العنوان في المنتدى الفكري- الشباب يتحدثون ثانية عن الأولويات
الكاتب محمد عبد الهادي
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أغسطس-1987
مشاهدات 72
نشر في العدد 831
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 25-أغسطس-1987
العقيدة لا تعني نظريات أو فلسفات تطرح في قوالب نظرية جامدة تجفف الروح وتميت القلب.
الشخصية الإسلامية المتزنة هي الوسيلة التي تحقق الحركة الإسلامية بها أهدافها.
عدد كبير من الرسائل تطالبنا بالمزيد من أخذ رأي الشباب الداعي إلى الله بموضوع أولويات العمل الدعوي الإسلامي في الوقت الحاضر، واستجابة لرغبة قرائنا دعت المجتمع خمسة من الإخوة الشباب للإدلاء برأيهم في هذا الموضوع حيث شارك فيه كل من الإخوة:
۱- عبد الرزاق شمس الدين... «صحفي».
۲- فوزي القصار... رئيس تحرير مجلة الاتحاد، ورئيس الهيئة الإدارية لاتحاد طلبة الكويت سابقًا.
٣ - محمد عبد الرحمن... باحث إسلامي.
٤- محمود صالح... كاتب
٥- عبد الله عبد الكريم... مهندس
هذا وقد طرح الإخوة المشتركون في هذا المنتدى آراءهم وفق ما يلي:
- عبد الرزاق شمس الدين:
أولويات العمل الإسلامي لا تحدد بكلمات تسطر على الأوراق، بل تفرضها عدة جوانب كل منها لازمة للأخرى وتكمل بعضها بعضا ولا تستطيع أي حركة أن تنجح في مهمتها وأهدافها إن لم تأخذ بهذه الجوانب ويمكن تلخيص أهم أولويات العمل الإسلامي بالآتي:
- أهم الأولويات:
١- أن تكون الأهداف واضحة المعالم...
وأن يراعى فيها عنصر الزمان والمكان... ومراعاة الظروف المحيطة بكل قطر هو الذي يحدد أولويات العمل الإسلامي في كل قطر على حده... صحيح أن هناك أهدافًا وقواسم مشتركة لكل جماعة في كل قطر... ولكن الأولويات تختلف تبعًا لظرف طبيعة المكان والزمان.
۲- الشمولية في الأهداف... وعدم الاقتصار والتركيز على جانب معين واحد... فلا يطفئ الجانب التربوي على السياسي ولا السياسي على الفكري والثقافي... ولا الفكري على الاقتصادي... ولا الاقتصادي على الاجتماعي... ولعل الإمام البنا- رحمه الله- كان يرى تلك النظرة الثاقبة عندما أوضح ذلك بقوله:
«الإسلام: نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعًا، فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء، وهو مادة وثروة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء»
۳- للتربية دور أولي وأساسي: في عملية بناء الفرد المسلم في كل قطر ولكن!! ذلك لا يعني أيضًا أن يكون منهج الحركة في التربية ثابتًا لا يتغير... بل يجب أن يكون منهجًا تربويًا مرنًا متحركًا وفقًا لحاجة الظرف والقطر والمرحلة التي تمر بها الحركة في كل بلد... وعصرنا عصر السرعة وعصر الحداثة والاختراع... ففي كل يوم تخرج كثير من النظريات الجديدة... ولا يعني ذلك هدم ما قام بتأصيله الأساتذة الشيوخ الأفاضل الأوائل... كلا!! فما قدمه شيوخنا الأفاضل هو أساس هذه الدعوة.
٤- الاهتمام بالقضايا اليومية للناس: فهذه القضايا هي معاناة ذاتية، وإذا استغلها العاملون في الحركة جيدا لوضعوا حلولا إسلامية لها وكسبوا أنصارا كثيرين لصف الحركة... لذا؛ نجد أن الثورة البلشفية في روسيا لم تقم إلا على أكتاف العمال والكادحين الذين كانوا يمثلون الغالبية العظمى من مجموع الشعب.
- الشورى وحرية الرأي: يقول الأستاذ الفاضل مصطفى مشهور في ندوة أولويات العمل المنشورة في أحد أعداد «المجتمع» إن أسباب التطرف عدم إتاحة الفرصة للشباب للاحتكاك بأصحاب التجربة والخبرة... والذي يقرأ وينظر إلى سيرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- يجده دائما يستشير أصحابه رضوان الله عليهم في كل صغيرة وكبيرة... لذا؛ قام بتحقيق هذا الأمر تلبية لنداء ر به «وشاورهم في الأمر».
٦- ولعل من أولويات العمل الإسلامي هو توحيد الصف في الحركة الإسلامية: كذلك لا بد من التنسيق بين قيادات العمل الإسلامي في العالم كله كأن يكون هناك دراسة دورية أو فصلية لبحث عوائق الحركة واحتياجات المرحلة.
- محمد عبد الرحمن:
موضوع «أولويات العمل الإسلامي» من المواضيع الهامة والتي ينبغي أن تشبع بحثا ودراسة، وأن توضع فيها النقاط على الحروف، فشباب «الصحوة الإسلامية» في أمس الحاجة إلى وضوح الرؤيا... والمفاهيم وإلا فإن غبشًا في التصور، وضبابية في الرؤيا ستسود... وسيكون لذلك آثار سلبية على جيل الصحوة... وموضوع الأولويات يكاد يكون محورا لوجهات النظر بين بعض الحركات الإسلامية المعاصرة... فجماعة ترى أن الأولوية ينبغي أن تكون لـ «التربية» وجماعة ترى أن الأولوية لـ «التوعية السياسة» وأخرى ترى ضرورة تنقية المجتمع من الخرافات والبدع والمحدثات، وترسيخ العقيدة الصحيحة... لذا؛ نشأت تيارات فكرية متعددة، وأصبح الشباب يتساءلون: أين الصواب؟ لا سيما وإن كل جماعة تستل النصوص الشرعية التي تدعم رأيها!... ومع أن الاختلاف أمر حتمي لاختلاف مدارك البشر وعقولهم، إلا أن جميع الجماعات العاملة للإسلام مطالبة بتحديد واضح لمجموعة من المصطلحات والمفاهيم السائدة في الساحة الإسلامية المعاصرة.
- مفاهيم «التربية»
فالاتجاهات التي ترى أن الأولوية لـ «التربية» مطالبة بتحديد مفهوم ومعنى التربية... فهل يعني ذلك أن تنعزل عن واقعها، وتعيش في صوامعها بعيدًا عن حركة الحياة ومجريات الأحداث؟! وهل التربية ستتوقف عند مدة زمنية محددة؟!... إن الإنسان منذ أن يولد إلى أن يوافيه أجله يبقى يتعلم ويتربى... ووسائل التربية لا تقتصر على أسلوب واحد، بل إن أساليبها كثيرة وعديدة... لذا؛ فإن التربية تبقى ما بقيت الحركة الإسلامية تعمل لإقامة شرع الله... ويخطئ من يظن أن التربية مرحلة زمنية تنتهي، ويتم الانتقال بعدها إلى مرحلة أخرى.
- تربية شمولية
وقد يترتب على ما قلناه سؤال طبيعي... هل تتم التربية بالتدريج والمرحلية أم تكون التربية شمولية؟! في تصوري إن المتفحص بتمعن ودقة لتاريخ الدعوة الإسلامية الأولى، سيرى أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أنشأ جيلًا متكاملًا من الصحابة يفهم الإسلام فهما شاملًا، وكانت شخصيته- صلى الله عليه وسلم- النموذج المثالي للشخصية المسلمة المتكاملة، فكان قائدًا وإمامًا ومربيًا وعسكريًا... من هنا، فإن الحركة الإسلامية ينبغي عليها أن تربي أفرادها في جميع الاتجاهات والدوائر والخطوط، على أن تصنف الأهم والمهم، والأصول الفروع، والكليات والجزئيات، حتى يكون الشباب على وعي وإدراك كاملين لما ينبغي إعطاءه الأولوية والأهمية…
- المؤسسات والمنابر
ولا يعقل أن تفرط الحركة الإسلامية بالمؤسسات والمنابر التي يتاح لها من خلالها أن تعبر عن آرائها وطروحاتها تحت حجج ومبررات واهية... صحيح أن استغلال تلك المؤسسات والمنابر ينبغي أن يكون مدروسا بعناية، ولكن لا يعني ذلك التفريط بالوسائل المتاحة، خاصة في ظل القيود المفروضة على الحركة الإسلامية، والتي تشل حركتها ونشاطها إلى حد كبير في بعض بلدان العالم الإسلامي.
- مفهوم العقيدة
ومن المصطلحات السائدة في الساحة الإسلامية المعاصرة، مصطلح «العقيدة» ولا خلاف على أن العقيدة هي حجر الأساس بالنسبة للمسلم، ولكن «العقيدة» لا تعني نظريات أو فلسفات تطرح في قوالب نظرية جامدة تجفف الروح وتميت القلب!... بل العقيدة تعني أن يفهم المسلم أركان الإيمان ونواقضه كما يفهم أركان الصلاة ونواقضها أو أركان الوضوء ونواقضه... ويفهم ذلك بصورة مبسطة. وإما أن تخصص الحركة الإسلامية جل أنشطتها وبرامجها لدروس وبرامج نظرية في أصول العقيدة وجزئياتها ردحا من الزمن، تحت شعار: «العقيدة أولًا» فأظن ذلك مجانيا لفهم طبيعة الطريق والأولويات... وعلى أية حال، أظن أن هذه المفاهيم السائدة تحتاج إلى مزيد من التوضيح وإزالة الغبش من حولها، خاصة وأن المساحة المتاحة لا تتسع لأكثر من ذلك.
- عبد الله عبد الكريم:
الحركة الإسلامية تواجه تحديات مستمرة في تاريخها المعاصر وفي مستقبل الأيام يجدر بها أن تتهيأ لها وتتصدى لمسؤولياتها بشجاعة وحكمة. فرغم اتساع رقعة الصحوة بشريًا وجغرافيًا وعمقها تاريخيًا وثقافيًا فلا زالت بحاجة إلى ترشيد وترتيب لأولويات العمل الإسلامي وإلى مواجهة التحديات الداخلية والخارجية على السواء أن كانت قطرية أو إقليمية أو دولية...
- فعلي الصعيد الداخلي:
تحتاج الحركة الإسلامية إلى تشخيص مواطن قوتها وإمكاناتها البشرية والمادية، لتنهض بهذه الإمكانيات من حيث الكم والنوع... إذ إن كثيرًا من هذه الحركات يتحرك دون معرفة طبيعة حجمه وقوته الحقيقية مما يؤدي به في النهاية إلى معارك سابقة لأوانها تكون نتيجتها الخسارة والبداية من جديد.
كما تحتاج الحركة الإسلامية إلى الاستنارة برأي الشباب والتجديد المستمر لدماء الفكر والقيادة وحسبنا اختيار الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأسامة بن زيد وهو لم يزل يافعا لقيادة جيش مهيب في معركة مهمة... ألم يكن عماد دعوة الإسلام هم الشباب؟ أن فكر الشباب يعني الحيوية والحركة بالضبط كما تعني قيادة الشيوخ الحكمة والعقل.
كما أن الحركة الإسلامية بأجنحتها المختلفة تفتقر في واقعها الحالي إلى تنسيق فعلي وواقعي فيما بينها. فرغم اشتراكها في الأسس «القرآن والسنة» والأهداف إعادة مجد الإسلام فإنها لم تستطع في أغلب الأحيان تحقيق حد أدنى من التعاون والتنسيق وأعتقد أن جماعة الإخوان المسلمين تلح في دعوة الحركات الأخرى للتعاون... ولعل افتقاد الحركة الإسلامية لجمع الشمل وتوحيد الصفوف ولضرب المثل الأكمل للقدوة الحسنة وامتلاك صفات القيادة «طالوت- زاده بسطة في العلم والجسم»، لا زال يؤثر على الصف الإسلامي سلبًا. وبعد ذلك فإن الحركة الإسلامية بحاجة إلى ترتيب أولوياتها في العمل ككل، وتحديد أهمية كل هدف من أهدافها وحاجتها إليه على مدى كل مرحلة من مراحلها الدعوية والحركية واحتياجاتها البشرية والمادية لتحقيق كل هدف والانتقال من مرحلة إلى أخرى. إن الحركة تحتاج إلى إتقان فنون الإدارة.
وعلي الصعيد الخارجي:
نرى أن الحركة الإسلامية تواجه الكثير من التحديات التاريخية المتمثلة في الواقع الإسلامي السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وكلها مؤلمة وتنذر في كثير من البلاد بأحداث جسام لكن التحرك الكلي ومحصلة التوجه الفعلي للحركة الإسلامية يبدو وكأنه أمام تحديات تشغله عن هذه الأحداث ومجريات الأمور، مما يؤدي في النهاية إلى عجز الحركة الإسلامية عن متابعة الشارع الإسلامي واحتياجاته، وبالتالي تأخرها عن استيعابه أو كسب تأييدها وتعاطفه على أقل تقدير.
كما أن بعض الأجنحة الفكرية للحركة الإسلامية لا زال عاجزا على الصعيد القطري والدولي عن تحديد أصدقائه وأعدائه، فيناصب العداء لرفاق الركب معتبرًا إياهم منافسين لا أصدقاء يمكن التفاهم معهم، وهذا ما يمكن ملاحظته لدى مراقبة عمل الاتجاهات المتنوعة كجماعات التبليغ وحزب التحرير والصوفيين ثم الإخوان والسلفيين.
نعم... لا بد من فهم قضايا عالمنا الإسلامي الذي يهدده الجهل والفقر والمرض، ويهدده الاستعمار الفكري والاقتصادي ولا بد من التعاون بين الإخوة في ذلك جميعًا... لا بد من فهم آلام وآمال شعوبنا قبل عرض آلامنا وآمالنا نحن... وهذا كله غيض من فيض والله المستعان.
- محمود صالح
أعتقد أن وضع التصورات المستقبلية للعمل الإسلامي المعاصر كفيل بتشخيص أولويات العمل الإسلامي، وهل هي «تربوية» أم «سياسية» أم «جهادية» أم «دعوية إعلامية»... وذلك أن التصورات عندما تتضح أمام القائمين على العمل الإسلامي والمشاركين فيه، فإنها تؤدي إلى الاهتمام بجوانب العمل سواء كانت «تربوية، سياسية أم دعوية» والتي تتطلبها مثل هذه التصورات كل حسب أهميتها وحجمها بالنسبة للعمل الإسلامي، ولعل السبب وراء طغيان أحد هذه الجوانب على جانب آخر هو عدم وضوح الرؤية الدقيقة للعمل الإسلامي، وكذلك غياب التصورات المستقبلية السليمة، وهذا بالتالي ينعكس على الفرد في العمل الإسلامي وعلى العمل نفسه إذ إن الحماس عند الفرد يكون على أشده في السنوات الأولى حيث يكون الدور المطلوب منه القيام به واضحًا تمامًا.
القضايا الرئيسية
والقضية الفلسطينية إحدى القضايا الرئيسة للعمل الإسلامي التي افتقدت للتصور الإسلامي المستقبلي الواضح، رغم الاهتمام البالغ للإسلاميين بهذه القضية وإبراز أهميتها وفضلها وبركتها ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ (الإسراء: 1) وتكاد النظرة لهذه القضية تقتصر على خطين اثنين: إسلامية هذه القضية والجهاد يكون طريقا للتحرير، ولكن كيف يتم هذا؟ وأين؟ ومتى؟ كل هذه الأسئلة لا تستطيع أن تجد لها إجابات واضحة اللهم سوى وجهات النظر الفردية... ناهيك عن الاختلاف البين في وجهات النظر والتصريحات الصحفية المتعلقة بهذه القضية الإسلامية التي تعتبر محور الصراع بين أهل الحق وقوى الصراع الدولية الأخرى، وتستقطب اهتمام جميع الملل والنحل.
التصورات المحلية والعالمية:
إذن المطلوب وضع تصورات مستقبلية للعمل الإسلامي وبالذات القضايا الإسلامية الأساسية، على المستوى العالمي بالإضافة للقضايا المحلية والداخلية بكل قطر من الأقطار، وبهذا تتلاحم كافة فروع العمل الإسلامي في العالم قلبًا وقالبًا، وترمي أعداءها بقوس واحدة، ويصفو العمل الإسلامي من الآراء والاجتهادات الفردية الشاذة عن المفاهيم الأساسية للعمل الإسلامي، ويؤتي العمل ثمارًا أفضل وأطيب فوضوح الرؤية يؤدي إلى سلامة السير وجودة الأداء، والعصر الذي نعيش فيه والمسؤوليات التي أمام العمل الإسلامي تتطلب الإسراع في وضع هذه التصورات وتقنينها.
فوزي القصار:
بتصوري أن أولى الأولويات التي يجب على الحركة الإسلامية أن تسعى إلى تحقيقها هي:
- إيجاد الشخصية الإسلامية المتزنة القادرة على العيش في واقع مجتمعها والتأثير فيه. فالشخصية الإسلامية المتزنة هي الوسيلة التي تحقق الحركة الإسلامية بها أهدافها وترسم استراتيجياتها في العمل وبتصوري أن الحركة الإسلامية لن تستطيع التأثير في واقع مجتمعاتها إلا إذا ربت أفرادًا تكاملت شخصياتهم من كافة الجوانب «الروحية والفكرية والجسمية» وشواهد ذلك في التاريخ أكبر من أن يسعها هذا المقام وخير مثال على ذلك هم جيل الصحابة رضوان الله عليهم، الذين رباهم رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وضرب بهم أروع الأمثلة للتاريخ.
إذًا فالشخصية الإسلامية المتزنة هي القناة التي من خلالها توصل الحركة الإسلامية أفكارها ومبادئها وقيمها للمجتمع. فمتى ما كانت هذه القناة سليمة في استقبالها وإرسالها، وقادرة على دقة الالتقاط وغير قابلة للتأثر بالموجات الأخرى، فإننا نستطيع أن نطمئن على مسيرة العمل الإسلامي ومستقبل الحركة الإسلامية في مجتمعاتها والعكس صحيح في ذلك.
وقضية التكامل في شخصية الداعية المسلم اليوم أمر مهم للغاية في مجتمعاتنا لأن المجتمع ينظر إلى هذا النوع من الشخصية نظرة القدوة والرفعة، وبالتالي فإن أي زلة أو هفوة هي محسوبة من قبل المجتمع والعجيب في هذا الأمر أن المجتمع لا يأبه بما آلت وتؤول إليه سلوكيات الشخصيات الفكرية الأخرى المناهضة للشخصية الإسلامية، إلا أنه شديد المحاسبة لزلة الشخصية الإسلامية. ولعل في ذلك خيرًا. إلا أنه في نفس الوقت في هذه النظرة تشديد. فهو خير لأن المجتمع لا يرضى لهذه الشخصية إلا كل ما هو جيد. وأما التشديد فهو يكمن بأن الشخصية الإسلامية أيًا كانت الخصال التي تتميز بها إلا أنها ما زالت ضمن نطاق البشر الذين يعتريهم النقص ويتأثرون ويؤثرون بما يدور حولهم.
- القضية الثانية من الأولويات في الحركة الإسلامية هي التقريب بين وجهات نظر الجماعات الإسلامية فالعمل الإسلامي اليوم بحاجة إلى التقريب، والجماعات الإسلامية اليوم أحوج ما تكون إلى التنسيق فيما بينها...
وبتصوري أنه ليس في تعدد الجماعات الإسلامية نقص أو مذمة، خصوصًا إذا كانت تلك الجماعات ترقى في أسلوب تعاملها مع بعضها البعض إلى مستوى رفيع الأمر الذي يقوي رابطتها ويؤصل عملها في المجتمع ويعينها على تحقيق أهدافها السامية... كما أن إدراك الجماعات الإسلامية بأنها مستهدفة جميعا من خصومها سواء كانوا في الداخل أو الخارج وان المسألة بالنسبة للخصم ما هي إلا اختلاف في ترتيب فيمن يبدأ ويهاجم أمر يجب أن يدعوها إلى التكاتف والتعاون والتنسيق لتحقيق مقولة الإمام حسن البنا رحمة الله عليه الذي أدرك حتمية الخلاف بين الناس حين قال: «لنتعاون فيما اتفقنا عليه وليعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه».
إذا فالخلاف سنة الله في خلقه، إلا أنه يجب ألا يعيق أبناء الحركة الإسلامية في تعاملهم مع بعضهم البعض فالهدف والغاية متفقان، وقلما توجد جماعات تتوحد في الهدف والغاية.
- القضية الثالثة والتي أرى أنها من الأولويات التي يجب أن تراعيها الحركة الإسلامية:
السعي إلى إيجاد البديل في كل شيء، فمبدأ الاكتفاء بنقد الواقع والدعوة إلى مقاطعته أمر لا يكفي، ولا يؤتى الثمار المرجوة منه كما أنه إن كان مقبولًا في بدايات عمل الحركة الإسلامية إلا أنه اليوم باعتقادي غير مقبول في حقها. ولكي أقرب من فهم القارئ لما أعنيه بالضبط اضرب هذا المثال: وهو قلة إسهام الحركة الإسلامية في الجوانب الإعلامية، على الرغم من إدراكنا وإيماننا كإسلاميين بأهمية هذا الجانب وخطورته وفاعليته على العمل الإسلامي فخصومنا اليوم يحاربوننا بهذا السلاح، فلقد جندوا إمكانياتهم وقدراتهم كي ينشروا مبادئهم وأفكارهم وقيمهم الهدامة في مجتمعاتنا متخذين من وسائل الإعلام المختلفة قنطرة لمآربهم الباطلة حتى أصبح غزوهم الإعلامي لنا من أهم المشكلات التي تعاني منها مجتمعاتنا وعليه فقد آن الأوان أن تجند الحركة الإسلامية طاقاتها لتقدم لمجتمعاتها الكاتب المسلم والمخرج السينمائي المسلم... والمسرح المسلم... وما ذلك على الله بعزيز...
والحمد لله رب العالمين.