العنوان في العام السادس لحرب الخليج: الآثار الخطيرة المترتبة على استمرار الحرب
الكاتب عبد الرحمن الناصر
تاريخ النشر الثلاثاء 17-سبتمبر-1985
مشاهدات 75
نشر في العدد 733
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 17-سبتمبر-1985
● رافسنجاني يقول: سننطلق في هجوم لن يبقي ولن يذر.
● هل تستمر إيران في قرع طبول الحرب؟
● ماذا قدمت إيران للقضيتين الإسلاميتين الأفغانية والفلسطينية.
مع بداية الأسبوع الأخير من شهر سبتمبر الجاري تكون الحرب العراقية - الإيرانية قد أنهت خمسة أعوام من عمرها، لتدخل عامها السادس الذي كنا نتمنى أن يطل علينا مقرونًا بومضات من الأمل، نشعر من خلالها بقرب انتهاء هذه الحرب التي حصدت الأخضر واليابس وألحقت الدمار بكل شيء، وأزهقت من الأنفس ما لا يعد ولا يحصى، وأهدرت من الأموال ما لا يمكن حصره، وجعلت المنطقة كلها تقف على حافة كارثة لا يعلم مداها إلا الله..
رافسنجاني والكارثة
نقول إننا كنا نتمنى لو أن العام الجديد للحرب قد اقترن بأمل نشعر من خلاله بقرب انتهائها وطي صفحاتها، إلا أن الطبول التي مازالت تقرع على الجانب الآخر من الخليج، والصيحات التي ما زال المحاربون يطلقونها وهم يرقصون حول نارها التي ينفخها لهم أبليس وزبانيته، قتلت كل الأمال وأخمدت كل الأماني، وأشعرتنا بأن الكارثة باتت تحدق في الجميع لا في منطقة الخليج وحدها ولكن في العالم الإسلامي كله.. وهذا ما يؤكده هاشمي رافسنجاني «رئيس البرلمان الإيراني» في خطبته التي ألقاها يوم ١٣ سبتمبر الجاري حين قال: «إن أمتنا ستنطلق في هجوم لن يبقي ولن يذر».
وما ذكره رافسنجاني يعني شيئًا واحدًا فقط، وهو أن الكارثة باتت فعلًا تحدق بالجميع. ورافسنجاني في كلمته تلك كان يهدف إلى قطع الطريق أمام أية مبادرة جديدة تخطط لها لجنة المساعي الإسلامية، التي كانت تجتمع في الرياض أثناء خطبته في طهران.
ولا نعتقد أن رافسنجاني ومن ورائه الزعامة الإيرانية كلها، تجهل أن استمرارها في قرع طبول الحرب، يترتب عليه آثار خطيرة من شأنها أن تهدد العالم الإسلامي برمته بما في ذلك إيران ذاتها.. وسنحاول هنا أن نلقي الضوء على بعض تلك الآثار لا تجهيلًا للزعامة الإيرانية، ولكن تذكيرًا لها، فلعل طبول الحرب وصيحاتها حجبت عنها حقيقة تلك الآثار وخطورتها..
انقسام العالم الإسلامي
بعيدًا عن أية مشاعر عاطفية أو غير عاطفية، وبعيدًا عن أسلوب الدوران حول حقائق الأشياء ومدلولاتها، وبعيدًا عن أسلوب دفن الرؤوس في الرمال وبعيدًا و... فإنه يمكننا القول إن مظاهر الانقسام في العالم الإسلامي قد بدأت مدلولاتها تتوضح شيئًا فشيئًا كنتيجة طبيعية لهذه الحرب، وإنه مع استمرارها فإن هذه المظاهر باتت تتحول إلى ما يشبه الثوابت في عالمنا الإسلامي، ولعل أخطر هذه المظاهر الانقسامية تكمن في الانقسام المذهبي، وحركة الأحداث التي فرضتها استمرارية الحرب توحي لنا بأن ثمة انقسامًا مذهبيًا يعصف بالعالم الإسلامي في الوقت الراهن، وأن هذا الانقسام لا ينحصر في المستويات الإعلامية والحركية وحتى الحكومية، بل يتعداه «وهنا تكمن الخطورة» إلى المستويات الشعبية التي باتت تتحدث عن هذه القضية بشكل يبدو وكأنه أصبح من الثوابت الأساسية في العالم الإسلامي، وهذا يعني أن ثمة انقسامًا جماهيريًا قد سبق الانقسام الجغرافي، وبحيث يصبح التقسيم الجغرافي أمرًا في غاية البساطة، وخاصة أن القوى الدولية المتربصة بالعالم الإسلامي تنتظر الفرصة السانحة لتحقيق هذا التقسيم. وما يجري في لبنان من حرب مذهبية يعد إفرازًا مباشرًا للحرب العراقية – الإيرانية، والتقسيم المذهبي هو أحد أهم الإستراتيجيات التي رسمتها القيادة الإسرائيلية منذ عشرات السنين، وما ذكرته صحيفة هاآرتس الإسرائيلية في عددها الصادر يوم ٢ يونيو عام ۱۹۸۲، أي بعد عامين تقريبًا من اندلاع الحرب في الخليج، يؤكد على هذا الاتجاه حين قالت: «إن تقسيم العراق إلى دولة سنية على دجلة، ودولة شيعية على الفرات الأوسط، هو في صميم المصلحة الإسرائيلية».
وما ذكرته صحيفة هاآرتس لا يعني أن المصلحة الإسرائيلية تتوقف عند حد تقسيم العراق، بل أوردنا ذلك كنموذج للأهداف الإسرائيلية التي تسعى إلى بلقنة العالم الإسلامي على أساس طائفي، وبالإضافة إلى العامل المذهبي الذي أبرزته هذه الحرب، هناك قضية المحاور التي ارتبطت بشكل واضح بالحرب وتزداد خطورتها مع استمرار هذه الحرب.
ضعف العالم الإسلامي
لم نشهد للعالم الإسلامي في العصر الحديث تراجعًا واضح المعالم كما نشهده هذه الأيام، والتراجع هنا ليس سياسيًا فقط، وإنما يتعداه إلى مختلف الأنشطة الإنسانية التي ترتكز عليها حياة الأمم والمجتمعات السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية... إلخ. وما من شك أن هذا الضعف وإن كان واضحًا بعض الشيء حتى ما قبل الحرب الخليجية، نظرًا لطبيعة الأوضاع في العالم الإسلامي وحداثة استقلاله و... و... إلا أن هذا الضعف بدأ يزداد شدة في المرحلة التي أعقبت الإعلان عن هذه الحرب، ومع استمرارها لفترة تزيد على الخمس سنوات فإن مظاهر الضعف بدأت تنخر في جسم هذا العالم، مهددة إياه بكارثة لا يعلم مداها إلا الله، وإن الإصرار على هذه الاستمرارية من شأنه أن يؤكد على حصول الكارثة بل ويعجل الوصول إليها.
فجميع الأمم -وتستوي في ذلك الأمة الإسلامية بغيرها- تعتمد على عنصرين أساسيين في بناء قوتها وضمان وجودها واستمرارها هما الإنسان والمادة، وبنظرة سريعة لما فعلته هذه الحرب المجنونة في هذين العنصرين، لتبين لنا مدى الضعف الذي بدأ يحيق بنا ويهدد وجودنا.. وكما قلنا في الفقرة السابقة فإن الانفصال المذهبي أوجد شرخًا كبيرًا في حقيقة الانتماء إلى عالم إسلامي واحد، وهذا من شأنه بالإضافة إلى سياسة المحاور أن يزرع الضعف في عالمنا ويهدد وحدته التي هي أساس قوته. وهذا النزيف البشري المستمر والذي وصل إلى حد إزهاق أرواح مئات الآلاف وإعاقة عشرات الآلاف جسمانيًا ونفسيًا.. وجعلهم عالة على المجتمع المسلم وحرمانهم من المشاركة في بناء أمتهم.. وعشرات الآلاف من النساء الأرامل اللاتي خسر المجتمع أي دور لهن في بناء الأمة من حيث الإنجاب والتربية وبناء الإنسان.. وذلك كنتيجة طبيعية للآثار النفسية التي تنعكس من خلال ترملهن وخاصة من كن في مرحلة الشباب، وهن الأكثر عددًا في مجموع الأرامل.. وأيضًا فإن العنصر المادي بات يشكل ونتيجة لاستمرار الحرب تراجعًا خطيرًا لا حد له، فأموالنا تأكلها نار الحرب ونفطنا نبيعه بأبخس الأثمان لضمان دوران عجلة الحرب.. ودولنا النفطية الغنية باتت تحجب أو تخفف مساعداتها عن الأجزاء الفقيرة من العالم الإسلامي لانعكاس أوضاع الحرب عليها.. إلى غير ذلك من آثار اقتصادية مخيفة لا تؤدي إلا إلى المزيد من الضعف الذي يهدد عالمنا الإسلامي.
• رافسنجاني: صيحات الحرب المستمرة.
حركة الجهاد الإسلامي
من القضايا البدهية أننا نعتبر عالمنا الإسلامي بدوله وتقسيماته السياسية عالم واحد، لا فرق عندنا بين هذا الجزء أو ذاك، فأرض الإسلام واحدة، وبالتالي فإن وقوع أي من هذه الأجزاء بين براثن أعداء الإسلام صليبية كانت أم صهيونية أم شيوعية، فإن الواجب الشرعي يقضي بمد المساعدة الفورية لهذا الثغر لإعادته إلى حظيرة الإسلام من جديد، والتاريخ الإسلامي يزخر بهذه الصفحات المشرقة التي يعرفها أهل فارس تمام المعرفة.. وما يعانيه العالم الإسلامي في العديد من أجزائه لا يحتاج إلى بيان وشرح ومثلنا على ذلك القضيتين الإسلاميتين الأفغانية والفلسطينية، وقد عولت الجماهير المسلمة بشكل عام والأفغانية والفلسطينية بشكل خاص على النظام الجديد في إیران، في أن يقدم لهاتين القضيتين الإسلاميتين كل عون ومناصرة لدعم كفاحهما ضد الشيوعية والصهيونية، ومع مرور أكثر من ست سنوات على قيام النظام الإيراني الجديد فإن شيئًا من هذا لم يتحقق، وأصيبت الجماهير المسلمة بخيبة أمل شديدة. وكانت الحرب الإيرانية العراقية أكبر هجمة تتذرع بها إيران للإحجام عن تقديم أية مساعدة، بل على العكس من ذلك فقد دخلت إیران ونتيجة لسياسة المحاور التي أفرزتها هذه الحرب في أتون الصراعات الفلسطينية، لتؤيد هذا الجناح ضد الجناح الآخر، ونسيت أن هذه القضية لا تزيد القضية الفلسطينية إلا ضعفًا وتراجعًا.. وأفغانستان المجاورة لإيران لم تتلق من إيران ما كانت تأمله عند بداية حركتها الجهادية، وكانت حجة الحرب في الخليج من أكبر الذرائع لتبرير تقاعسها عن مساعدة الجهاد في أفغانستان، بل إن العلاقات بين إيران والاتحاد السوفياتي الذي تغزو قواته الشيوعية أرض أفغانستان وتقتل وتحرق وتدمر ما زالت إيجابية، والزيارات المتبادلة بين مسؤولي الدولتين لم تنقطع، وكان آخرها في بداية هذا الشهر حيث زار وفد إيراني العاصمة السوفياتية.. للبحث في توثيق العلاقات الإيجابية بين البلدين.
هل تستمر الحرب رغم هذه الآثار؟
إن ما ذكرناه عن الآثار الخطيرة المترتبة على استمرار الحرب العراقية - الإيرانية لم يشمل كل الآثار، وإنما هي نماذج لآثار عديدة لا تمكننا طبيعة المقالة الصحفية من استعراضها كلها، ومن بين هذه الآثار أيضًا تزايد احتمالات تدخل القوى الدولية الكبرى في المنطقة في حال استمرار الحرب.. ومن شأن هذا التدخل مهما كان نوعه أن يشكل خطرًا على حاضر العالم الإسلامي ومستقبله.. ومن بين هذه الآثار أيضًا عودة الروح الوطنية الإقليمية كنتيجة طبيعية لاستمرار الحرب وعلى حساب التوجه الإسلامي والنظرة الإسلامية الشمولية التي تنبذ الولاءات القومية والوطنية والإقليمية.. وتعود من جديد نغمة العرب والعجم التي أسقطها الإسلام قبل أربعة عشر قرنًا ويزيد.
وكما قلنا في البداية فإننا لا نعتقد أن القيادة الإيرانية تجهل حقيقة تلك الآثار الخطيرة التي تترتب على استمرار الحرب، ولكن تذكيرًا لها خشية أن تكون طبول الحرب قد حجبت منها تلك الحقائق.. فهل يستمر قرع الطبول رغم هذه الآثار الخطيرة؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل