العنوان في السياسة الشرعية- الحلقة (٤٤) الموقف الإسلامي في دكتاتورية رأس المال
الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-مارس-1983
مشاهدات 50
نشر في العدد 610
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 01-مارس-1983
معظم أقطار العالم الإسلامي المترامي اليوم تنهج -من حيث النظام الاقتصادي- النهج الرأسمالي الذي يؤكد ما يسمى بـ «حرية التجارة»، وحرية «حركة رأس المال» إلى آخره من الدعاوى، وينبغي علينا نحن المسلمين أن نكون على بينة من هذا الأمر على مستويين: الأول علينا أن نفهم منطق النظام الرأسمالي من حيث هو نظام اقتصادي، وعلينا أن نفهم منطلقاته المبدئية، وإسقاط تلك المنطلقات على واقع المجتمعات الرأسمالية، أما المستوى الثاني فهو ضرورة تحديد موقفنا العقائدي في النظام الرأسمالي منطلقين من الكتاب الكريم، وسنة نبينا -صلى الله عليه وسلم-.
يؤكد واقع المجتمعات الرأسمالية أن الفرد المواطن -بالرغم من الحديث المستمر عن قدسية حريته ورأيه وكيانه- قد صار رهينة بيد رأس المال الذي يتحكم بالسياسة والإعلام والسلع الضرورية، في جنوب أفريقيا مثلًا صار أصحاب المناجم والمزارع الكبيرة من الهولنديين والإنجليز هم الحكام، يمارسون حرياتهم الفردية في الفكر والسياسة والمال، أما شعب تلك البلاد من الزنوج والملونين الأفارقة والأسيوبين فهم لا يمارسون أدنى صور الحرية الفردية بما فيها حرية الانتقال والسكن والعمل.
أما في الولايات المتحدة وكندا وإيطاليا فيلاحظ أن كبار الصناعيين والمتمولين صاروا يشكلون جماعات ضغط، بل ويقيمون أحزابًا سياسية للتأثير على القرار السياسي حتى صاروا الآن حكامًا يتحكمون في مسار مجتمعاتهم السياسية، ويؤثرون بشكل واضح على مجرى السياسة الدولية، ومن يدرس أوضاع المجتمعات الأوروبية الغربية والأمريكية الشمالية بالذات، وهي مجتمعات رأسمالية، ويستخلص الأسس الفعلية التي يقوم عليها النظام الرأسمالي يجد الآتي:
۱- النظام المالي هو الذي يتحكم في القرار السياسي وتوجهاته.
٢- المال قوة مسيطرة على جوانب الحياة الاجتماعية بأجمعها «التعليم، الفن- الأدب- النشر».
٣- كل وسيلة تؤدي إلى زيادة الأرباح فهي مشروعة في الرأسمالية:
الربا مشروع، التدليس والرشوة مشروع، المقامرة بالأوراق المالية مشروع، القمار بكل صوره مشروع، والاحتكار في الإنتاج الصناعي مشروع كذلك.
٤- تلعب البنوك وشركات التأمين وبورصة الأوراق المالية أدوارًا كبيرة للغاية في تحديد نتائج الانتخابات السياسية وتوجهاتها.
٥- الاستغلال للطاقات البشرية والمهارات، ودفع أجور غير متكافئة مع قيمة الإنتاج الفنية وهامش الربح الواسع.
هذه هي الأسس الفعلية التي يقوم عليها النظام الرأسمالي من خلال إسقاطاته على المجتمعات الرأسمالية في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، ويبدو من خلال ما عرضنا أن منطلقات النظام الرأسمالي الفكرية والمبدئية هي كما يلي:
١-أن المال لدى الأفراد ملكية شخصية مطلقة
٢- ليس هناك شريك لصاحب المال في ماله سواء كان الشريك أفرادًا أو الدولة.
٣- إن ربح المال يعود لصاحب المال وحده لا شريك له فيه.
٤- إن حريات اختيار وسائل الاستثمار لا تخضع لرقابة طالما أنها غير موجهة للإضرار بفرد معين أو أفراد معينين.
هذه المنطلقات العامة الفكرية والمبدئية للنظام الرأسمالي جعلت من القلة الذين يتحكمون بالمال قوة سياسية واجتماعية، تتحكم في مسار المجتمعات الرأسمالية، وتؤثر بشكل واضح على مجريات السياسة الدولية من حيث إن الأخيرة عبارة عن شبكة من الصراع الاقتصادي على المستوى الكوني، وأصبح النظام الرأسمالي -والذي ينطلق من مبدأ حرية حركة رأس المال- أكبر معوق فعلي لحريات الأفراد النظيفة في مجال العمران الاجتماعي والسياسي، أما حريات الهبوط والتدهور الفردي والجماعي فهو يرحب بها، بل ويشجعها؛ لأنها تفتح المجتمعات أكثر وأكثر للسلع، وتضمن دورة الإنتاج الرأسمالي، عليه نسأل: إذن ما موقفنا العقائدي من الرأسمالية سواء أسسها الفعلية، أو منطلقاتها الفكرية والمبدئية؟
هذا ما سنبحثه في الحلقة القادمة رقم (٤٥) بإذن الله تعالى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل