العنوان المؤامرة الشرسة على إندونيسيا وباكستان وبنغلادش وماليزيا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 09-أبريل-1985
مشاهدات 99
نشر في العدد 712
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 09-أبريل-1985
ازدادت اهتمامات الغربيين بالشرق الإسلامي منذ بداية السبعينيات حيث انعقدت المؤتمرات وأقيمت الندوات وأعدت الدراسات حول الشعوب الإسلامية ووصل الأمر ببعض دوائر المخابرات الغربية والشرقية أن طلبت من المختصين فيها دراسة نشاطات الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي ومراقبتها عن كثب حتى لا يفاجأ العالم باندلاع ثورة إسلامية في أي مكان من العالم الإسلامي. ومن هنا يدرك القارئ الكريم لماذا ضربت الحركات الإسلامية في سوريا ومصر وليبيا والمغرب والسودان وغيرها.. وفي مقالنا هذا نقدم خلاصة لإحدى هذه الدراسات التي تتعرض لأحوال المسلمين في جنوب شرق آسيا وبالتحديد في البلدان الرئيسية الأربعة في تلك المنطقة وهي ماليزيا وإندونيسيا وبنغلاديش وباكستان حيث سيدرك القارئ بنفسه شراسة المؤامرات والمكائد التي تدبر بحق المسلمين في هذه الدول لمنعهم من التطلع نحو غد مشرق تحكمه شريعة السماء ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال:30)
يبلغ تعداد المسلمين في جنوب وجنوب شرق آسيا ۳۳۰ مليونًا موزعين على أربع أقطار إسلامية هي: إندونيسيا ماليزيا، باكستان وبنجلاديش. وتحكم هذه الدول حكومات ذات صبغة عسكرية وتعلن أنها تحكم وفقًا للشريعة الإسلامية. ولكن الأحزاب المحلية الإسلامية القائمة في هذه الدول تنفي ذلك تمامًا وتعلن أن حكوماتها التي تتشدق بالإسلام هي أبعد ما تكون عنه كما تعلن هذه الأحزاب أيضًا أن أخشى ما تخشاه حكوماتهم هو الإسلام إذ أنه السيف المسلط عليها وأنها لو طبقته لكشف مساوئها وعزلها عن الحكم.
والحقيقة التي لا بد أن يعرفها الجميع أن نظم الحكم في تلك البلاد لا يمكنها مواجهة هذه الأحزاب الإسلامية علنًا ولذلك تلجأ تلك الحكومات إما إلى استقطاب هذه الأحزاب الإسلامية أو تحريف آرائها ومبادئها لإظهارها بأنهم يسيئون إلى الإسلام.
وللإسلام في هذه الدول ثلاثة وجوه:
۱- الإسلام كنظام يجب أن يسخر لخدمة الحكام
2 - الإسلام من وجهة نظر علماء الدين
3-الإسلام كنظام للإصلاح لا بد أن يستغله المجاهدون لإصلاح الدولة.
ومن الناحية النظرية نرى أن كلا من العلماء والمجاهدين لهم هدف مشترك يتمثل في إقامة مجتمع إسلامي يؤدي إلى ظهور الدولة الإسلامية رغم الاختلاف في الناحية العملية.
أما عن الطبقة الأولى طبقة الحكام المسلمين، فهل تشمل وزارات الشئون الإسلامية بالإضافة إلى نخبة من الموظفين وبعض أعضاء من المنظمات الدينية.
وأما الطبقة الثانية وهي طبقة العلماء فهي مجموعات دينية مثل جماعة نهضة العلماء في إندونيسيا والحزب الإسلامي أو PAS في ماليزيا، وحزب الجامعة الإسلامية ومنظمتان للعلماء في باكستان، وثلاثة أجنحة منشقة من حزب الجامعة الإسلامية وحزب الجامعة الديموقراطية الإسلامية في بنجلاديش.
العاملون الحقيقيون للإسلام:
إن الطبقة الثالثة وهي طبقة المجاهدين من أجل الإسلام في إندونيسيا يمثلها كثير من الأحزاب.
حزب مس جومي القديم «تغير اسمه الآن» وهو تحت قيادة محمد تنصير حزب مجموعة من الرجال والنساء لها اتصالها بمسجد سليمان ومرتبطة بجامعة باندونج للعلوم التطبيقية، حزب رابطة المدارس والجامعة، حزب المنظمة المحمدية التعليمية ذات الانتشار الواسع، وجمعيات كونفدرالية انبثقت من نوادي الشباب الملحقة بالمساجد.
وفي ماليزيا هناك حركة الشباب «أبيم» التي يقودها أنور إبراهيم والجناح الشاب من حركة PAS. وفي باكستان وبنجلاديش يوجد حزب جماعات إسلامي وكانت حركة موحدة تحت قيادة المرحوم أبو الأعلى المودودي ولكنه انفصل الآن وأصبح كل حزب قائم بذاته ويعمل في السر خاصة في جو بنجلاديش العسكري، وهذا الحزب سواء في باكستان أو في بنجلاديش يعد حزبًا سياسيًا.
وقد أعلن حكام كل من إندونيسيا وماليزيا رسميًا أنه لا بد من فصل الدين عن السياسة. أما في بنجلاديش فهناك مادة في الدستور تنص على أن الإيمان بالله هو الأساس لأي عمل نقوم به.
وفي باكستان قام الجنرال ضياء الحق ببعض الإصلاحات الإسلامية ولكن حزب المجاهدين الجديد يرى أن السلطات الاستبدادية التي يتمتع بها ضياء الحق لا تؤهله لأن يكون حاكمًا مسلمًا شرعيًا.
وتلجأ الحكومات الإسلامية لأساليب الضغط والقمع وذلك لأنها راغبة في تلبية الرغبات الدنيا لهذه الجماعات المجاهدة. وفي إندونيسيا التي هي أكبر دولة إسلامية في العالم يقف المجاهدون موقف الدفاع ضد الهجمات الشرسة التي تشنها عليهم الحكومة، ومن الوسائل الفعالة التي تستخدمها الحكومة تقليل عدد المسلمين الرسمي، فالكل يعلم أن 90% من سكان إندونيسيا مسلمون، ولكن الحكومة لتقليل هذه النسبة تلجأ إلى حيلة عجيبة غير منطقية: فكل فرد لا يستطيع قراءة القرآن يعتبر غير مسلم. وبما أن الأمية منتشرة في هذا البلد فلك أن تتصور نسبة المسلمين في هذا البلد طبقًا لهذه الحيلة.
تعتيم وتضليل:
لقد اندمجت الأحزاب الإندونيسية الإسلامية الأربعة في حزب واحد سمي الحزب التقدمي المتحد. ولقد منع هذا الحزب في ثلاثة انتخابات نيابية سابقة، من حقه في إصدار معطياته الإسلامية وبالتالي حرم من إقامة دعاية انتخابية خاصة به وأعلنت الحكومة أنها بذلك تطهر القوائم الانتخابية، وتم تصفية مرشحي الحزب وفي عام ۱۹۷۱ تم ذلك لثالث مرة كما تم التلاعب في عمليات فرز الأصوات بعد الانتخابات إلا أنه بالرغم من هذه العوائق فقد بذل حزب التحالف الإسلامي ما في وسعه وحصل على ٩٦ مقعدًا من أصل ٤٦٠ مقعدًا في انتخابات عام ۱۹۷۷ وكذلك في عام ۱۹۸۲.
وهناك وسيلة ثالثة تلجأ إليها الحكومة الإندونيسية لكبح جماح الجماعات الإسلامية ألا وهي الدعم الرسمي الذي تقدمه الحكومة للديانات الأخرى حتى تتمكن «الحكومة» من مواجهة هذا التيار الإسلامي. فشجعت الحكومة الديانة الواسعة الانتشار والتي يقام لها دعاية عثمانية ضخمة ألا وهي الديانة المسماة بـ «بانكاسيلا» Pancasila «وهي أيديولوجية غامضة تتبناها الحكومة». كما قامت الحكومة ببعث الديانة البوذية وأنشأت منظمة سياسية شعارها إحياء الديانة الهندوسية المعتدلة والقائمة في جزيرة بالي وتستطرد الحكومة في تدعيم الديانات الأخرى حتى تقف في وجه التيار الإسلامي فتقوم بتشجيع إحدى الديانات المسماة كابيتينن «Kebatinann» ، وهذه الديانة خليط من الأرواحية والصوفية وتحضير الأرواح.
و يقال إن هذه الأخيرة هي عقيدة يؤمن بها الرئيس سوهارتو شخصيًا بالإضافة إلى عدد آخر من كبار الجنرالات.
نشاط تبشيري واسع في إندونيسيا
وقد استغل المسيحيون مناصرة الحكومة لجميع الديانات التي تقف في وجه الإسلام أحسن استغلال فازداد عدد الكنائس إلى أربعة أمثالها، وتضاعف عدد السكان المسيحيين في الـ ٢٠ سنة الأخيرة. وأصبح للبعثات التبشيرية المسيحية شبكة من الخطوط الجوية ومهابط للطائرات تغطي إندونيسيا كلها، ويبلغ عدد هذه المطارات في مقاطعة واحدة فقط، واحد وأربعون مدرجًا ويعتمد الرئيس سوهارتو على هذه الأقلية المسيحية في تنفيذ مآربه، وكذلك فهو يعينهم في مناصب رئيسة مثل نائب رئيس أرکان حرب الجيش الإندونيسي، رئيس المخابرات وزير التنسيق لشئون السياسة والأمن.
وفي ماليزيا هناك بعض أوجه التشابه مثلما يجري في إندونيسيا، فالمواطنون المدنيون والضباط العسكريون في إندونيسيا يلقنون الديانة ال Pancasila وكذلك في ماليزيا تقام لهم دورات في هذه الأيديولوجية المسماة Rukunegara
وفي الشئون السياسية هناك معركة غير متكافئة بين المنظمة القومية للاتحاد الماليزي الحكومية (UMNO) وبين منظمة PAS الحزب الإسلامي الرشيد «المعارض».
وهناك قيود على أي نوع من أنواع النشاط السياسي في ماليزيا، فالاجتماعات السياسية محظورة إلا إذا كان الخطيب هو أحد الوزراء كما أن منظمة الشباب Abim محظورة كحزب سياسي، وجمد نشاطها، ولا يسمح للطلبة بالانضمام إليها، وترفض كل التماساتها لإقامة أي اجتماع أو ندوة ولا يسمح بتوزيع مجلتها على نطاق واسع. وحكم بالسجن بدون محاكمة على السيد / أنور إبراهيم رئيس الحزب لمدة سنتين كما يتم إبعاد أو طرد كل شخص يشتبه في انتمائه إلى هذه الجماعة سواء كان موظفًا أو مدرسًا... وإضافة لكل ما سبق هناك نداء لحظر هذه الحركة «Abim» وكذلك حظر الحركة الإصلاحية المسماة «Aliran» التي تتمركز في مدينة بينانج رغم الاعتراف بأن أعضاءها الـ 20 من ذوي العقليات الخلاقة.
محاولات لإيقاف الحج:
نتيجة لاقتناع حكومات هذه الدول الأربعة بأن الحج أرض خصبة لتبادل الأفكار والآراء فقد بدأت هذه الحكومات في تقليص عدد الحجاج المسلمين من القيام بأحد أركان الإسلام الخمسة «الحج» متذرعة في ذلك بحجج واهية. فمثلًا ادعت حكومات كل من باكستان وبنجلاديش أنهما تعانيان من قلة العملة الصعبة اللازمة للحج. أما في إندونيسيا فقد رفعت الحكومة أسعار حملات الحج بحيث أصبح الحج باهظ التكاليف وكذلك وضعت الحكومة الإندونيسية العراقيل أمام استخراج الأوراق اللازمة للقيام بعملية الحج، عن طريق اختيارها موظفين مشهودا لهم بسوء الذمة والفساد للإشراف على الأعمال الإدارية في وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية مما زاد الطين بلة
وفي جميع هذه الدول الأربع أيضًا أصبحت صلاة الجمعة تقام تحت إشراف الحكومة وبأمر منها. وهكذا أصبحت خطبة الجمعة وكذلك الخطب التي تلقى في المناسبات الدينية تعد من قبل الحكومة. وقد وقعت اتفاقية بين ماليزيا وإندونيسيا للتعاون من أجل مواجهة النفوذ الإسلامي في البلاد.
ولا زالت الأمثلة كثيرة عن المواجهة التي تتم بين الحكومات في الدول المسلمة الأربع وبين جماعات المجاهدين، وتلجأ حكومات هذه الدول إلى المزايدة بالإكثار من بناء المساجد، ففي عام ١٩٦٧ كان لدى ماليزيا ۲۰۰۰ مسجد بواقع مسجد واحد لكل ۳۰۰۰ شخص، وفي العشر سنوات التالية أي من ١٩٦٧ حتى ۱۹۷۷ تم بناء ۲۰۰۰ مسجد آخر، وساهمت التبرعات الشعبية في هذا العمل. ولكن المفارقة هنا أن عدد السكان المسلمين يصل إلى نصف التعداد العام للدولة. فلماذا كل هذه المساجد؟ إنها المزايدة!! وتدعي كل من كوالالمبور وإيبوه «Ipoh» أنه سيكون لدى كل منهما أعظم مجمع إسلامي في جنوب شرق آسيا. وفي كل من باكستان وبنجلاديش أيضًا نجد أن الحركة لبناء المساجد قائمة على قدم وساق وأنها الشغل الشاغل للحكومة كما يلاحظ مثلًا أن المسجد الجديد المقام في إسلام آباد به أعلى مئذنة في العالم!! وهكذا تتخذ هذه الحكومات من بناء المساجد ستارًا تخفي به حربها ضد الجماعات الإسلامية.
وهناك عمل آخر تقوم به الحكومات في تلك الدول وهو إبراز الصور المضيئة في الإسلام، ففي الإذاعة والتليفزيون تذاع الأحاديث الإسلامية التي تهاجم الخمر والمخدرات والفرق الموسيقية. وتطالب وسائل الإعلام البنات بارتداء الملابس الطويلة ولا تشجع التعليم المختلط وتنفق إندونيسيا وماليزيا الكثير في مسابقات حفظ القرآن الكريم باللغة العربية التي لا يفهمها أحد هناك.
وبعد، فإننا نأمل من حكومات الدول الإسلامية في جنوب شرق آسيا وغيرها أن تتفهم حقيقة ما يطالب به المسلمون اليوم ألا وهو تطبيق شرع الله بصدق وإخلاص وتجرد وأن ترفض وبشدة ادعاءات الغرب والشرق التحريضية ضد دعاة الإسلام المخلصين العاملين لأنه لا نجاة لنا من هذا الواقع المزري الذي تعيشه الشعوب الإسلامية ولا مخرج من دياجير الظلمة والجهالة إلا بالعودة لأصول الإسلام الصحيحة ففيها الهناء والطمأنينة والتقدم.. فهل تعي حكومات المسلمين هذه الحقيقة نرجو أن يتم ذلك.