; في السياسة الشرعية «11» | مجلة المجتمع

العنوان في السياسة الشرعية «11»

الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي

تاريخ النشر الثلاثاء 27-أكتوبر-1981

مشاهدات 97

نشر في العدد 548

نشر في الصفحة 11

الثلاثاء 27-أكتوبر-1981

كيف كان موقف رسول الله -صلي الله عليه وسلم- من الحرفيين والعمال؟

  • عندما جاءت الدعوة الإسلامية، كانت الكلمة تحتل مساحة كبيرة من اهتمامات العرب، وكان لكل قبيلة شاعر يبيع كلمتها في سوق عكاظ، إما مفاخرًا أو هاجيًا، في غضون ذلك ضاعت كثير من الحقوق، وسادت كثير من المظالم، وتكرش الكثير من أرباب الشعر والكلام.

 ومن يدرس الشعر الجاهلي كقيمة سياسية واقتصادية واجتماعية -لا كفن أدبي- يدرك ذلك تمام الإدراك. وجاءت الدعوة الإسلامية والدولة الإسلامية الجديدة في المدينة المنورة، وعلى رأسها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لتلغي كل ذلك وتحاول أن تبني حضارة جديدة تقوم على العمل لا الكلمة، وتطرح في برنامجها عاملًا لا شاعرًا، وتلك قيمة جديدة في وسط الجزيرة الإنساني، كان العرب قبل الإسلام يعتمدون في حياتهم على الرعي والصيد، والنهب والسلب، وحراسة القوافل التجارية الرائحة والغادية بين اليمن والشام، وكانوا يعترفون بل يتباهون في إشعارهم ببعض هذه الأعمال كالنهب والسلب والقتل والسطو، ويزدرون سائر الحرف كالزراعة والصناعة والملاحة والتجارة. وقد استغل أهل الحواضر -وهم قلة- بما أنف منه أهل البادية -وهم الأكثرية- في الجزيرة العربية، فكان منهم الزراع كأهل المدينة، والتجار كأهل مكة، غير إنه بمعنى أشمل ظلت كثير من المهن والحرف مزدراة يعير بها أصحابها.

 فالتميميون -بني تميم- كانوا يعيرون الأزديين بأنهم بحارة، لأن أبناء عمومتهم في عمان كانوا يشتغلون بالملاحة، والقرشيون كانوا يحتقرون أهل المدينة لأنهم زراع. وحين لقي أبو جهل مصرعه في غزوة بدر، لم يأسف على مقتله بقدر ما أسف على انتهاء حياته بيد المسلم الأكار «الفلاح»، إذ يقول وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة: «فلو غير أكار قتلني» أراد به احتقاره وانتقاصه، أي: كيف مثله الأكار يقتل مثله أبو جهل. «انظر صحيح البخاري، جـ5، ص4٦٨‏ كذلك انظر ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، ج١، ص٧». ‏ كذلك قال أبو جهل عندما ارتقى ابن المسعود -الصحابي الجليل- عنقه: «لقد ارتقيت مرتقى صعبًا يا رويعي الغنم» «انظر ابن هشام، جـ٥،‏ ص277»‏ وهو قول يعكس احتقار أبو جهل العربي والقرشي، للإجارة على رعي الغنم، وما أشبه من الإجارات، مثله في ذلك كمثل ما يسمون بـ«أشراف العرب» أي الذين يترفعون عن كل حرفة، أولم يعلم أبو جهل -لعنه الله- ولا أشراف العرب، بأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يرعى غنم أهل مكة، مقابل بضع قراريط «انظر ابن حجر، فتح الباري، ج٤،‏ ص3٤9»، بجانب احتقارهم للعمل والمهن والحرف، كانت العرب تبجل الشعراء الذين يمدحون الناس مقابل الدراهم.

 وجاءت الدعوة الجديدة لتحدث انقلابًا في القيم الاجتماعية، وتلغي إلغاء سائر القيم

الجاهلية المتعلقة بالحرفة والعمل والعمال والمهن. جاءت الدعوة الإسلامية بتصور اجتماعي جديد للعمل والعمال، والمهن والحرف، والصناعات والزراعة، بل وحتى وللشعر، حيث طمحت أن تحوله وتوظفه في التغيير الاجتماعي الذي كانت تنشده، بعد أن كان أداة قبلية في تكريس الوضع الجاهلي المتخلف، لم تقل الدعوة الإسلامية الجديدة بإن العمل الشريف كرامة فحسب، بل رفعته إلى مستوى العبادة والجهاد في سبيل الله، قال صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد رأوا شابًا قويًا يسرع إلى عمله وحرفته: لو كان هذا في سبيل الله، فيقول عليه الصلاة والسلام: لا تقولوا هذا، فإنه إن كان قد خرج يسعى على ولده صغارًا فهو في سبيل الله، وإن كان قد خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين، فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله. «انظر: المنذري، الترغيب والترهيب، ج3، ‏ ص٤».

 ولقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في كل مناسبة يؤكد احترام الدعوة الجديدة للعمل والعمال والحرفة، ولا يستنكف -كما فعل أرباب العرب في الجاهلية- عن القيام بأوضع الأعمال: فكان يغرس النخل بيديه، ويرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويحلب شاته، ويعقل بعيره، ويعلف ناضحه، ويخدم ضيوفه بنفسه، بل ويخدم خدمه، حتى ليقول أنس: خدمته -أي رسول الله- نحو من عشر سنين، فوالله ما صحبته في سفر ولا حضر لأخدمه، إلا وكانت خدمته لي أكثر من خدمتي له «انظر: النويري، نهاية الأرب، جـ ١٨، ‏ص ‎263‏». ولقد أكد القرآن -دستور الدعوة الجديدة- بأن كل أنبياء الله ورسله- كانوا من أصحاب الحرف ومن يبيعون قوة عملهم: إذ عمل زكريا نجارًا، وعمل داود زرادًا ، وعمل موسى أجيرًا، وكل رعى الغنم، كذلك لم يستنكف الإمام علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- وهو ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وزوج ابنته أن يعمل أجيرًا عند يهودي لقاء ثمرات معدودات، فقد روى ابن ماجة عن ابن عباس قال: أصاب نبي الله -صلى الله عليه وسلم- خصاصة، فبلغ ذلك عليًا، فخرج يلتمس عملًا يصيب فيه شيئًا ليغيث به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأتى بستانًا لرجل يهودي، فاستسقى له سبعة عشر دلوًا، كل دلو بثمرة، فخيره اليهودي من ثمره سبع عشرة عجوة، فجاء بها إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-: «انظر: سنن ابن ماجة، ج٢، ‏ ص٤٥». ‏

 حتى حرفة كنس العذرة أي تنظيف الغائط «والتي نسميها عندنا في الكويت: الصوخة» كتب عنها الفقهاء بأنها ضرورة اجتماعية لا بد أن يقوم بها أحد من المسلمين، لأن فيه دفع أذية عن الناس، يقول الكاساني في بدائع الصنائع، ج٤، ‏ ص٨٩:‏ «يجوز الاستئجار لنقل الجيف والنجاسات، لأن فيه دفع أذيتها عن الناس، فلو لم تجز لتضرر بها الناس». خلاصة ما نريد أن نذهب إليه هو أن الدعوة الجديدة من خلال دستورها -القران- ومن خلال داعيتها الأول -صلى الله عليه وسلم- ألغت ونقضت المفهوم العربي الجاهلي القبلي للعمل والحرفة والعمال، ونزعت من المجتمع ترسبات أبو جهل العربية ونفسيته القبلية المريضة، التي كانت سائدة قبل مجيء الدعوة، ذلك لأن الدعوة الجديدة كانت بصدد بناء حضارة جديدة تقوم أساسًا على دعامة العمل، ومن خلال العامل، وتلغي حضارة الكلمة التي كانت تقوم أساسًا على دعامة الشاعر، وشتان بين الحضارتين في ميزان التاريخ.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

156

الثلاثاء 31-مارس-1970

نهايَة دَولَة الشعَراء

نشر في العدد 33

137

الثلاثاء 27-أكتوبر-1970

والشعراء يتبعهم الغاوون

نشر في العدد 243

112

الثلاثاء 01-أبريل-1975

قضّية فكر