يتكلم في أكثر من حدود الترحم والترضي كما قال الإمام أبو محمد التميمي: «يقبح بكم أن تستفيدوا منا، ثم تذكرونا ولا تترحموا علينا» فهم رجال قد جاهدوا وقعدنا، وصدعوا بالحق وسكتنا، وعافوا الدنيا وحرصنا، ورووا كلماتهم بدمائهم وجبنا، ولذلك لن تكون الإجابة بأكثر من ذكر أقوالهم أو فهم واستنتاج لكتاباتهم..

  • أما المستشار البهنساوي فقد افتتح أجابته قائلًا:

تلقيت أكثر من رسالة عن فكر الشهيد سيد قطب وبخاصة بعد أن كثرت الكتب والمقالات حول هذا الفكر وأكثرها قد بني على مظاهر بعض شباب الصحوة الإسلامية ولا يمكن بالمقاييس العلمية أن ينسب إلى فكر الشهيد، فعلى سبيل المثال:

۱- يقول عبد الله أبو عزة في دراسته المنشورة في الشهاب اللبنانية العدد ٢١ بتاريخ ١٦ صفر ۱۳۹۳ «أن سيد قطب يقرر أن الناس في الأقطار الإسلامية جاهليون خارجون عن الإسلام وإن صلوا وصاموا وحجوا البيت باستثناء أعضاء التنظيم».

2- يقول خليل حيدر في ما نشر في الوطن بتاريخ ۱۲، ۱۳ أغسطس ١٩٨٤ «بلور سيد قطب في كتابه معالم في الطريق إحدى أكثر النظريات عداء للثقافة الإنسانية وهي التي تشكل حاليًّا الأرضية الذاتية للأحزاب الدينية وبالذات الإخوان المسلمون... وهل نحن قادرون على أن نعزل أنفسنا عن ثلاثة أرباع البشرية بحجة بناء الدولة الإسلامية».

3- يقول محمد حسنين هيكل في كتابه خريف الغضب وفي ما نشر في الوطن بتاريخ 85/5/3«أن كتابات سید قطب فيما يتعلق بالإسلام والجاهلية تضع المنهج الذي رسمه ويرتكز على أنه لا يمكن التغيير إلا بالانقضاض على السلطة والقضاء على أئمة الكفر ووضع أئمة الإيمان محلهم، وهذه العملية تقوم بها الصفوة المؤمنة، جيل قرآني جديد مثل جيل الصحابة الأوائل وهي مفروضة فرضًا على كل مسلم حتى تصبح لا إله إلا الله منهج حياة».

ولا نجد عذرًا لأصحاب هذه الأفكار فيما وقعوا فيه من الأركسة العلمية حيث كان بوسعهم الحكم على فكر الشهيد من كتاباته كلها وليس من عبارات يجتزؤها بعض الشباب ثم يتلقفها هؤلاء الباحثون والكتاب.

فإذا كان قد عمي عليهم فضاقت رؤيتهم ولم تصل إلى كتابات الشهيد وكتبه، فقد نشرت كتابات أخرى تتسم بالموضوعية كان يمكن للباحث عن الحقيقة أن يقارن بينها وبين الظنون التي توصل إليها، ومن هذه الكتابات الموضوعية کتاب محمد توفيق بركات والأستاذ سامي جوهر والأستاذ الدكتور يوسف العظم والأستاذ صلاح دحبور.

  • المجتمع: لماذا يُحارب منهج السيد- رحمه الله؟!
  • فضيلة الشيخ جاسم:

إن المتتبع لما يدار في الساحة الدعوية يرى أن هناك طرحًا نشازًا بقصد أو بغير قصد يراد منه صرف الشباب عن كتابات سيد قطب- رحمه الله، وهذا التكالب على صرف الشباب عن هذا المنهج يرجع إلى عدة أسباب من أهمها:

۱- أن منهجه يحدد بوضوح هوية الحركة ومعالم مسيرتها وتعاملها مع غيرها.

٢- أنه يوضح سبيل المؤمنين وطريق المجرمين.

3- يعمل على القضاء على التمييع الفكري ويرسم بوضوح التصور العقدي.

4- فيه تعرية للتخبطات المسيرية في الحركة الدعوية.

5- أنه رحمه الله مثل بشخصه وحركته الواقع العملي لما سطره في الكتب، يثبت أنه مع صعوبة الطريق فإنه لا بد منه، وأنه من الممكن أن تصاغ الشخصية الإسلامية به.

هذه الأسباب وغيرها كثيرة واضحة في منهجه رحمه الله كفيلة بأن تجعل أعداء الحركة يحاربون هذا الفكر ويسخرون كل ما في وسعهم لتشويهه في أعين الشباب، ولكن أني لهم ذلك؟!!

  • شباب الدعوة وكتابات السيد رحمه الله:

المجتمع: هل كان للسجن والتعذيب أثر على ما طرحه سيد- رحمه الله؟

  • الأستاذ مصطفى مشهور

الأستاذ سيد- رحمه الله- لم يمض على انتمائه للإخوان والعمل معهم قبل دخوله السجن أكثر من ثلاثة أعوام تقريبًا، وفي السجن رأى ولمس ما حدث من ظلم وبطش وحرب للإسلام وقتل للدعاة إلى الله وتعذيب غير عادي، فلا شك أن كل ذلك كان له أثر في تفكير الأستاذ سيد وتصوره لأسلوب التغيير، وليس كما يقول البعض: إنه كتب ما كتب في السجن تحت ظل الشعور بالمعاناة، ثم إنه في السجن قرأ بعض كتابات الإمام المودودي- رحمه الله....

المجتمع: كيف يمكن للدعاة أن يتخذوا من فكر الشهيد سيد منهجًا لهم؟

  • المستشار البهنساوي:

إن كتابات سيد قطب يمكن أن تعد منهجًا للدعاة لو فهمت على حقيقتها ومن خلال ما صرح هو به من أن أقواله ليست أحكامًا شرعية؛ من أراد الحكم الشرعي فليرجع إلى كتب الفقه فيقول- رحمه الله «ولا نملك هنا في الظلال أن تبعد في عرض هذه المسألة بكل تفصيلاتها لجلاء هذه الموافقات فهي في حاجة إلى بحث متخصص» ج ۲ ص ١١٥٩. كما يقول أيضًا في مقدمة الظلال «قد يرى فريق من قراء هذه الظلال أنها لون من تفسير القرآن وقد يرى فريق آخر أنها عرض من المبادئ العامة كما جاء بها القرآن، وقد يرى فريق ثالث أنها محاولة لشرح ذلك الدستور الإلهي في الحياة والمجتمع وبيان الحكمة في ذلك الدستور أما أنا فلم أتعمد شيئًا من هذا كله، وما جاوزت أن أسجل خواطري وأنا أحيا في تلك الظلال».

والذي يلفت النظر حقًّا أن المستشرق الفرنسي جيل كيبيل في كتابه النبي وفرعون كان أكثر فهمًا لفكر الشهيد سيد قطب من بعض العرب الذين نقلنا أقوالهم، فقد أوضح المستشرق الفرنسي أن الهدف من كتاب معالم في الطريق قد حدده سيد قطب في قوله «تقف البشرية اليوم على حافة الهاوية بسبب إفلاسها في عالم القيم، ولقد فشلت الأنظمة الفردية والجماعية وجاء دور الإسلام ودور الأمة في أشد الساعات حرجًا وحيرة واضطرابًا».

ففكر الشهيد يركز على بيان دور الإسلام في إنقاذ الإنسانية بما يتطلبه ذلك من إفراد الله بالعبودية حتى لا يعبد الناس بعضهم بعضًا في صورة من الصور وهذا هو مفترق الطريق كما قال الشهيد في مقدمة المعالم.

المجتمع: نرجو إعطاءنا بعض الخطوط العريضة اللازمة كمنهج لشباب الصحوة يساعد على تناول كتابات سيد- رحمه الله:

  • فضيلة الشيخ جاسم:

إن العلم أكثر ما يتشوه عندما يتولاه أناس ليسوا من أهله فيفهمون العبارة بغير مرادها ويحملونها أكثر مما تحتمل ويجعلون ما ليس بلازم لازمًا فتتقلب الموازين وتنعكس النتائج.

وكتابات السيد رحمه الله اعتراها كغيرها من سوء التوجيه وسذاجة التطبيق ما جعل هناك ردود فعل حتى ممن نحسن الظن بهم، وحاكموا كتابات الرجل بشذوذات التطبيق وغفلوا عن عظيم نفعها وحفظها وآلاف الشباب، فكل من نعرف من إخواننا من أصحاب التصور الواضح والمنهج السليم لكتابات السيد نصيب في بنائهم فمنهج الرجل يعتبر فصلًا دراسيًّا في المدرسة السلفية الحركية التي من أركانها في عصر له شبه في عصرنا، شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وتلامذته من بعده ثم في قرننا هذا الإمام حسن البنا رحمه الله فهي مدرسة واحدة يكمل كل واحد منهم صاحبه بما يلائم عصره وعلى هذا الذي ذكرنا وحتى نأمن الشذوذ يجب على الشباب:

1- أن يكون منشودهم الحق وهم يقرأون، والحق ما وافق الكتاب والسنة الصحيحة وإفهام العلماء الأجلاء- رحمهم الله تعالى

2- أن يتولى التدريس فيها والتعليق عليها من له فهم شرعي وواقع حركي كتجربة أخينا الأستاذ الفاضل سالم البهنساوي في أضوائه على كتابالمعالم.

3- أن تدرس كتابات الدكتور صلاح الخالدي من شباب الدعوة لأصالتها وعلميتها لكونها دراسات في الماجستير والدكتوراه في قسم القرآن الكريم في جامعتنا الأصيلة محمد بن سعود، ومشرفه أستاذنا الفاضل الدكتور أحمد فرحات نكمل بهذا الإطار بيان ضرورة مدارسة المكتبة القطبية التي أعدها الدكتور صلاح الخالدي.

4- أن من ظهر له فهم العبارة أو لكتاب لا ينغلق على نفسه ويتشرنق في إطار أفهام قد تكون قاعدتها باطلة فيبطل ما بعدها.

5- أن يحاول الشباب العيش العملي السلوكي مع كتابات السيد فهي رياض خضراء وترويحة للعناء والصراع الذي يعيشه الشباب في معترك الدعوة.

٦- أن يكون لهم الحرص على الأخذ من كتب العلم الأصيلة فهي بفضل الله تعتبر إطارًا أمنيًّا من أي منزلق في الفهم والتطبيق.

المجتمع: هل في منهج سيد رحمه الله تفصيل لأثواب الكفر والإيمان على الناس؟

  • المستشار البهنساوي:

إن منهج الشهيد في فكره هو أن يتولى الدعاة عرض التصور الإسلامي وتقديمه للبشرية لأنه الرصيد الذي لا تملكه البشرية اليوم، لأنه ليس من منتجات الحضارة الغربية والعبقرية الأوروبية شرقية كانت أو غربية وأيضًا إفراد الله بالولاء.

وليس من منهج الشهيد في شيء تفصيل أثواب من الكفر والإيمان وتوزيعها على الناس. ولهذا عندما سئل عن الفرق بين المسلم المنتمي للجماعة وغيره أجاب أن المنتمين للجماعة لهم برنامج محدد في تحقيق الإسلام فيكونون مقدمين في نظري على من ليس له برنامج محدد والتمييز ليس تمييز شخص على شخص، ولكن باعتبار أن الجماعة ذات برنامج وأيضًا في كلامه عن الجاهلية لا يعني تكفير المجتمعات بل يهدف إلى إعطاء الولاء للإسلام، فالذين لم يهاجروا إلى جماعة النبي- صلى الله عليه وسلم- نفى عنهم النصرة فقط مع بقاء رابطة العقيدة فقال: عنهم «ليس بينهم وبين المجتمع ولاية ولكن هناك رابطة العقيدة ...»

المجتمع: كيف فهم الشباب موضوع المفاصلة مع الجاهلية؟

  • الأستاذ مصطفى مشهور:

قضية الحاكمية والجاهلية والمصطلحات الأربعة إلى غير ذلك،والمودودي كان يكتب ويدعو في مجتمع فيه مسلمون ووثنيون فالمفاصلة كانت هناك واضحة، فلما ظهرت بعض هذه الألفاظ والمصطلحات في كتابات الأستاذ سيد وضرورة أن تكون الحاكمية لله وإن في العصر الحديث جاهلية، وموضوع المفاصلة الشعورية للمجتمع إلى غير ذلك فهم بعض الشباب هذه الأمور فهمًا خاطئًا ورتبوا عليه أحكامًا لا يحتملها كلام الأستاذ سيد وظهر بين بعض هذا الشباب وهم داخل السجون فكر التكفير وإن مجتمعاتنا جاهلية إلى غير ذلك من أفكار غير سليمة وتصدينا لهم وأوضحنا بطلان هذا الفكر وهذا التوجه وكان للإمام حسن الهضيبي رحمه الله جهد طيب في ذلك البحث الذي كتب داخل السجن وظهر فيما بعد في كتاب «دعاة لا قضاة» ولما خرجنا من السجون تحرك بعض من بقي من أصحاب هذه الأفكار وجمعوا حولهم بعض الشباب ونسبوا هذا كله إلى الأستاذ سيد رحمه الله، حقيقة في كتاباته ما يمكن أن يؤولها من يريد لصالح هذا الاتجاه الذي يدعو إلى مفاصلة هذه المجتمعات والحكم عليها بالجاهلية ولكن من عنده أصول شرعية سليمة لا ينساق وراء مثل هذه الأفكار، وهذا ما يفسر بقاء الإخوان الذين تشربوا الدعوة والتزموا بالأصول الشرعية في الحكم على الناس وبين بعض الشباب الذين تأثروا بهذه المعاني وتحركوا بها وبدا نتيجة ذلك بعض المغايرة في منهاج السير والله أعلم.

المجتمع: وماذا عن موقف سيد من ثقافة الحضارة الحديثة ومسألة العزلة؟

  • المستشار البهنساوي:

والعداء للثقافة الذي ينسب إليه هو من الافتراءات الواضحة فهو يقول عن الحضارات «لا بد من قيادة تملك إبقاء وتنمية الحضارة المادية التي وصلت إليها البشرية» ويقول عن القصور الإسلامي للثقافة «أن العقلية الإسلامية عقلية غيبية علمية، لأن الغيبية هي العلمية لشهادة العلم والواقع.. أما التفكر للغيب فهو الجاهلية التي يتعالم أصحابها» ص ٦٤ و٢٥٥ من كتاب أضواء على معالم في الطريق.

ولكن الفكر الماركسي الذي يدين به بعض الكتاب من الإعراب أسقط في أيديهم أن يهدم مقولتهم بأن الأمور الغيبية ليست علمية أما العزلة التي قيل: إنه يدعو إليها لتعتزل المجتمعات التي نعيش فيها، مقولة عنها هو «كانت هناك عزلة شعورية كاملة بين ماضي المسلم في جاهليته وحاضره في إسلامه، تنشأ عنها عزلة كاملة في صلاته بالمجتمع الجاهلي من حوله وروابطه الاجتماعية» ص ٦٥ وتفسير ذلك هو قوله «كان هناك انخلاع من البيئة الجاهلية.. ينشأ عنه انخلاع من عقيدة الشرك إلى عقيدة التوحيد...» وهذه العزلة لا يعني ما يردده هؤلاء أو غيرهم ممن يظنون أنهم حملة فكره فلا تعني مقاطعة مؤسسات المجتمع ومراكز التوجيه فيه كالصحافة والبرلمان وغير ذلك وفي هذا يقول «لقد اتفقنا على مبدأ عدم استخدام القوة لقلب نظام الحكم وفرض النظام الإسلامي من أعلى نقطة البدء هي نقل المجتمعات ذاتها إلى المفهومات الإسلامية الصحيحة وتكوين قاعدة إن لم تشمل المجتمع كله فعلى الأقل تشمل عناصر وقطاعات تملك التوجيه والتأثير في اتجاه المجتمع كله إلى الرغبة والعمل في إقامة النظام الإسلامي.. » ص 44

لما كان ذلك: فإن فكر الشهيد سيد يدعو إلى تجميع المسلمين في مواجهة التجمع الجاهلي تنفيذًا للمنهج القرآني ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ (التوبة:71) ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ ۚ (التوبة:67) ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ (الأنفال:73). وبهذا الشمول لا يدخل الدعاة في تفصيلات تؤدي إلى الخلاف ولا يتبنون أحكامًا فقهية يمكن أن تؤدي إلى الفرقة والنزاع ورحم الله الإمام حسن البنا الذي كرس هذا الهدف ودعا إلى أن نتعاون جميعًا فيما اتفقنا عليه وأن يعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه.

المجتمع: هل هناك علاقة بين ما طرحه سيد رحمه الله بما طرحه الإمام الشهيد في كتاباته؟ وماذا عن حقيقة منهج ما طرحه سید رحمه الله؟

  • فضيلة الشيخ جاسم:
  • سید قطب امتداد وليسنشازًا:

من الغريب أن يكون هناك تساؤل من العاملين في حقل الدعوة حول منهج سيد قطب، أيُطرح للشباب أم لا ويأتي هذا الاستغراب من کون کتب سید رحمه الله لم يعد يحدها حد أو تمنعها عوائق أو تحجبها سدود، فهي كالسحابة الممطرة والنهر الجاري نفعها عام، كما أنها تحمل معاني لصياغة الرجال والقادة في العمل الإسلامي، والأهم من هذا وذاك أنها تعتبر تعاملًا حركيًّا واقعيًّا مع القرآن الكريم الذي يعتبر المعين الصافي لكل مسلم في كل مكان، فإننا لا نکاد نری بیتًا إسلاميًّا تخلو مكتبته من الظلال ولا نکاد نری رجلًا مسلمًا أو امرأة مسلمة إلا وله في الظلال قراءات ولا نكاد نجد خطيبًا أو معلمًا أو واعظًا أو محاضرًا أو كاتبًا إلا ويعود إلى الظلال في إعداد مادته هذا على وجه العموم أما على وجه الخصوص فكتابات السيد تعتبر الامتداد الطبيعي والتأصيلي لكتابات الإمام حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين وهذا هو الذي قرره الإخوان حين رفع الحظر عن جماعة الإخوان وعادوا إلى نشاطهم العلني فانتخبوا أعضاء مكتب الإرشاد كان السيد رحمه الله منهم وزيادة في تأكيد دوره التوجيهي تم اختياره رئيسًا لقسم نشر الدعوة في المكتب فإن كان الإمام البنا رحمه الله أيقظ الأمة من نومها، وحركها من سكونها فإن السيد رحمه الله رسم معالم طريقها، وهكذا القيادات الإسلامية يكمل بعضها بعضًا.

  • منهج للسيد بين الأصالة والظرفية:

في لحظات الضعف البشري في أخذ الأصح والأصوب وإن كان مكلفًا نرى من يقول: إن ما ينادي به السيد رحمه الله من قضايا منهجية في العمل الإسلامي إنما هي ردود فعل لمأساة السجن التي عاشها فكانت هذه التشنجات والأطروحات المتشددة!! إلى غير ذلك مما يحاوله المنهزمون من العاملين في الحقل الإسلامي في سبيل تدجين الفكر الإسلامي وهم بذلك من حيث يشعرون أو لا يشعرون يدفعون بالمتحمسين من الشباب إلى هاوية التطرف كردة فعل للموقف المتطرف من الجهة الأخرى، والذي يعرف الرجل ويحسن التعامل مع كتبه رحمه الله يعرف يقينًا أنه صاحب مبدأ أصيل ورجل مبدأ من صغره لا تغيره الظروف والأحوال فهو يعرف أن ما يحمله دينًا لا مجال للعبث والمجاملة والمناصفة فيه، وذلك تعرفه من خلال أمور عدة منها:

1- تكوينه الشخصي الذي يمنع أن تكون شخصيته حاقدة ناقمة على المجتمع حيث يصف نفسه- رحمه الله «ونفسي خيرة محبة، يغمر الحنان جوانبها تريد- لو استطاعت- أن تبتسم لكل شيء، وأن يبسم لها كل شيء وهي تعشق الرضا والهدوء وتتلمسها في كل ناحية».

2- الميزات الفطرية التي جبل عليها:

ما من شك أن التكوين الشخصي للإنسان له أثر كبير على مكتسباته القيادية- العلمية والاجتماعية منها- وبهذا قال النبي- صلى الله عليه وسلم: «خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا»[1] ومن ذكرنا لبعض هذه الميزات سنعرف حقيقة منهجه.

أ- الصدق:غرست هذه السمة فيه منذ الصغر، وبقيت ملازمة له طيلة حياته، فكان رحمه الله صادقًا في اتجاهه إلى الله ففتح الله له المغاليق وأنار له معالم الطريق.

ب- الجدية: فهو جاد منذ صغره لا مجال في حياته للهو أو لعب أو ترخص.

ج- الحركية: وهذا التكوين إعطاء المفتاح ليتعامل مع القرآن الكريم فتكون الظلال التي نتروح بها.

د- العزة الإيمانية: وهي التي دعت طه حسين أن يقول عنه حين قدمه محاضرًا:

«إن في سيد قطب خصلتين- المثالية والعناد»

وهذا العناد في الحق هو الذي أوجد عنده الشخصية المتميزة بالاستعلاء الإيماني، يذكر الدكتور صلاح أن أستاذًا كانت له بسيد قطب صلة وثيقة قال متحدثًا عن نزاهته: «اتصل بي سيد قطب تليفونيًّا ذات يوم وطلب مني أن آتي إلى منزله سريعًا، ورجاني- باستحياء- أن أحضر معي بضعة عشر جنيهًا لأنه مريض ولا يملك ثمن الدواء! قال: فذهبت إلى منزله مسرعًا ورأيت هناك مشهدًا عجيبًا! وأقسم لقد دهشت مما رأيت! كان مع سيد قطب في الغرفة سفير دولة عربية بترولية وأمامه حقيبة مليئة بالأوراق المالية من مختلف الفئات، تبلغ عدة آلاف وهو يرجو سيد قطب بحرارة أن يأخذها فهي هدية من دولته له لأنها تعرف منزلته ومسؤوليته وتريده أن يستعين بها على أعباء حياته، ويمول بها مشروعاته الأدبية والفكرية.. ويتابع هذا الأستاذ الفاضل حديثه قائلًا: ونظرت إلى سيد قطب فإذا به حزین مكتئب.. ثم رد هدية السفير بحزم. وبدأ الغضب عليه وهو يخاطبه: «لا أبيع نفسي وفكري وعقيدتي بأموال الدنيا كلها فأعد أموالك إلى حقيبتك»! ثم التفت سيد قطب إلى وقال: هل أحضرت ما طلبته منك؟ فناولته المبلغ ففرح به كثيرًا!! ولما عرف السفير قصة المبلغ خرج محتارًا متعجبًا مما يرى وقال: إن كثيرًا من قادة الرأي والفكر والأدب يأخذون من دولتي هدايا مالية باستمرار. ولكن سيد قطب طراز وحده»[2] فكانت عباراته بعد ذلك منهجًا تربويًّا في البناء القيادي وذلك حين قال: «إن حکمت بحق فأنا أرضى بحكم الحق، وإن حكمت بباطل فأنا أكبر من أنأسترحم الباطل».

«إن أصبع السبابة الذي يدين لله بالوحدانية في الصلاة ليرفض أن يكتب حرفًا يقر به حكم طاغية».

ه- حبه وتعلقه بالقرآن:

إن من يعرف سيدًا يعرف أنه رجل قرآني في تصوره وفكره، وفي خواطره ونظراته وفي بحوثه ودراساته فاستطاع معرفة الأغراض العملية للقرآن، وتمكن من الوقوف على مقاصده الأساسية، ولذلك نراه يجعل تحقيق أغراض القرآن في الواقع من أهداف الظلال فيقول: «إن من يتدبر القرآن بقلب يقظ خاشع فإنه يجده توجيهات حية تتنزل اليوم لتعالج مسائل اليوم ولتنير الطريق إلى المستقبل ويرى أن المنهج القرآني يتكئ كثيرًا جدًّا على مبدأ الحاكمية.. ويقرر أن السمة المهمة في هذا الدين «هي الواقعية الحركية»، فهي مفتاح التعامل مع القرآن فلا بد من معرفة الأحوال والملابسات والظروف والحاجات والمقتضيات الواقعية العملية التي صاحبت نزول النص القرآني لذلك يقول رحمه الله «والذين يحملون دعوة الإسلام اليوم وغدًا خليقون أن يتلقوا هذه التقريرات وتلك الإشارات وكأنهم يخاطبون بها اللحظة، ليقرروا على ضوئها مواقفهم من شتى طوائف الناس، ومن شتى المذاهب والمعتقدات والآراء ومن شتى الأوضاع والأنظمة وشتى القيم والموازين».

  • كتابا السيد مدرسة قرآنية:

أقبل سيد- رحمه الله- على القرآن يستنطقه عن كل ما يحدث حوله وعنده يقين أنه سيجد الجواب على تساؤلاته الكثيرة وبتوفيق من الله حصل له ذلك فعرف أنه لا بد من المعركة بين الإسلام والجاهلية وما يتبع ذلك من مفاصلة بين الحركة الإسلامية والجاهليين، مع حتمية الإقبال على القرآن الكريم لإنشاء الشخصية القرآنية المتكاملة العارفة لمعالم مسيرتها، المؤكدة على ضرورة إرساء قواعد التصور العقدي السليم في عملية الدعوة والبيان.

خاتمة

ويختتم فضيلة الشيخ جاسم مهلهل هذا المنتدى بقوله:

وفي الختام أسأل الله أن يعين الموجهين والمربين في الحركة الإسلامية في عملهم وجهادهم ويوفقهم لأن يحسنوا توجيه الشباب في إطار العقيدة الصحيحة والضوابط الشرعية السليمة وأن ييسر لمجلتنا المجتمع الأقلام الأصيلة لتساهم في ترشيد الحركة الإسلامية فيكون لها وللعاملين بها أجرهم لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا.

والحمد لله رب العالمين

المجتمع: نشكر الإخوة المشتركين في هذا المنتدى على إجاباتهم وندعو الله أن يوفق شباب الصحوة إلى ما يحبه ويرضاه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

______________
الهوامش

[1] - البخاري الفتح رقم ٢٣٥٣

[2] - الدكتور صلاح الخالدي/ الشهيد الحي ص 184

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 10

222

الثلاثاء 19-مايو-1970

مع القراء - العدد 10

نشر في العدد 53

125

الثلاثاء 30-مارس-1971

من هَدي النُبوة

نشر في العدد 11

213

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية