; في العصر الحديث نساء مجاهدات «نهال الزهاوي» فقيهة العراق الأولى | مجلة المجتمع

العنوان في العصر الحديث نساء مجاهدات «نهال الزهاوي» فقيهة العراق الأولى

الكاتب إسراء علي

تاريخ النشر السبت 26-يوليو-2008

مشاهدات 65

نشر في العدد 1812

نشر في الصفحة 42

السبت 26-يوليو-2008

  • الزهد والورع سمات الشيخ أمجد الزهاوي برغم غناه العلمي والمادي.
  • الحاجّة «نهال» سارت على خُطا والدها فأنشأت جمعيات ومدارس لتربية
  • النشء.جمعية الأخت المسلمة تواصل نشاطها رغم التضييقات وتستأنفه بعد الاحتلال.

لا شك أن للمرأة المسلمة دورًا كبيرًا في الدعوة والبناء والإصلاح إما بشكل مباشر عبر مشاركتها وإسهاماتها في الأعمال الدعوية والخيرية، وإما بشكل غير مباشر عبر دعمها للأب والزوج والابن، وهو الأمر التكليفي الذي تساوت فيه مع الرجل باعتبارها أحد شطري تكوين المجتمع. 
وتعد الحاجّة «نهال أمجد الزهاوي» ابنة شيخ علماء العراق أمجد بن محمد سعيد الزهاوي أنموذجًا حيًا لتلك المرأة التي أخلصت حياتها للدعوة وخدمة الإسلام.
وُلدت الحاجّة «نهال» في بغداد عام ١٩١٤م، وكانت البنت الوحيدة لوالدها من بين ثلاثة إخوة ذكور هم يونس، ووحيد، وسعيد.
ويُعد والدها الشيخ «أمجد الزهاوي» من العلماء والمفتين، ليس في العراق فحسب، وإنما على صعيد العالم الإسلامي، إذ كان مرجعًا كبيرًا للفقه والمذهب الحنفي لدرجة أنه كان يلقب بـ «أبو حنيفة الصغير» لإحاطته بالمذهب، حتى قال قائلهم: «لو فُقد المذهب الحنفي، واندثرت كُتبه، لأملاه الزهاوي عن ظهر قلب، من أول أبوابه حتى خواتيمها».
كما أن الزهاوي -على الرغم من غناه العلمي والمادي، فقد كان يمتلك ستة عشر
ألف دونم- كان مثالًا للزهد والورع؛ إذ كان كثير العبادة، قلبه معلق بالمساجد، وبالصلاة في كل مكان من الأرض التي جعلها الله مسجدًا وطهورًا، وكان يحرص على الصلاة في وقتها، حتى أنه حينما كان طالبًا في مدرسة القضاء بـــ «إستانبول» كان يضع سجادة الصلاة على كتفه أينما ذهب، لكي لا يؤخر صلاة عن وقتها، وكان صديقه نوري السعيد «رئيس الوزراء الأسبق» يدرس في الوقت نفسه في الكلية العسكرية بـ «إستانبول»، وكان إذا التقى الزهاوي يسأله ممازحًا: «أمجد أفندي، أين
سجادتك»؟
وكان الزهاوي إذا وقف للصلاة نقّى قلبه، ونفى عنه كل ما يتصل بالدنيا، ثم صاح «الله أكبر» فكأنها قنبلة أُلقيت في وجه الشيطان على حدّ وصف الذين رأوه يكبّر للصلاة، ومنهم الشيخ «على الطنطاوي».
كما كان رئيسًا لرابطة علماء العراق ورئيس جمعية الأخوة الإسلامية «الإخوان
المسلمين» ومنها تفرعت «جمعية الأخت المسلمة» التي رأستها ابنته العالمة الفاضلة الأديبة: «نهال أمجد الزهاوي».

مدارس الأخت المسلمة
ولإيمان الشيخ الزهاوي بأن التربية هي من المبادئ الأساسية لإنشاء الجيل المسلم سعى لتأسيس جمعية التربية الإسلامية التي فتحت لها مدارس ابتدائية ومتوسطة وثانوية، لتعليم النشء وتربيتهم تربية إسلامية سليمة، كما أدار جمعية الإخوة الإسلامية التي أسسها مع تلميذه محمد محمود الصواف، وكان رئيسًا لها.
وسارت على هذا النهج الحاجّة نهال، حيث أسست في بداية الستينيات مدارس «الأخت المسلمة» بدءًا من الروضة ووصولًا إلى الثانوية، في وقت تصاعدت فيه الصيحات الإتحادية والشعوبية والدعوة إلى التغريب، فكانت هذه المدارس بداية لغرس تعاليم الإسلام وأخلاقه، عبر تخريج الكثير من البنات العراقيات اللاتي كانت لهن بصماتهن على الساحة العراقية والإسلامية.
لكن الكثير ممن يعادون الإسلام ودعاته لم يرق لهم ما حدث، وكانوا يضيقون الخناق على عائلة الزهاوي، ما دفعهم إلى السفر إلى المملكة العربية السعودية التي كانت ساحة جديدة سلكتها الحاجّة «نهال» للدعوة من خلال التدريس في مدارس البنات.

مضايقات النظام السابق
واستمر التضييق على النشاط الدعوي في العراق فتم تأميم المدارس الخاصة بجمعية «الأخت المسلمة» ومدارس التربية الإسلامية في عام ١٩٦٨م، وصادر النظام العراقي وقتئذ بنايتها التي تم بناؤها من التبرعات، ما كان له وقعه الكبير على الحاجّة «نهال»، لما بذلته وأخواتها من جهود كبيرة لجمع هذه التبرعات، غير أن هذا لم يفتّ من عضدها، بل إنها صبرت واحتسبت ذلك عند الله تعالى.
فكان لابد من إيجاد البديل لمواصلة تعليم الفتيات على منهج القرآن والسُنة، فكان البديل درسي الإثنين والخميس من كل أسبوع، والذي ضم أكثر من خمسمائة امرأة وفتاة تعلموا القرآن الكريم وأحكامه وتدارسوا الأمور الفقهية مع الحاجّة «نهال»، إضافة إلى دورها الرائد في القلم النسوي الدعوي من خلال «مجلة التربية الإسلامية» بصحبة كاتبات أخريات كالأستاذة «سكينة الصميدعي» وغيرهن.

نهال الزهاوي والإفتاء
كغيرهن من المسلمات كانت العراقيات في رغبة لمعرفة أمور الدين فيما يخص قضايا النساء، ولأن «نهال الزهاوي» هي ابنة قاضي ومفتي العراق، فكن يلجأن إليها لأخذ الفتوى الشرعية، حيث كانت تنقل الفتوى والرد عليها بعد الرجوع إلى والدها. أما بعد موت الشيخ الزهاوي فكان النساء يأخذن الفتوى من نهال الزهاوي ذلك، لأنها واصلت دراستها حتى تخرجت في دار المعلمات العالية بـــ «بغداد» كما تلقت العلوم الفقهية والشرعية على يد والدها الذي أجازها في الفقه بإجازة مكتوبة على بعض كتب الفقه الحنفي، ما جعلها أول فقيهة في العراق في الزمن المعاصر.
 

الأخت المسلمة بعد الاحتلال
نجحت «جمعية الأخت المسلمة» برغم المضايقات التي مارسها النظام السابق في استمرار دورها الدعوي، كما أنها وبعد الاحتلال الأمريكي الذي وقع على العراق نشطت من جديد بدافع الحرص والنهوض بواقع المرأة المسلمة في العراق، ونتيجة للكوارث التي حلت به، وهو الأمر الذي دفع أيضًا إلى تأسيس الكثير من الجمعيات النسوية والإغاثية الأخرى، والتي هي في الأصل براعم من الشجرة الأم «جمعية الأخت المسلمة».
وهو ما أكدته العربية الفاضلة السيدة عدويه الشوّاف «من زميلات نهال الزهاوي» حيث قالت: «إن أغلب جمعيات الأخوات التي تم تأسيسها عيال على جمعية الأخت المسلمة، وإن أغلب الأخوات المؤسسات للجمعيات بعد الاحتلال من تلميذات الحاجة نهال ومن أخوات جمعيتها. وهو ما لم تنسَه الأخوات، فكان أقل شيء يقدمنه لها أن قمن بإطلاق اسمها على أكبر قاعة في الجمعية».
غير أنه وبحكم التقدم في العمر توقفت الحاجة نهال عن الاستمرار في نشاط
الجمعية، ولزمت بيتها إلى أن وافتها المنية وانتقلت إلى جوار ربها في ساعة مبكرة من صباح يوم الخميس الثامن من محرم الحرام الموافق 17/2/2005م، بعد عُمر مديد قضته في الدعوة، والإرشاد، والبِر، والتقوى.

كلاب وقطط للحراسة
ولعل من الأمور الغريبة التي روتها السيدة أزهار السامرائي «أحد أعضاء جمعية الأخت المسلمة وعضو البرلمان عن جبهة التوافق» أنه في الفترة الأخيرة من حياة «نهال الزهاوي» والتي عاشتها وحيدة في بيتها الكبير بمنطقة «الصليخ» القريبة من «الأعظمية» لأنها لم تتزوج فضلًا عن هجرة أولاد أخيها من العراق بسبب أوضاعه، أنه كان يوجد معها في البيت كلاب وقطط لم يأت بها أحد كانت موجودة بالبيت لحماية وأنس الحاجّة «نهال»، في حين كان يتردد عليها رفيقات دربها وتلميذاتها من نساء الجمعية، وكانت الكلاب والقطط تسمح لهؤلاء الأخوات فقط بالدخول فيما تمنع أي شخص غيرهن مضيفة أنه مما يثير الدهشة أيضًا أنه بوفاة الحاجة نهال اختفت تلك الكلاب والقطط، ولم يعرف لها أثر.
وقد أقيم للحاجّة «نهال الزهاوي» بعد وفاتها حفلًا تأبينيًا في مقر جمعية «الأخت المسلمة» تناولت فيه الأخوات السيرة العطرة والحياة الجهادية الحافلة بالمواقف للحاجة «نهال»، والتي عبرت عن صدق العقيدة والتفاني من أجل الدعوة إلى الله -عز وجل-، فيما قدمت «إذاعة دار السلام» حلقات عن حياتها الحافلة. وخصصت «قناة بغداد الفضائية» حلقة خاصة في برنامج من القلب عن حياتها، لما كان لها من بصمات على الواقع الدعوي في العراق، وعلى العالم الإسلامي.
لقد تركت الحاجّة «نهال الزهاوي» إرثًا وصدقة جارية، من خلال العلم والفقه الذي زرعته في نفوس بنات جمعية الأخت المسلمة، فرحمها الله، وأسكنها فسيح جناته، وأمد تلميذاتها في العراق مددًا من عنده لمواصلة المشوار في الدعوة. 

المصادر:
(1) الإمام أمجد بن محمد سعيد الزهاوي، لكاظم المشايخي.
(2) من سجل ذكرياتي، لمحمد محمود الصواف.
(3) صفحات من تاريخ الدعوة الإسلامية في العراق، لمحمد محمود الصواف.
(٤) العلّامة المجاهد الشيخ أمجد الزهاوي شيخ علماء العراق المعاصرين، لمحمد محمود الصواف.
(٥) ذكرياتي: للشيخ علي الطنطاوي.
(6) في إندونيسيا: علي الطنطاوي.
(۷) رجال من التاريخ: علي الطنطاوي.
(8) الحاجة نهال أمجد الزهاوي رائدة الحركة النسوية الإسلامية في العراق: للدكتور أكرم المشهداني.
(9) حوار مع السيدة عدوية الشواف.
(10) حوار مع السيدة أزهار السامرائي.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

975

الثلاثاء 31-مارس-1970

الأسرة.. وحزيران

نشر في العدد 3

172

الثلاثاء 31-مارس-1970

مقامة