; في السياسة الشرعية: (عدد 549) | مجلة المجتمع

العنوان في السياسة الشرعية: (عدد 549)

الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي

تاريخ النشر الثلاثاء 03-نوفمبر-1981

مشاهدات 81

نشر في العدد 549

نشر في الصفحة 17

الثلاثاء 03-نوفمبر-1981

هل كانت ذات عمر بن الخطاب كرئيس للدولة الإسلامية مصونة؟ هل كانت ذات أبي بكر الصديق كرئيس للدولة الإسلامية مصونة؟ تنص معظم دساتير الدول العربية و«الإسلامية» عن رؤسائها وأمرائها وملوكها بأنها: «ذات مصونة لا تمس ولا تجوز مخاصمته باسمه في المحاكم». ما موقف النظام الإسلامي السياسي من هذه القضية الخطيرة؟

النظام الإسلامي يكاد يكون النظام الوحيد الذي لا يستثني أحدًا -مهما كان شأنه- في المثول بشخصه أمام القضاء الإسلامي ولو كان الخليفة نفسه، فلا تعرف الشريعة الإسلامية حصانة لأحد في مواجهة القانون الإسلامي، كما لا تخص فردًا أو فئة أو عائلة بقانون يخالف ما يطبق على باقي المسلمين، فالمبدأ في الشريعة هو وحدتها، وتطبيقًا لهذا المبدأ حرص النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون من بعده على الخضوع لأحكام الشريعة وتنفيذها على أنفسهم، فقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم أثناء مرضه الأخير بين الفضل بن العباس وعلي بن أبي طالب حتى جلس على المنبر ثم قال: 

«أيها الناس، من كنت جلدت له ظهرًا فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضًا فهذا عرضي فليستقد منه، ومن أخذت له مالًا فهذا مالي فليأخذ منه، ولا يخشى الشحناء من قبلي فإنها ليست من شأني. ألا إن أحبكم إلي من أخذ مني حقًّا إن كان له أو حللني فلقيت ربي وأنا طيب النفس» (انظر: ابن الأثير، جـ2، ص54). ثم نزل فصلى الظهر، ثم رجع إلى المنبر فعاد لمقالته.

كذلك وكان الخليفة أبو بكر ومن بعده عمر يعطي القود من نفسه. وأبلغ ما يستشهد به في المساواة بين الناس أمام القانون ما كان من أمر جبلة بن الأيهم، وكان من ملوك آل جفنة، أسلم هو وقومه وحضر لزيارة عمر بن الخطاب في المدينة -العاصمة السياسية للدولة الإسلامية- في خمسمائة من أهله وأتباعه، ففرح به عمر كقوة جديدة مؤازرة للإسلام وأدنى مجلسه وخرج معه للحج، وبينما جبلة يطوف حول الكعبة وطئ إزاره رجل من بني فزارة فانحل، فأخذت جبلة بن الأيهم العزة بالإثم وضرب الفزاري على وجهه فحطم أنفه، فذهب الفزاري إلى عمر يشكو ابن الأيهم، فاستدعى عمر ابن الأيهم بحضور الفزاري وأقر ابن الأيهم بما هو منسوب إليه، فقال له عمر: لقد أقررت، فإما أن ترضي الرجل وإما أن أقتص منك بهشم أنفك، فقال جبلة: وكيف ذاك يا أمير المؤمنين وهو سوقة وأنا ملك؟ فقال له عمر: إن الإسلام قد سوى بينكما فسلت تفضله إلا بالتقوى والعافية. قال جبلة: قد ظننت يا أمير المؤمنين أني أكون بالإسلام أعز مني في الجاهلية. قال له عمر في حزم: دع عنك هذا، فإنك إن لم ترض الرجل اقتصصت منك. قال جبلة: أنا أتنصر، قال عمر: إن تنصرت ضربت عنقك لأنك قد أسلمت، فإن ارتددت قتلتك. ففر جبلة هاربًا بليل إلى القسطنطينية وتنصر.

فعمر يحرص على تأكيد المساواة أمام الشريعة، ولو أدى الأمر إلى فقد كسب كبير للإسلام من القوى المؤيدة له. وقد جرى العمل في الإسلام على مقاضاة الخلفاء بأسمائهم المجردة وبأشخاصهم تمامًا كما يحاكم سائر الناس أمام القاضي. وليس هناك في الشريعة الإسلامية جهات أو درجات متعددة للقضاء. ومن ذلك أن الخليفة علي بن أبي طالب فقد درعًا ووجدها مع يهودي يدعي ملكيتها، فقال له: بيني وبينك قاضي المسلمين، فتحاكما إليه، وحضر الإمام علي رضي الله عنه واليهودي أمام القاضي فحكم القاضي لصالح اليهودي؛ لأنه حائز للدرع، والحيازة سند الملكية ما لم يثبت العكس. (انظر: ابن الأثير، جـ3، ص201).

وأخذ عمر بن الخطاب فرسًا من رجل على سوم فحمل عليه، فعطب فخاصم الرجل عمر، فقال عمر: اجعل بيني وبينك رجلًا. فقال الرجل: إني أرضى بشريح العراقي، فمثل عمر والرجل أمام شريح، فقال شريح لعمر: أخذته «أي الفرس» صحيحًا فأنت له ضامن حتى ترده صحيحًا سليمًا، فأدى عمر ثمنه للرجل ولم يكتف بذلك، بل عين شريحًا قاضيًا. (انظر: الشافعي، الأم، جـ6، ص268) فلا ذات مصونة في الإسلام إلا ذات الله القوي العزيز الجبار.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 19

573

الثلاثاء 21-يوليو-1970

لعقلك وقلبك - العدد 19

نشر في العدد 21

475

الثلاثاء 04-أغسطس-1970

مع العمال - العدد 21

نشر في العدد 28

470

الثلاثاء 22-سبتمبر-1970

لعقلك وقلبك - العدد 28