; في الساحة الإسلامية ثمانية عشر يومًا مع المجاهدين الأفغان (الحلقة الأولى) | مجلة المجتمع

العنوان في الساحة الإسلامية ثمانية عشر يومًا مع المجاهدين الأفغان (الحلقة الأولى)

الكاتب د. نجيب الرفاعي

تاريخ النشر الثلاثاء 11-أكتوبر-1983

مشاهدات 56

نشر في العدد 640

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 11-أكتوبر-1983

بداية الرحلة

في وفد ضمني والأخوة جاسم مهلهل الياسين، وأحمد القطان، وما يقارب من ثمانية أطباء كويتيين، وطبيب فلسطيني، توجهنا بعد أن جمعنا شيئًا من صدقات وزكوات المسلمين في الكويت إلى مدينة بشاور في باكستان، حيث مركز الاتحاد الإسلامي لمجاهدي أفغانستان. لا أخفي مشاعر انتابتني منذ أول أيام الإعداد لهذه الرحلة المباركة، مشاعر الفرح بأنني سأكون من المساهمين بهذا الجهاد المبارك بحملي المال لهؤلاء المجاهدين، هذا الجهاد، الفريضة الغائبة، التي أماتها حكامنا وأمراؤنا أحياها المجاهد المسلم على ثغور وودیان وجبال أفغانستان، ولا أخفى كذلك مشاعر البهجة لتفهم الناس ما يعانيه إخوانهم هناك في أفغانستان، فأخرجوا من صالح أموالهم الشيء الكثير، ليس هذا فحسب بل إن البعض منهم اشترط بأن يكون ماله مخصص للقتال كإعداد المجاهد الأفغاني المسلم بكل ما يحتاجه من سلاح ولباس، وقد تكلف ذلك ألف دينار للمجاهد ، تكفل بإعدادهم عشرون مجاهد بماله، والبعض الآخر لم ينس الأيتام والمعوقين من آثار الحرب المدمرة، والأطفال والمهاجرين فاشترط بناء المدارس والمعاهد والمستشفيات وحفر آبار المياه الحلوة، فجزى الله خيرًا كل من ساهم ولا يزال يساهم في الجهاد الأفغاني، وأذكرهم وأذكر نفسي بالكلمة التي قالها سياف لنا قبل رحيلنا من بشاور: «إنني لا أعتبركم- أيها الإخوة- ضيوفًا عندنا، ولا أموالكم التي أتيتم بها مساعدة لنا، بل يجب أن تعتبروا أنفسكم أنكم إخوة لنا لا يفصل بيننا شيء، إخوة لنا في العقيدة والدين، فكما نحن نجاهد بأنفسنا فأنتم تجاهدون بأموالكم، نحن نقدم الأرواح وأنتم تقدمون الأموال، يجب أن تستشعروا بأن المال الذي يخرج من جيوبكم فرض على كل واحد فيكم، كما استشعرنا نحن النفس التي تجابه أعتى قوى الأرض واجبة، وفرض على كل مجاهد وأذكركم بقول فقهاء المسلمين إنه إذا أوذيت امرأة في المشرق وجب على كل أهل المغرب مساعدتها والدفاع عنها».

وبعد أيها المسلم... إن كنت ممن ينفقون للمجاهدين فأنت في خير وسعادة لا يعلمها إلا الله تعالى، وها هو الأجر الذي ادخره الله لك يوم القيامة بقول المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي رواه مسلم «من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا». وعن أبي مسعود الأنصاري قال جاء رجل بناقة مخطومة فقال هذه في سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة».

 سأنقل إليك- أيها القارئ الكريم- ما فاضت به نفسي أثناء هذه الزيارة المباركة للمجاهدين الأفغان في الفترة من ٥- ٢٢/ ٨/ ١٩٨٣م التي توازي ثمانية عشر يومًا قضيناها مع المجاهدين في مخيماتهم ومعسكراتهم في محافظة غزني المحررة، ومخيمات المهاجرين والأيتام في مدينة بشاور، أسأل الله تعالى أن يجعل ما كتبته مساهمة مني في الجهاد الأفغاني، وأن يقوي ويدعم الاتحاد الإسلامي لمجاهدي أفغانستان وأن يعجل النصر... وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم.

النصارى يجاهدون المجاهدين

في مدينة بشاور وفي المناطق التي يتركز بها المهاجرون تحتل المستشفيات والعيادات التنصيرية- ولا أحب أن اسميها تبشيرية، لأن التبشير لا يكون إلا لدين واحد وهو الإسلام- التي جاءت من دول العالم المختلفة كألمانيا وفرنسا وأمريكا وبريطانيا وغيرها، رقع كثيرة... زودت هذه المستشفيات التي جاءت إلى ساحة الجهاد بنية المساعدة والإنسانية في الوجه الخارجي، ودس السم في العسل في الوجه الداخلي... لا أقول ذلك عاطفيًا ولكن من خلال مشاهدات الأطباء الذين كانوا معنا وشهادة الكثيرين من المسؤولين في الاتحاد، أما الأطباء فهم يقولون: إن الكثير من الأدوية التي تعطى للمريض ليس إلا أدويه مسكنة لا تشفي من الألم والمرض، مع العلم أن الأدوية التي تشفى متوفرة بكثرة!! وأما المسؤولون في الاتحاد فهم يقولون: إن الكثير من الأيدي والأرجل قد بترت دون حاجة حقا وخاصة من الأطباء ذوي الميول اليسارية المندسين بين هذه المستشفيات!!

فهل لمس الأطباء المسلمون في العالم هذه الحقيقة؟ وهل سيرى الاتحاد وفود إخوانه في العقيدة من الأطباء المسلمين يأتون مجاهدين بسماعاتهم ومشارطهم وأدويتهم إلى ساحة الجهاد للمساهمة في الجهاد الأفغاني أم ستظل الساحة خالية إلا من أصحاب عقيدة التثليث يعيثون في مرضى المجاهدين والمهاجرين الفساد؟!

 أما حان- أيها الطبيب المسلم- أن تقدم زكاة علمك وخبرتك إلى إخوانك المجاهدين؟ يقول سياف: «إن بعض إخوانكم دخلوا إلى مستشفى نصراني واستاءوا مما رأوا وجاءوا إلي مستائين، كيف أمثال هؤلاء موجودون بينكم؟ قلت لهم: إن عدم وجودك ووجود الإخوة المؤمنين، سواء أطباء أو مدرسين قد أتاح الفرصة لهؤلاء واستغلوا حاجات المجاهدين، إن المجاهد حينما يصاب بعوار في الرأس يبحث يمنة ويسرة ولا يجد من يقدم له حبة الأسبرين سوى هؤلاء النصارى!! نحن أوصلنا هذه الصرخة لحكام المسلمين ورعاياهم أكثر من مرة، وأكثر من ذلك لا نملك شيئًا.. إن الإخوة الأطباء يؤدون زكاة علمهم بمجيئهم إلى هنا، ولو أن أحد الأثرياء العرب خصص استعداد حفلة زواج ابنه أو ابنته للمجاهدين لكفاهم عشر سنين»!!

فكرة للجهاد في المال

قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (سبأ: ٣٩).

وقال المصطفى صلى الله عليه وسلم:

«أفضل دينار ينفقه الرجل، دينار أنفقه على عياله ودينار أنفقه على أصحابه في سبيل الله ودينار أنفقه على دابته في سبيل الله» رواه مسلم.

أثناء زيارتنا لجمعية الهلال الأحمر الكويتي في بشاور شاهدنا ازدحام المهاجرين عند بوابة الجمعية، وعند سؤالنا عن سبب هذا الزحام أجاب المسؤولون إن هؤلاء ينتظرون دورهم في توزيع الخيام، والخيمة الواحدة تكلف ثلاثين دينارًا أو ما يقارب المائة دولار... فهلا أرسلت- عزيزي القارئ- خيمة أو أكثر للمهاجرين تؤويهم بها من حر الصيف وقساوة برد الشتاء؟

جعلني الله وإياك من المنفقين... «لجنة الزكاة والخيرات في جمعية الإصلاح الاجتماعي تستقبل مثل هذه التبرعات، اكتب الشيك باسم اللجنة وأرسله على عنوان مجلة المجتمع ص. ب ٤٨٥٠ مع الكتابة على الظرف الخارجي لجنة الزكاة والخيرات- مشروع الخيام للمهاجرين الأفغان».

 

من أخبار الجهاد في أفغانستان

١- رد المجاهدون على هجوم شنته القوات الروسية المعتدية والكارملية العميلة على مناطق باباجي وسبين مسجد التابعة لمحافظة هلمند في ٢٣/ ٩ واشترك في هذا الهجوم (۲۰۰) دبابة ومدرعة و(۱۰) هليكوبتر و(٤) طائرات ميغ مقاتلة، وذلك بهدف الاستيلاء على هذه المناطق التي كان المجاهدون يسيطرون عليها منذ شهور عديدة، ولكن المجاهدين قاوموا هذا الهجوم ببسالة، وكبدوا العدو خسائر فادحة في الأرواح والمعدات وكانت خسائر العدو كالتالي:

تدمير عشر دبابات روسية، قتل (۸۱) من الشيوعيين من حزبي «خلق وبرتشم» العميلين، وخمسة من جنود الروس الملحدين، وأسر (٤) من المستشارين العسكريين لحكومة كارمل العميل، هذا وقد استشهد في هذه المعركة عشرة من المجاهدين.

٢- حاصرت القوات الغازية قرية كريم خان الواقعة في مديرية شيندند التابعة لمحافظة هرات في أواخر الأسبوع الماضي، وهاجمتها بالصواريخ والمدافع بعيدة المدى مما أدى إلى استشهاد (٢٦) من أهالي تلك القرية، ومعظمهم من الأطفال والنساء وواحد من المجاهدين، بالإضافة إلى تدمير عدد من المنازل والبيوت السكنية، وقد رد المجاهدون على هذا الهجوم ردًا بطوليًا، وكبدوا العدو (۳۹) قتيلًا ودمروا ثلاث دبابات حتى أجبروه على التراجع والانسحاب من تلك المنطقة.

٣- في عملية أخرى قام المجاهدون في منطقة غوريان غربي مدينة هرات، وتمكنوا من تدمير (۸) دبابات ومدرعات وإرسال عدد من الروس الملحدين إلى جهنم، وذلك يوم الثلاثاء الماضي.

٤- هاجم المجاهدون قافلة روسية في مدخل وادي لوجر الواقع على بعد (۳۰) كيلومترًا جنوبي العاصمة كابل، وذلك بتاريخ ١٦/ ٩ سبتمبر، واستمر الهجوم ثلاثة أيام منعوا خلالها القوات الروسية من إيصال الإمدادات العسكرية إلى ولايتي بكتيا وبكتيكا الواقعتين على الحدود بين باكستان وأفغانستان، وأجبروها على التراجع وذلك بعد أن كبدوها خسائر فادحة في الأرواح والمعداتالحربية، وتقول مصادر مطلعة إن إيصال الإمدادات تتم بعد هذه العملية عن طريق الفضاء بواسطة هليكوبتر في هاتين المحافظتين.

٥- أحرق المجاهدون دبابة روسية وقتلوا من فيها من الأفراد في سلسلة هجماتهم ضد القوات الغازية في محافظة نيمروز، كما هدموا موقعين للعدو بمديرية كنغ في تلك المحافظة، وقتلوا ثمانية جنود من أعداء الله، ولم يصب أحد من المجاهدين بأي أذى في تلك العملية.

٦ - تؤكد التقارير الواصلة من أفغانستان أن نجاحات المجاهدين على القوات المشتركة الروسية والكارملية في جميع الجبهات، والتي تزيد يومًا بعد يوم، وفي نفس الوقت هروب الجيش الأفغاني من الضباط والجنود من قواعدهم العسكرية وانضمامهم للمجاهدين دفع العدو لتكثيف حملاته الجوية على مواقع القوات الأفغانية، لمنعهم من الفرار والانضمام إلى المجاهدين، وفي إحدى هذه الهجمات قصفت الطائرات الروسية مواقع للجيش الأفغاني قرب مدينة جرديز مركز محافظة بكتيا، وطبقًا للأخبار الواصلة هرب جميع الجنود من معسكر خوست خلال الشهر الماضي، واستسلم جميع أفرادها للمجاهدين، في الوقت الذي وقعت مدينة أرغون الواقعة جنوبي معسكر خوست في ٢٣ سبتمبر، تحت حصار المجاهدين، ويضيف الخبر نفسه بأن طائرات الهيلوكوبتر الروسية تواجه صعوبات في النزول في هذه المدينة، بهدف إيصال الإمدادات للمعسكر الواقع تحت حصار المجاهدين، ومن ناحية أخرى استسلمت وحدة عسكرية في منطقة جاجي الواقعة شمالي محافظة بكتيا بجميع عتادها الحربي للمجاهدين، وتستمر الحرب حاليًا مع وحدة أخرى في تلك المنطقة، وتقول التقارير بأنه على الرغم من القصف العشوائي في تلك المنطقة سواء على الثكنات العسكرية للجيش الأفغاني أو على مواقع المجاهدين فلم تتمكن من منع المجاهدين من استمرار الحرب ضد القوات الروسية، وأن هذا المعسكر على وشك السقوط بيد المجاهدين.. أليس الصبح بقريب.. ألا إن نصر الله قريب.

الرابط المختصر :