الثلاثاء 18-نوفمبر-1975
في الملتقى التاسع للفكر الإسلامي في الجزائر
بين فيلسوفين
كانت مصادفة بحتة حين وجدت نفسي في مطار القاهرة أجلس بين فيلسوفين اختلفت مشاربهما يتجهان معي إلى غاية واحدة.. هي -تلمسان-... المدينة الجزائرية التاريخية التي كانت عاصمة الزيانيين.. إحدى أكبر الدول الإسلامية في المغرب العربي الشقيق.
أما أول الفيلسوفين فهو الأستاذ الدكتور «عثمان أمين» صاحب نظرية «الجوانية والبرانية»..
وأما ثانيهما فهو الأستاذ الدكتور «زكي نجيب محمود» داعية «الوضعية الكونتية» في العالم العربي!!
-وبالطبع كان شيئا يشبه الامتحان -بالنسبة لشاب مسلم- أن يعيش رحلة عشرة أيام - حوار فكري وفي محاولة لتمثيل الحضارة الإسلامية عقليا وخارجيا تجاه هذين الفيلسوفين
وكان تركيزي -بالطبع- على الدكتور زكي نجيب محمود، لأني –دائما- أحب معرفة ما عند الآخرين... تحصينا لثقافتي وبحثا عن الحقيقة التي ربما تكون قد شوهت. أو أساء إليها أصحابها.
وأحمد على أن الدكتور قد بدأ يقرأ فكر مالك بن نبي- بعد أن أهديته بعض كتبه- كنتيجة للاقتناع بأنه كان يقرأ الفكر الإسلامي من مصادر مشوهة، أو بلسان محامين فاشلين، وأنه يحكم أحيانا على الفكر الإسلامي انطلاقا من حكم سابق آمن به!!
والمهم.. أننا وصلنا إلى أرض العاصمة الجزائرية التي كان مظهرها الأندلسي وشوارعها التي تمتاز بنظافة شديدة قلما توجد في عاصمة عربية.. بالإضافة إلى حدائقها الأندلسية الغناء.. كان هذا كله دليلا قدمته لصاحبي الشيخين على إمكانية الجمع والتعاصر بين التاريخ والمستقبل.. بين الأصالة والانفتاح.. بين التراث والعصرية!!
وفي وهران -العاصمة الجزائرية الثانية- وفي تلمسان.. بل في كل المدن الجزائرية تتجلى الحضارة الإسلامية من خلال البيوت والشوارع، جامعة إلى جانب أصالتها العربية النظافة والجمال اللذين عرفت بهما الحضارة العربية في الأندلس الفردوس المفقود!!
الملتقى الإسلامي التاسع
كثيرون تكلموا عن أسلوب تكوين الملتقيات الإسلامية التي تعقد في الجزائر، وأبرز ما يقوله هؤلاء ويعترضون به، هو أن هذه الملتقيات تضم شخصيات لا تمثل الفكر الإسلامي.. مع أن الملتقيات إسلامية. والأستاذ «مولود قاسم» وزیر التعليم الأصلي والشئون الدينية - قد رد على هذه النقطة بالآتي:
- إننا لا بد أن نعرف الآخرين عن طريق حوار فكري عال معهم، تكون الكلمة الأولى فيه للفكر الإسلامي الذي يمثله صفوة ممتازة من خيرة علمائه.
- إن هؤلاء الآخرين أيضا يجب أن يرونا ويعرفونا في مؤتمرات متخصصة، بدل أن يقرأوا فكرا عاجزا أو خطابيا أو لا عقلانيا يفرض نفسه على الفكر الإسلامي
- إننا نريد أن نثق في فكرنا وفي قوته وفي تقدميته وفي انفتاحيته ما دام ممثلو هذا الفكر ممثلين حقيقيين متخصصين قادرين.
وقد انقسم المدعوون الأساتذة إلى قسمين:
قسم يحاضر، وفق برنامج محـدد سابق.
وقسم يناقش، وفق قواعد مقررة ونظام محدد.
وكانت الموضوعات التي دار حولها الحوار هي:
1 - مساهمة تلمسان الزيانية في الحضارة والفكر الإسلاميين والعالميين- أسباب ازدهارها وعوامل فنائها.
۲ - موقف إسطنبول وباقي العالــم الإسلامي من سقوط الأندلس وآخر مسلميها وأمام الغزو الأوروبي للعالم الإسلامي عمومًا.
3- هل كان الشعر في الأندلس سببًا في انحلال أخلاقها ثم سقوطها، أم كان لهما مجرد مرآة وانعكاس؟
٤- دور الآداب والفنون عمومًا في تعزيز أخلاق أمة أو انحلالها.
ه - العدالة الاقتصادية والاجتماعية في الإسلام وواقع الأمة الإسلامية اليوم.
٦ - مقصد الشريعة من الحج والطريقة التي يؤدى بها اليوم.
حركة المؤتمر العلمية
دارت المحاضرات والمحاورات التي ألقيت حول النقاط الست المذكورة، وكانت هذه النقاط تمثل إشعاعات مختلفة، قد يدور المحاضر حولها، وقد يسبر غورها من الداخل مباشرة...
وعقب كل نقطة من النقاط كانت تدور المناقشات من الأساتذة «المناقشين» أو من الطلاب والطالبات المدعوين الذين اقترب عددهم من «الألف»...
ومن أهم المحاضرات التي قيلت ونوقشت المحاضرات التالية:
- الأيام الأخيرة لملوك بني زيان للأستاذ عبد الحميد أشهو «الجزائر»
- التنافس بين مملكة فأس وتلمسان صناعيًا واجتماعيًا وعلميًا للأستاذ عبد الهادي التازي «المغرب»
- مساهمة المغرب في حركة الجهاد البحري بعد طرد الموريسكوس من الأندلس للأستاذ إبراهيم حركات «المغرب»
- هل كان الشعر في الأندلس سببا في سقوطها للأستاذ الدكتور إحسان عباس «الأردن».
- البناء والهدم في الشعر العربي للأستاذ الشاعر وليد الأعظمي «العراق»
- أثر الفنون والآداب في حياة الأمة للدكتور عمر فروخ «لبنان»
- مصادر الثروة وتداولها في شريعة الإسلام للدكتور محمد علي رفعت «مصر»
- العدالة الاقتصادية، والاجتماعية في الإسلام وأوضاع الأمة الإسلامية اليوم للشاعر يوسف العظم «الأردن»
- مقصد الشريعة من الحج للأستاذ عثمان الكعاك «تونس»
- الحج المؤتمر الإسلامي الكبـير للأستاذ أحمد محمد جمال «السعودية»
- مقصد الشريعة من الحج والطريقة التي يؤدى بها اليوم للأستاذ عبد الله إبراهيم الأنصاري «قطر»
- مقصد الشريعة من الحج والطريقة التي يؤدى بها اليوم للأستاذ إبراهيم محمود جوب «السنغال»
- كان الأستاذ «أحمد إسماعيل» مدير الملتقيات الإسلامية بوزارة التعليم الأصلي والشئون الدينية يقود الحوار في المؤتمر بجدية ونظام.
-وكان الأستاذ الوزير «مولود قاسم» يتدخل بين الحين والحين لضبط المسيرة الفكرية والتنظيمية للمؤتمر...
النتائج الفكرية
وانتهى الحوار الفكري الممتد إلى نتائج ومعالم محددة حول القضايا المطروحة.
ومن بينها قضايا مظلومة كثر لغط اللاغطين حولها، وأهمها بالطبع -قضية الدولة العثمانية-.
ولقد بدت محاضرة الأستاذ محمد عبد الله عنان مجرد تكرار للمعلومات الشائعة التي تظلم الدولة العثمانية، ولا تدرس ظروفها بجدية وموضوعية وتجلت فيها النزعة القومية والوطنية... وهو أمر غريب على المؤرخ الذي عرف بإخلاصه للتاريخ الأندلسي والحضارة الإسلامية.
وقد انصبت -بالتالي- معظم الردود على محاضرته، التي كثرت فيهـا «المطبات» والمنحدرات -وكان لكاتب هذه السطور تعليق عليها-.
- وحول دور الشعر في سقوط الأندلس ذهب الدكتور إحسان عباس -وهو الأديب المحقق- إلى أن الشعر كان مجرد انعكاس للحياة الأندلسية، لكنه كاد يميل إلى ما مال إليه المتحاورون- وأيده كاتب هذه السطور في تعليقه على محاضرته إلى أن الشعر الأندلسي يتحمل نصيبه في سقوط الأندلس، بقدر حجمه التأثيري في حركة الحضارة الأندلسية.
- وحول دور الآداب والفنون في تعزيز أخلاق الأمة، كان الجو العام للمؤتمر يجنح إلى قدرة الآداب والفنون على الإسهام في البناء الخلقي والحضاري العام للأمة، وذلك باستثناء محاضرة الدكتور زكي نجيب محمود -طبيعة الشعر وصلتها بالأخلاق التي مال فيها إلى عدم الارتباط بين الشعر والأخلاق مؤيدا قوله بما يراه من تفرقة بين الحق والخير والجمال.. وهي تفرقة ثالوثية ينكرها الفكر الإسلامي، كان هذا رأيي وأيدني فيه الأستاذ الشاعر يوسف العظم ـ!!
أما الاساتذة المحاضرون في هذا الموضوع وعلى رأسهم الدكتور عمر فروخ «لبنان» الدكتور جعفر شهيدي «إیران» والشاعر الصديق وليد الأعظمي «العراق» فقد أيدوا الربط بين الأخلاق الحضارية والآداب والفنون، معتمدين -في رأيهم- على أدلة من الآداب نفسها ومن دراسة الحضارات المختلفة.
وهكذا سار الأمر في بقية موضوعات المؤتمر، مما لا يتسع المجال للإطناب فيه..
لكن الحوار كله كان علميا وهادئا وهادفا
نتائج جانبية طيبة
للمؤتمرات الناجحة نتائج تتعدى حدود الفكر.. وهكذا كان مؤتمر تلمسان «الملتقى التاسع للفكر الإسلامي».
- والحق أن الإنسان كان سعيدا بمجالسة ومحاورة هذا الجمع الحافل الممثل لكثير من أقطار العالم الإسلامي، والذي يشعر بانضوائهم تحت راية العقيـدة الإسلامية.
ولقد كان الفكر المشترك والعقيدة والهدف الواحد أسبابا لتطوير علاقات قوية بين المؤتمرين، إذ أن أكثرهم كانوا متعارفين فكريا.. فزاد الملتقى من تعارفهم المباشر - الشخصي.
- ويضاف إلى هذا ما نظمته إدارة المؤتمر من رحلتين إلى ضواحي تلمسان يتعرف المؤتمرون فيهما على معالم دولة الموحدين ودولة بني زيان كمدن «ندرومة والغزوات، وهنين، وأولاد علي، ومرسى أرشكول، وبني صاف، ووادي تافنا التي وقعت عندها معاهدة تافنا بين الأمير عبد القادر وبيجو الفرنسي، وسيدي أحمد، وبرج عنية» وغيرها.
حوار مع وزير الشئون الدينية:
عندما كانت السيارة «الحافلة» ترتاد بنا ضواحي تلمسان الخضراء، وكانت الأرض فسيحة ممتدة أمامنا بلا نهاية.. نظرت إلى الوزير ـالذي كان يجلس في المقعد الأمامي- وقلت:
- إن مساحة بلدكم أكبر من مساحة مصر مرتين ونصف، فهل ترون - مع ذلك تحديد النسل؟
- قال: إنني أحارب تحديد النسل، واعتبره عملا لا يتفق والتحديات التي يواجه بها العالم الإسلامي. وفي الجزائر بخاصة لا معنى لتحديد النسل، فالأرض فسيحة والخيرات كثيرة بحاجة إلى الأيدي العاملة
- وتطرق الحديث إلى التعريب، وحدثته عن نجاح إسرائيل في إحياء اللغة العبرية، بينما ما زال العرب فاشلين في دراسة العلوم الحديثة وعلى رأسها الطب باللغة العربية..
- فقال:
إن سوريا -فيما أعتقد- قد نجحت في تعريب الطب، ونحن نأمل أن تنجح مصر -وبخاصة جامعة الأزهر- في تعريب الطب، ونحن في الجزائر نسعى إلى تعريب كل العلوم وسنصل إلى تعريب الطب إن شاء الله.
وحول تركيز إسرائيل على الآثار والتاريخ، قال السيد الوزير:
- إننا في حاجة إلى الوعي بأهمية التاريخ والتراث لبعثنا الحضاري - واليهود يفهمون قيمة أن يكون لهم تاريخ وتراث، وأهمية أن يدمروا آثار الإسلام في القدس ويشوهوا تاريخه كذلك وبالتالي، فإننا ملزمون بإحياء تراثنا وبعثه بعثا عصريا، والحفاظ على تاريخنا الإسلامي.. على أن تكون لدينا القدرة على فهمه، ونقده أيضا والإفادة منه. والجزائر لها تجربة في ذلك، فقد حاولت فرنسا القضاء على تاريخنا وتراثنا ولغتنا ... كعناصر أساسية لتدعيم احتلالها لنا.. لكننا نجونا من غزوها الحضاري والحمد لله
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل