; السودان: انقلاب، ثورة، حركة | مجلة المجتمع

العنوان السودان: انقلاب، ثورة، حركة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 16-أبريل-1985

مشاهدات 91

نشر في العدد 713

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 16-أبريل-1985

  • لا خلاص من هذا التيه إلا بالرجوع إلى الأصول واتخاذ الإسلام شرعة.
  • نخشى على السودان تلك المهاترات الرخيصة والتكالب على الكراسي من أجل المصلحة الذاتية.
  • الأحزاب التقليدية في السودان ترتكب جرمًا كبيرًا بدخولها مع الشيوعيين في حلف.

 ما حدث في السودان الأسبوع الماضي أهو انقلاب، أم ثورة، أم حركة؟ 

     لو قلنا إنه انقلاب فذلك صواب؛ إذ إن الذي حدث هو أن وزير دفاع النميري وقائد جيشه أعلن -في غيبة رئيسه في رحلة خارج البلاد، وهو في طريق العودة- أنه أطاح بالرئيس الغائب، واستلم السلطة، وهذا الأسلوب هو أسلوب الانقلابات العسكرية الكلاسيكية، ولا سيما وأن جميع أعضاء المجلس العسكري هم من كبار الضباط وقائمة التشكيل تؤكد أن وضعهم حسب الأقدمية في الترتيب. 

     لو قلنا إن ما حدث ثورة فإننا نقول نصف الحقيقة؛ ذلك لأن ثورة شعبية حقيقية كانت قد اندلعت في السودان سماها البعض بأنها ثورة خبز، ولكنها في حقيقتها كانت ثورة حرية وخبز في آن واحد، وقد قاد هذه الثورة طلاب جامعة أم درمان الإسلامية، وانضم إليهم طلاب الجامعات والمدارس والنقابات المهنية فيما بعد، ولحقت بهم الأحزاب أخيرًا. 

     إذًا الانقلاب جاء نتيجة لثورة الشعب البطل، ولو أنهم الضباط ليسوا بثوريين، وإنما منقذون إن صح هذا التعبير. 

     ونستطيع أن نقول إنها حركة؛ لأن قائد الانقلاب الفريق أول عبد الرحمن سوار الذهب سماها في مؤتمره الصحفي بحركة ١٦ رجب، فهل معنى هذا أن ثورة + انقلاب= حركة؟ وربما هذا الوصف هو الذي جعل بعض المحللين السياسيين يشبهون الفريق سوار الذهب بالمرحوم محمد نجيب؛ إذ إن محمد نجيب كان يسمي ما قام به في ٢٣ يوليو بالحركة المباركة، فهل حركة سوار الذهب حركة مباركة، أم حركة مباركية؟ بمعنى أن مصر حسني مبارك لها يد، أم هي حركة بدون وصف معين؟ 

حركة إنقاذ: 

     يبدو لي -والله أعلم- أن ما قام به الضباط الكبار في السودان هو حركة إنقاذ في مجملها؛ إذ إن الوازع الوحيد الذي حركهم صباح السبت السادس عشر من رجب هو إنقاذ الموقف الصدامي بين نظام وضح أنه مرفوض جملة وتفصيلًا من الشعب بجميع فئاته وطبقاته، وبين الجماهير المضربة المتظاهرة المنقطعة عن العمل والإنتاج، مما جعل الحياة قريبًا من عذاب الجحيم، فوضى في كل مكان، رئيس غير مسئول غادر وطنه مع بداية الأحداث إلى بلد يبعد أكثر من عشرة آلاف ميل، ونائبه المكروه من الجيش عاجز عن التصرف السليم، وتنظيم الرئيس السياسي الاتحاد الاشتراكي لم يجد ما يفعله إلا الإعداد لموكب هزيل، سار فيه من وصفهم الرئيس المخلوع «بالشماسة» وجهاز الأمن يزرع أرض السودان رعبًا. 

     وفي الجانب كل الشعب مجمع على العصيان المدني والامتناع عن العمل مبديًا استعداده على التضحية بمليون شهيد لعهد جديد، فعاشت العاصمة المثلثة أيامًا حالكة السواد بلا مواصلات، ولا كهرباء، ولا طعام، منقطعة عن العالم كليًا. 

     فكان لا بد لكبار الضباط أن يتحركوا فهم ليسوا نبتًا غريبًا عن الشعب، ولا هذه هي المرة الأولى التي يشعرون بواجبهم نحو شعبهم، فقد حدث أن توجه أكبر (۲۳) ضابطًا في القوات المسلحة بقيادة الفريق أول عبد الماجد حامد خليل للاجتماع بالنميري إثر مظاهرات يناير1982مباشرة، ووجهوا له كلامًا قاسيًا، وطالبوه بإصلاح الفساد، وإبعاد حاشية السوء من حوله وأكثرهم من أقربائه الأقربين مما كان من النميري إلا أن أقالهم في نفس الساعة وهم في طريقهم إلى بيوتهم، وهذا أسلوب غير كريم مع ضباط عظام جاؤوا لنصحه في إطار من الشرعية والقانون، فصار جزاؤهم جزاء سنمار. 

الجندية والسياسة: 

     قال أفلاطون قديمًا «إذا اشتغل الجند بالسياسة أفسدوا الجندية والسياسة معًا» وصدق الرجل فيما قال؛ فهذه حقيقة قديمة قدم التاريخ، وقد تخلصت أوربا وبعض البلاد من حكم العسكر، ولكن كثيرًا من بلاد العرب والمسلمين ابتلوا «بالعسكرتاريا» بعد أن سن عبد الناصر المعاصي وعلمهم مفارقة الثكنات، فصار الجند هم الحكام، وهم السياسيون، وهم الاقتصاديون، وهم الزراعيون، وتركوا الجندية والدفاع عن حدود الوطن؛ فأصبحت طلقاتهم كلمات، وكلماتهم طلقات، والغريب العجيب أنهم جميعًا جاؤوا لتحرير فلسطين، وما ضاعت فلسطين كلها ومعها بعض أوطان العرب أو كلها إلا على أيديهم، أليس الكل إما عرب أمريكا أو عرب روسيا؟

 فلسطين كم من الجرائم في حق الشعوب ارتكبت باسمك؟ 

لون الحركة: 

      حركة ١٦ رجب في السودان ما لونها وما طعمها؟ أهي حقًا حركة أمريكية مباركية كل ما فيها استبدال حاكم مكروه بآخر مقبول الامتصاص نقمة الشعب، أم هي حركة وطنية استشعر الضباط واجبهم نحو مواطنيهم فتحركوا قبل أن يستفحل الأمر؟

     مهما يكن من أمر فإن المراقب المحايد لا بد أن يقرر أن ما حدث خطوة نحو الأحسن وفق المعطيات الأولوية والمعلومات القليلة المتوفرة، وأن ما حدث هو أحسن احتمال سيئ كان متوقعًا. فكان متوقعًا: 

1- أن يرجع النميري إلى الخرطوم فيحدث صدام دموي بين أسلحة الجيش المختلفة فيما بينها وبين الشعب وجهاز الأمن ومؤيدي الرئيس من الجيش أيضًا، فيدخل السودان في أتون حرب أهلية، لا يعلم مداها إلا الله. 

2- أن يتسلم السلطة نائبه الأول عمر محمد الطيب رئيس جهاز الأمن، أو أبو القاسم محمد إبراهيم، وكلاهما لا يقلان سوءًا عن النميري، بل في اعتقادي أنهما أسوأ بكثير منه. 

3- أن يتقدم ضباط صغار من أصحاب اليسار أنصار العقيد القذافي، أو الشيوعيون، ويستلموا الإذاعة، ويطلبوا نجدة عاجلة من القذافي أو أثيوبيا، فيأتي الكوبيون والروس من هناك لدعمهم فيتحول السودان إلى تشاد أخرى أو أفغانستان. 

4- أن يأتي العقيد الصليبي الشيوعي الجنوبي جون قرنق الذي تلقى تعليمه الأكاديمي العسكري في أمريكا، وتدريبه الميداني في إسرائيل، فيمثل دور سمير جعجع في السودان مما كان سيجعل السودان لبنان العرب الثاني. 

5- الاحتمال الخامس أن يحدث ما حدث في أكتوبر عام ٦٤ من تسليم للسلطة للمدنيين فورًا، فيحدث الاضطراب والفوضى كما حدث سابقًا، ويأتي وزراء ضعاف ينقادون بسهولة لأي تنظيم يساري مهرج كما حدث لوزراء جبهة الهيئات، فكاد السودان أن يقع فريسة في يد الشيوعيين لولا أن تداركتنا عناية الله، فوفق الشهيد محمد صالح عمر الوزير الإسلامي في تلك الحكومة القومية لكشف ألاعيب الشيوعيين. 

     إزاء هذه الاحتمالات التي أحلاها أمر من كل مر لا يسعنا إلا أن نقول إن الذي كان خير مما كان سيكون. 

خرافة المستبد العادل: 

     بید أننا ومن منطلق إسلامي صحيح نتقدم بالنصح الشرعي الواجب في مثل هذه المواقف، ونطلب من رجال الحركة الجديدة ما يلي:

1 - أن يعملوا على إبعاد الجند عن السياسة فيكون الجيش لكل الشعب يحمي حدوده ووحدته الوطنية. 

2- أن يعملوا على نقل البلد من الحكم الاستبدادي السابق إلى حكم شوری صحيح وفق ميثاق إسلامي يضمن الحريات الأساسية لكل الشعب على اختلاف طبقاته ومعتقداته الدينية. 

3- الإبقاء على القوانين الإسلامية وعدم مساسها، والعمل على تجاوز السلبيات التي رافقت التطبيق، وإضفاء المزيد من الطابع الإسلامي على الحياة مع مراعاة المرونة. 4- إتباع السياسة العمرية «لين في غير ضعف وشدة في غير عنف» مع الشمال والجنوب. 

     يقال إن الإمام محمد عبده قال: «لا ينهض الشرق إلا بمستبد عادل» وروج لهذه المقولة أنصار عبد الناصر لسوق التبريرات لأسلوب حكمه، وبصرف النظر عن صحة نسبة هذا القول للشيخ محمد عبده فإنه قول فاسد بكل المقاييس عقلًا وشرعًا؛ إذ إن الاستبداد والعدل نقيضان لا يجتمعان في قلب إنسان. 

     لم يمتلئ الشرق بالمستبدين كما امتلأ اليوم والأمس، فهل من يشير إلى عادل «تلك بيوتهم خاوية بما ظلموا». 

     فحذار من بطانة الشر الذين يزينون سوء الأعمال للحكام، وحذار من الوسواس الخناس من الناس الذين يوسوسون بمقولة «المستبد العادل» وحذار من نية المكوث في السلطة إلى الأبد؛ فإن للكرسي سحره، والحرص عليه أذل أعناق رجال. 

وليكن شعاركم «لو دامت لغيرك ما اتصلت إليك». 

تحديات وابتزاز: 

     في أول أيام الحركة واجه القائمون بحركة ١٦ رجب ضغوطًا وابتزازًا مما يسمى بتجمع أحزاب الأمة، والاتحاد الديمقراطي، والحزب الشيوعي، فقد أفادت أخبار الخرطوم أن هؤلاء قد قدموا طلبًا إلى الفريق أول سوار الذهب بإلغاء القوانين الإسلامية، والرجوع إلى دستور (٥٦) المعدل في عام ٦٤، وهو الدستور الذي وضعه الإنجليز لنا عند الاستقلال. 

     مفهوم أن يطلب الشيوعيون هذا، أما أن يطلب حزب الأمة والاتحاد الديمقراطي إلغاء القوانين الإسلامية فهذا هو غير المفهوم؛ فالحزب الشيوعي حزب إلحادي، فلسفته إنكار الأديان وإنكار الإله، أما الحزبان الآخران فهما مؤسسان على طوائف دينية، فالأنصار طائفة دينية والهيمنة الروحية باسم الإسلام هي التي تسير الأتباع، وحزب الأمة هو الواجهة السياسية لطائفة الأنصار، والختمية طريقة صوفية وطائفة دينية تعمل بالسياسة متحدة مع أتباع شيخ الطريقة الهندية الشريف الهندي، وواجهتهم السياسية هي الحزب الاتحادي الديمقراطي، وأتباع هذه الطوائف والطرق هم رهن إشارة شيخ الطريقة في الانتخابات، وبالإشارة فقط يفوز الفحامي على المحامي كما هتفوا بذلك مرة. 

     والسؤال الآن: كيف يرفض هذان الحزبان الطائفيان أمر الإسلام، وينجرفان بلا ترو ولا رؤية مع دعاوى الحزب الشيوعي الإلحادي؟ أنسوا أنهما حزبان تبعهما الأتباع للعاطفة الدينية؟ أنسوا أن تحقيق الدستور الإسلامي كان من برامج ومبادئهما، أم كان ذلك نفاقًا؟ أنسي رئيسا الحزبين السيدين الصادق المهدي، وزين العابدين الهندي أنهما أتيا بالوراثة؟ هل لو كانا ابني أبوين عاديين تبوءا سدة الزعامة؟ اتقوا الله، حتى لو تكون عاقبة أمركم خسرًا. 

     حسنًا فعل أصحاب حركة ١٦ رجب برفضهم الاستجابة لطلب هؤلاء، فإن غضب الله وسخطه حل بنا للنفاق الذي مورس من قبل أركان النظام السابق، وظن البعض أنهم أصبحوا مسلمين بقرار جمهوري، فحاربوا الله في السر، وأعلنوا الإسلام في الجهر، وغفلوا أن الله يعلم سرهم ونجواهم؛ فحل عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. 

     ولو كان ذلك كذلك فإن غضب الله سيزداد إن أعلنا بكل وقاحة -كما طالبت الأحزاب المنافقة- الاستغناء عن قرارات الشريعة الإسلامية وقوانينها. 

سنوات التيه: 

     نال السودان استقلاله السياسي عام ١٩٥٦، ورحل الاستعمار البريطاني الصليبي بعد أن قبض السودان في قبضته زهاء الستين عامًا خلق خلالها مشكلة جنوب السودان، وأنشأ فيه جيوبا نصرانية نعاني منها اليوم أشد المعاناة، وبدأ السودان منذ ذلك التاريخ سنوات التيه بلا دستور. 

     تركنا البريطانيون بدون دستور، وتسلم السودانيون الحكم منذ ذلك التاريخ وبلادهم بلا دستور؛ حيث أصيب السودان بما نستطيع أن نسميه شؤم دستوري، ففي كل مرة يحاول فيه الناس وضع دستور دائم للبلاد ينقلب الأمر رأسًا على عقب، فيحتار الجميع، ويقلبون كفيهم عجبًا وتحسرًا. 

     ودخلت الأحزاب والعسكر حلبة الصراع على السلطة، كلما دخلت أمة لعنت أختها، ومزقت بما كتبته يديها، ووصلت مسودة الدستور الإسلامي ثلاث مرات إلى عتبة البرلمان، ولكن في كل مرة يتآمر عليها رجال حزب الطائفتين الدينيتين الكبيرتين الختمية، والأنصار، وكان أكثرهم من العلمانيين الذين تثقفوا بثقافة الكفار، فكبر عليهم ما دعوناهم إليه؛ فانتقم الله -تعالى- من هذا التسويف والمماطلة، وابتلاهم بنظام مايو الذي يدع الحليم حيرانًا. 

     جاء نظام نميري واستطاع أن يضع له فلاسفة النظام الثالوث الخطر: جعفر بخيت، خالد منصور، عمر الحاج موسى عام ۷۳ دستورًا علمانيًا، يسمى الديانات الوثنية الباطلة بكريم المعتقدات، ويضمن احترامها، ويساويها بالدين الإسلامي والمسيحي، وأدخلت التعديلات تلو التعديلات في هذا الدستور حتى صار بعد عامين فقط دستورًا شبيهًا بدستور فرانكو وعبد الناصر؛ حيث كرس حكم الفرد وأعطاه كل السلطات ليفعل ما يشاء دون حسيب أو رقيب. 

     وبعد القرارات الإسلامية وأيام الاندفاع الشديد نحو الإسلام وضع دستور إسلامي كامل ليجاز في مجلس الشعب، ولكن القوى المعادية للإسلام في الداخل والخارج تكالبت وتضافرت ضد الدستور، فأصاب المشروع الشؤم المعروف بعد أن كان إجازته بأغلبية الثلثين قاب قوسين أو أدنی. 

     ثلاثون عامًا وشعبنا في السودان يدور في حلقة مفرغة يبحث عن دستور دائم لنفسه ينظم له حياته، ويرتب له علاقته، ثلاثون عامًا قضاها شعبنا في صحراء التيه، حسبنا أننا نلنا الاستقلال السياسي فإذا بالأمر لم يكن أكثر من استبدال طاغوت أجنبي بطاغوت محلي، فصار السودان طوال هذه السنوات كلها إما ذيلًا للأجنبي، وإما تابعًا للقوى الكبرى، كيف لا ومثقفوه أنفسهم إما تابعون للغرب معجبون بإنجازاته، أو تابعون للشرق يدعون لفلسفته. 

     وهكذا بدا لشعبنا الذي ضحى بالكثير من أجل الاستقلال أنه قبض الهواء، ومسك الريح.

     الاستقلال الحقيقي لن يكون إلا بالعودة إلى ما كانت عليه الأمة قبل مجيء الاستعمار الصليبي؛ فقد كان هناك الإسلام ودولته، وجاء الاستعمار للقضاء على هذه الدولة الإسلامية، وفعلًا قضى عليها، ورمى رجالًا على منهاجه الغربي، وذهب بعد أن اطمأن أنه ترك رجالًا سيقتفون أثره، ويطبقون منهجه. 

     لا خلاص من هذا التيه إلا بالرجوع إلى الأصول واتخاذ الإسلام شرعة ومنهجًا، وجعل الهيمنة على كل مناص الحياة للدين، ولا عبرة بالاحتجاج بغير المسلمين؛ فهم قلة قليلة ونسبة المسيحيين واحد ونصف بالمائة، وهم أصلًا أوجدوا إیجادًا بواسطة الاستعمار بعمليات التنصير الظالمة. 

     لماذا نترك شرعتنا ومنهاجنا لخاطر من لا يملكون الشرعة ولا المنهاج، ويملكون فقط الحقد الذي زرعته أيادي القساوسة؟ لماذا نهون على أنفسنا ونترك ما عندنا، ونستجدي غيرنا، ونحوم حول مائدة اللئام؟ لماذا نستبدل الذي هو خير بالذي هو أدنى فنتعرض لسخط الله لنفوز برضا البيت الأبيض أو الكرملين؟ 

الحزب الشيوعي غير شرعي

     ترتكب الأحزاب التقليدية في السودان جرمًا كبيرًا بدخولها مع الشيوعيين في حلف غير مقدس، فالحزب الشيوعي حزب غير شرعي ونواب هذين الحزبين مع الأحزاب الأخرى بما فيهم الجنوبيون- هم الذين حلوا الحزب الشيوعي عام ٦٥، ولما يمض عام واحد على اكتسابه الشرعية بعد ثورة أكتوبر، وضمنت مواد صريحة في الدستور المؤقت تحظر نشاط هذا الحزب الذي يروج للعقائد الإلحادية، ويعمل للاستيلاء على الحكم بالقوة والعنف، وفعلًا فقد اغتال هذا الحزب الديمقراطي، وتآمر بليك مع الناصرية لوأد الحكم الديمقراطي القائم، ودخل السودان بسببهم النفق المظلم الذي تاه فيه لليوم. 

     الشيوعيون معروفون بمقدرتهم الفائقة على سرقة الثورات، وإدخال البلاد في متاهات وسراديب مظلمة لتيئيس الناس بكل شيء، ثم للقفز من بعد ذلك على السلطة للقضاء على الجميع القضاء المبرم. 

     لا أدري إن كان قادة الحزبين على وعي بما يفعلون أم لا؟ ولكن أحذر القوم من أن يكرروا ما فعله محمد داود في أفغانستان؛ حيث تحالف مع الشيوعيين لتثبيت نفسه على كرسي الحكم، فجاء يوم فهدموا قصر الرئاسة فوق رأسه، وهو يظن أنه أمن من مكرهم؛ فهلك الرجل، ودخلت أفغانستان المسلمة المنكوبة في حرب ضروس ضد هؤلاء الشيوعيين وكاد النصر يتحقق، ولكن الحمر استنجدوا بدولة الروس الشيوعية الاستعمارية، التي غزت الشعب الأفغاني المسلم، ففعلت ما لم تفعله إسرائيل في فلسطين وجنوب لبنان. 

     وأحذرهم مما أصاب أثيوبيا الجارة وكيف أن الشيوعيين ضحكوا على الضباط الوطنيين الذين قاموا بالانقلاب ضد هيلاسلاسي، ثم حصدهم الشيوعيون في قاعات الاجتماعات. 

     الغدر الشيوعي معروف ومسطور، ولكن شهوة الحكم تغلبت على رجال فأعمت عيونهم، وطمست بصيرتهم، فهل يتذكر القوم: ﴿أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾؟

     الأحزاب اللادينية التي قام بإيجادها أصحاب الملايين من اليهود في الشرق المسلم أحزاب لا جماهيرية، وإن استقطبت بعض المرتزقة ممن أرادوا أن يأكلوا على موائد الغير وهم لا يمثلون إلا شرذمة قليلة، فلماذا نعطيهم ما لا يستحقون، ونعرض بلادنا إلى دكتاتوريات بشعة؟ 

     إن محاربة الشيوعية فريضة إسلامية لمن كان مسلمًا، وضرورة وطنية لمن كان وطنيًا، وواجب إنساني لمن كان ينتمي للإنسانية، فهل يعي القوم هذه الحقيقة؟ 

جموع الشعب تطالب بالإسلام: 

     يوم الثلاثاء ۱۹ رجب الموافق 9 مارس خرجت جموع الشعب السوداني في موكب حاشد ومظاهرة هادرة، تهتف باسم الإسلام، وتطالب بالإبقاء على قوانين الشريعة الإسلامية وعدم الارتداد عن النهج الإسلامي كما فعل الحاكم المفرد السابق ذو المزاج المتقلب، وقدرت هذه الحشود بعشرات الآلآف مما حدا بالسفير السعودي بالخرطوم يصرح بأنه لا يعتقد أن القادة الجدد يتجهون نحو إلغاء تلك القوانين، بل سيتمسكون بها، ويعملون بموجبها في فترة حكمهم الانتقالي. 

     وقد فرض تعتيم مقصود لهذين الخبرين في أجهزة الإعلام لحاجة في نفس يعقوب.

 أحزاب الطوائف:

     بعد الانتفاضة الشعبية عاد إلى الظهور حزب الأمة برئاسة السيد الصادق المهدي، والحزب الاتحادي برئاسة السيد زين العابدين الهندي، ويريد الحزب الشيوعي أن يكتسب شرعية فقدها في الماضي، فتآمر على الديمقراطية، واستولى على الحكم مع النميري إلى أن تغدى بهم قبل أن يتعشوا به. 

     الحزبان الكبيران حزبان تقليديان، ويعتبران حزبي عائلات دينية، ويعني استلام أحدهما الحكم أو كلاهما وقوع السودان تحت حكم العائلات الطائفية التي تورث الزعامة السياسية عن طريق الدين للأبناء، وطبعًا سيدخل حلبة الصراع معهم الختمية حلفاء الهندي. 

     نخشى على السودان هذا الصراع، ونخشى عليه تلك المهاترات الرخيصة والتكالب على الكراسي من أجل المصلحة الذاتية لا مصلحة الشعب؛ مما أدى إلى فقدان الديمقراطية مرتين في عهدهما.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

170

الثلاثاء 07-أبريل-1970

أحداث السودان

نشر في العدد 8

145

الثلاثاء 05-مايو-1970

صحافة - العدد 8