العنوان ماذا يدور في جنوب السودان؟ بل ماذا في السودان؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 24-أبريل-1984
مشاهدات 60
نشر في العدد 668
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 24-أبريل-1984
● كيف سيلائم السودان بين نهجه الجديد وارتباطه بمصر من خلال ما يسمى بالتكامل!!؟
مشكلة جنوب السودان كانت ومازالت من أكبر المشاكل التي يعاني منها السودان، ذلك أن فروقًا قائمة بين الشمال والجنوب.
فروق في العنصر البشري - فروق في الدين واللغة أكثر من الفروق القائمة بين أجزاء أخرى من السودان كالشرق والغرب والشمال والوسط، وأن الاستعمار البريطاني اللعين قد لعب دورًا كبيرًا في تعميق الفجوة بين الشمال والجنوب أو بعبارة أخرى أدق بين جنوب السودان وأقاليمه الأخرى بجعل الجنوب منطقة مقفولة على السودانيين الآخرين لوقت طويل من الزمان مما أعطى القضية بُعدًا أكبر.
وهنا لا أريد أن أعرض لسرد تاريخي بعيد للمشكلة، ولكن أريد أن أقف عند التاريخ القريب تاريخ عهد الاستقلال سنة 1956م، فإن أحزاب الأمة والاتحادي التي حكمت أول العهد الوطني قد انشغلت بالصراعات السياسية والمكاسب الحزبية البرلمانية عن مشكلة الجنوب، ولم تنظر إلى مشكلة الجنوب بالوضوح والقوة المطلوبة، ولكن استمرت في صراعاتها التي لم تستطع حسمها إلا بتسليم الحكم للزمرة العسكرية الأولى في نوفمبر سنة 1957م.
ولم تكن الحكومة العسكرية الأولى بأحسن من الأحزاب السياسية، إذ عمدت للحل العسكري دون طرح بدائل أخرى؛ فأقامت الحشود العسكرية الكبيرة في الجنوب لتعجز في النهاية عن توفير الأسلحة المتقدمة والمؤن اللازمة للجيش.
وقام من ذلك مشكلتان رئيسيتان:
أحدها: مطالب عسكرية واسعة بتحسين موقف الجيش بالأسلحة والمعيشة.
والثاني: وهي الأهم أن الجنود الذين كانوا بالجنوب لم يكونوا مشرفين أبدًا بحيث يتركون أثرًا طيبًا للوحدة والوئام وهم أكبر الأفواج التي ذهبت للجنوب.
ثم جاء الحكم المدني ثانيًا سنة 1964م بعد قيام ثورة أكتوبر المجيدة، وكانت المرة الأولى في تاريخ السودان أن يجلس السودانيون على مائدة واحدة للحوار والنقاش في مشكلة الجنوب.
وعلى الرغم من أن مؤتمر المائدة المستديرة سنة 1965م لم يحقق أغراضه المرجوة، إلا أن اللقاء في حد ذاته كان عملًا جليلًا، وكان المؤتمر وقفة شجاعة في طريق الحل، كما أن دخول الجنوبيين لجان الدستور ومناقشتهم للدستور الإسلامي المقترح وقتها وقبولهم به خاصة حزب «سانو» بقيادة وليم دينق - والذي اغتيل بعد ذلك لمواقفه المتفهمة كان ذلك بعدًا آخر له قيمته التي لا تُنسى.
ورجعت الكرة مرة أخرى إلى صراعات المصالح والعدو، والكسب البرلماني بين الأحزاب فجاءت حكومة مايو 1969م بأوجهها المتعددة: الشيوعية والقومية و.... فانشغل الناس في صراع وطني استنفد كل طاقات الناس، وإذا كانت اتفاقية أديس أبابا سنة 1972م التي كانت تحت إشراف الإمبراطور هيلاسلاسي القِس الشهير وعضوية مجلس الكنائس العالمي هي أول حل سياسي يوافق عليه الجنوبيون وترضى به بعض المؤسسات الأخرى، فإنه وإلى حدٍ كبير دخلت القضية في اتجاهات أخرى أكثر تشعبًا وخلافًا بدعوة مجلس الكنائس العالمي الذي اعتبر طرفًا في النزاع و رعاية الإمبراطور هيلاسلاسي لمؤتمر سوداني وطني أو كما هو مفترض: تلكم المتاهات هي:
1- إن بنود الاتفاقية غير معروفة لدى أغلبية السودانيين إلى يومنا هذا.
2- الحكم على الجنوب بأنه مسيحي.
3- ضم جيش الأنانيا الذي كان يقود التمرد للجيش السوداني.
ووجه ذلك أنه إذا لم يكن جنوب السودان مسلمًا فإنه ليس مسيحيًا بل إن كفتي الميزان متساوية كما تقول كل التقارير.
وإذا كانت مشكلة الجنوب بالأمس أوجدها الاستعمار وغذاها فإنه اليوم خلفها هو وأجناده - أعني حركات التبشير المسيحي المرتبطة بالخطط السياسية للدول الاستعمارية، وإن وجودها اليوم أقوى وأوضح.
ولم يصدر قرار واضح شجاع بشأنها إلا قرار حكومة الفريق إبراهيم عبود سنة 1962م بطرد القساوسة والمبشرين بعد رصد حركتهم وإدانتهم، والآن وبعد إعلان الأحكام الإسلامية اعترض مجلس الكنائس العالمي واستنفر جون قرنق الصليبي الشيوعي - شقيق جوزيف قرنق عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني الذي أعدم في انقلاب الشيوعيين الفاشل سنة 1971م استنفر ثلاثة آلاف جندي إلى الغابات ليبدأ حلقة أخرى من التَمَرُّد، وفجأة وفي وسط هذا الجو تقف فرنسا عن العمل في مشروع قناة جو نقلي وتقف أمريكا عن تنقيب البترول في السودان.
إن مشكلة الجنوب كثيرة الأبعاد متعددة الجوانب هي مشكلة تحركها خلفيات كثيرة ككثرة الأبعاد التي تقوم منها المشكلة، أبعاد قبلية إذ العناصر التي تسكن الجنوب تختلف عن العناصر الشمالية، أبعاد سياسية اجتماعية أساسها الجفوة التي غرسها الاستعمار في نفوس أبناء الوطن الواحد.
هي مشكلة مظالم اجتماعية إذا نظرنا إلى الجنوب في وضعه المتأخر هي مشكلة دينية كما تصورها الكنائس بقساوستها وهيأتها، مشكلة تحركها مطامع شخصية وتطلعات للزعامة والقيادة بين أبناء الجنوب، وكل هذه الأبعاد المطروحة تجد تأييدًا كثيرًا من جارات السودان وكل ما يثير هذه المشاكل ويشعل فتيلها لصالح الاستعمار والمعسكرات لجذب السودان، ومع وجود كل هذه الأمور يلحظ الإنسان من الجانب الآخر «وللأسف» فقدان الرؤيا البعيدة لحل هذه المشكلة من جوانبها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فقدان القوة السياسية الفاعلة التي تحقق النماء والاستقرار ووحدة الوطن، فقدان القوة العسكرية التي تحمي الوطن.
إن مشكلة الجنوب أهم من المواصلات والتموين وانعدام السكن، هذه المشاكل التي فقدنا تأثرنا بفقدها لظننا أن العمل قائم لحماية الوطن ووحدة ترابه وخلق تكامل بين جنوبه وشماله.
وفجأة و وسط هذه المشكلات يأتي قرار سبتمبر 1983م بإعلان الأحكام الإسلامية التي أذاعها رئيس الجمهورية.
إن الأحكام الإسلامية هي أهم بنود الجبهة الوطنية، كما أن هذه الأحكام تمثل المنهج الواضح الذي كان مفقودًا من قبل في الحكم أعني هذا المنهج الذي لا ترضى به المعسكرات العالمية: الشرق والغرب وهذه العقيدة والدين لا يرضى بهما الكفر كله، وهذا الاتجاه المحدد لا يرضى به الكثير، لا يرضى به الشيوعيون في روسيا وإثيوبيا والصليبيون في أمريكا وأوغندا الذين يتزعمهم ملتون ابوتي، كما لا ترضى به اليهودية العالمية.
إن خطاب الرئيس نميري في غرة يناير 1984م لم يكن متوقعًا أبدًا بعد إعلان الأحكام الإسلامية، فقد جاء مؤكدًا على بقاء ثورة مايو برموزها وهياكلها وتنظيماتها، بل إن الكثير من الناس يرونه تراجعًا عن الأحكام الإسلامية، ولا زال الناس يسألون كثيرًا وبإلحاح شديد، إذا كان السودان قد ارتبط بمصر في تكامل ثم إن السودان قد نهج نهجًا سياسيًا مخالفًا لمصر.
أين مكان هذا التكامل؟
وهل بإمكان السودان أن يتقدم خطوات إلى الأمام في طريق الأحكام الإسلامية مخالفًا مصر؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل