العنوان في السياسة الشرعية - الحلقة 28
الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي
تاريخ النشر الثلاثاء 04-مايو-1982
مشاهدات 72
نشر في العدد 569
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 04-مايو-1982
أشكال النضال السياسي في تاريخ الدعوة إلى الله «4»
قررنا وبينا في الحلقات السابقة التناقض التاريخي الجوهري بین رسل الله ودعاته وبين الطبقة المسيطرة اجتماعيًّا عند مجيء كل دعوة سماوية، وقلنا بأنه نتج عن هذا التناقض صراع سياسي واجتماعي بين رسل الله ودعاته وبين تلك الطبقة من: الملأ، وأولي الطوْل، وأولي النَّعمة، وشرحنا بأن هذا الصراع اتخذ أشكالًا عديدة تفاوتت في عنفها وعمقها ومداها من دعوة لأخرى، وفي الحلقة السابقة تطرقنا لشكل واحد من أشكال النضال السياسي الذي رفع رايته نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام في وجه الطاغية التاريخي فرعون وهو شكل التصدي العلني للطاغوت من أجل إزالة الهيبة التي يرتكز عليها، الشكل الثاني من أشكال النضال السياسي هو الانحياز دائمًا لصالح المستضعفين والفقراء والمساكين والمضطهدين، من يقرأ تاريخ الرسالات السماوية وسيرة رسل الله يجد أن الرعيل الأول في كل الدعوات كان يتجمع من حظائر اجتماعية مستضعفة مظلومة ومقهورة وصاحبة مصلحة في إحداث التغيير الاجتماعي الجذري، نَعَم هناك من يشذ عن هذه القاعدة ومن يتخلى عن انتمائه الاجتماعي الأعلى ويتبنى الانتماء إلى العقيدة الجديدة ذات القاعدة الاجتماعية الأسفل، لكن الذين فعلوا ذلك تاريخيًا قلائل، هذا البعد الاجتماعي لدعوة الله لا شك يفسر الكثير من مضامينها السياسية.
﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾.
﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾.
﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ﴾.
﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾.
لقد كانت دعوة موسى انتصارًا للمستضعفين ضد فرعون، وكانت دعوة شعيب انتصارًا لعموم الناس ضد جشع التجار وضد أشكال الدناءة التجارية الشائعة في مدين- قوم شعيب- وما زالت شائعة في مجتمعاتنا التجارية أما خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم فكان من دعائه: «اللهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا واحشرني في زمرة المساكين». لا نعني من وراء ذلك أن طلب الرزق والكد في الحياة من أجله غير مطلوب، لكن الذي نقصد أن الإسلام دائم التحسس لأهل القاع الاجتماعي ودائم الحرص على إنصافهم.
﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾.
﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾.
الآية السابقة ليست فقط حث على الإنفاق بل حث على البحث عن الفقراء والمساكين من أجل إنصافهم وتوصيل حقوقهم إليهم، هذا التحسس الدائم لأهل القاع الاجتماعي وهذا الانحياز لصالح المستضعفين حدد فيما بعد الهوية السياسية للنظام الاجتماعي الذي تأسس في المدينة كما أنه صار مَعْلمًا من معالم الخط السياسي للخلافة الراشدة وتلك سنة الدعوة إلى الله عبر تاريخها البعيد والقريب وتلك صبغة النضال السياسي الذي قادهُ الميامين من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس من قبيل الصدفة أن يرسل سعد بن أبي وقاص قبل موقعة القادسية ربعي بن عامر بالذات رسولًا إلى رستم قائد الجيوش الفارسية وأميرهم فدخل عليه، وقد زينوا مجلسه بالنمارق والزرابي الحرير وأظهر اليواقيت واللآلئ الثمينة، وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب، ودخل ربعي بثياب صفيقة وترس وفرس قصيرة، ولم يزل راكبها حتى داس بها طرف البساط ثم نزل وربطها ببعض الوسائد، ودخل بسلاحه على رستم يتوكأ على رمحه فوق النمارق فخرق عامتها، فقال له رستم: ما جاء بكم؟ فقال: ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده.
مشهد لا يتكرر في التاريخ كثيرًا لا يقدر عليه إلا الأعلون المؤمنون.