العنوان في الساحة المصرية
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-يونيو-1990
مشاهدات 78
نشر في العدد 970
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 12-يونيو-1990
قضية
الإخوان المسلمين ١٣ عامًا أمام القضاء
·
تقرير هيئة المفوضين: الجماعة الآن قائمة قانونًا.
المكان:
قاعة المحكمة بمبنى مجلس الدولة بجوار نيل الجيزة.
الزمان:
يوم الثلاثاء الماضي.
الحدث
والصورة: حشد كبير من مراسلي الصحافة المصرية والعالمية، وعدد كبير من المحامين
والجمهور وسط كاميرات التصوير والفلاشات..
فجأة صرخ
الحاجب: محكمة! هب الجميع وقوفًا تحية للقضاء، ودخل رئيس المحكمة وعضو اليمين وعضو
اليسار، وجاء الدور للنظر في واحدة من أقدم ثلاث قضايا تنظرها محكمة القضاء
الإداري بمجلس الدولة، إنها قضية عودة جماعة الإخوان المسلمين التي أوشكت أن تكمل
عامها الثالث عشر أمام القضاء.. كان رئيس المحكمة يؤجل نظر القضية لجلسة الثلاثاء
الموافق 10 من يوليو القادم لتبادل المذاكرات! وليصبح هذا التأجيل رقم ٤٠ في سلسلة
التأجيلات المستمرة..
فمتى يتم
الحكم في هذه القضية؟ وما هو السبب في طول هذه الفترة إلى هذه الدرجة؟!
تعالوا
بنا نفتح ملف القضية لنلقي نظرة على أوراق الدعوى.
كانت
البداية يوم ٢٧ من أكتوبر ۱۹۷۷ حينما
أودع الأستاذ محمد شوكت التوني المحامي- رحمه الله- عريضة الدعوى لدى المحكمة طالبًا الحكم ببطلان
قرار مجلس قيادة الثورة في يناير ١٩٥٤ بحل جماعة الإخوان المسلمين.
وقد جاء
في عريضة الدعوى: إن جماعة الإخوان المسلمين تكونت في مصر من زمن بعيد، ولاقت
دعوتها قبولًا لدى كافة أفراد الشعب المصري، وكان لها نظام وخطة تربوية، ولقد صمدت
صمود الإسلام في وجه رياح الاستعمار وزوابع العنصريات وأعاصير الحزبيات، ولما جد
الجد في حرب الصهيونية من أرض فلسطين العربية، وفي المقاومة الشعبية في الحرب التي
قامت بين الشعب المصري وجنود القوات البريطانية المحتلة، قام شباب الإخوان
المسلمين وكهولهم بواجبهم الديني والوطني بما خلد في التاريخ، ولم يستطع أن ينكره
الخصوم، حيث بذلت من صفوة أبنائها شهداء دماؤهم عزيزة عند الله وعند الوطن.
- قرار حل الجماعة
وتولى
الأستاذ عمر التلمساني- رحمه الله- مسؤولية القضية باعتباره أكبر أعضاء مكتب
الإرشاد سنًا، وهو المرشد العام، وصاحب المصلحة في القضية باعتباره منتميًا إلى
الجماعة منذ إنشائها، وفي سبيلها قضى أجمل أيام عمره عشرين عامًا كاملة في السجن..
وبدأت جلسات المحكمة، وقدم محامي الحكومة صورة من قرار حل الجماعة مؤرخ في ١٤
يناير ١٩٥٤، وقع عليه ١٢ من أعضاء مجلس الثورة، ومختوم بخاتم الأمانة العامة لمجلس
الوزراء في ۲۹ اغسطس
١٩٥٥! وقدم محامو الإخوان -محمد شوكت التوني، حسين عوض بريقي، محمد شمس الدين
الشناوي، عبدالله سلیم- ۳ أعداد من
جريدة الإخوان المسلمين صدرت بعد صدور قرار الحل، بما يعني أن نشاط الجماعة استمر
بعد قرار الحل، وتم تعديل الطلبات في القضية لتكون إلغاء الحل، واسترداد الأملاك
والأموال، وتمكين الإخوان من مباشرة نشاطهم الذي أوقف عنوة وغصبًا بدون سبب من
القانون.
وبدأت
مرحلة التأجيلات.. وتم تعديل الطلبات مرة أخرى إلى طلب الحكم بإلغاء القرار فيما
تضمنه من حل جماعة الإخوان المسلمين، والحكم بإلغاء القرار فيما تضمنه من مصادرة
أموال الجماعة، وأيضًا الحكم بتعويض الجماعة عينًا برد ما صودر من أموالها، ونقدًا
بالقدر الذي ستحدده فيما بعد، وطلب المحامي الأمر بتكليف الحكومة بأن تقدم إلى
المحكمة كشوف حصر الأموال العقارية والمنقولة والسائلة والمؤسسات
والقيم المنقولة التي صادرتها الثورة.
- وفاة التلمساني
واستمرت
القضية حتى توفي المجاهد الكبير الأستاذ عمر التلمساني في ٢٢ من مايو ١٩٨٦، وتولى الأستاذ
محمد حامد أبو النصر مكتب الإرشاد، وتدخل في القضية خلفًا للأستاذ التلمساني،
وطلبت المحكمة تقرير هيئة المفوضين في إحلال الأستاذ ابو النصر محل الأستاذ
التلمساني، وجاء التقرير مؤيدًا للتدخل والإحلال.. واستمرت التأجيلات مرة أخرى إما
انتظارًا لتقرير مفوض الدولة أو لتبادل المذكرات.
وفي
فبراير من العام الماضي صدر تقرير هيئة المفوضين الذي أكد أن جماعة الإخوان
المسلمين قائمة قانونًا، وأنه ليس هناك قرار بحلها، وأوضح التقرير أن أوراق الدعوى
قد خلت مما يفيد بوجود قرار بالحل بعد قرار الحل الصادر في يناير ١٩٥٤، والذي ألغي
بتصرف صريح من الحكومة، كما سبق القول بتمكين الجماعة من ممارسة نشاطها، والإفراج
عن أعضائها، والاعتذار لهم في ذلك الحين، ولم تقدم الحكومة ما يخالف ذلك، ولم
تتقدم الحكومة بأي قرار صدر بعد ذلك بحل جماعة الإخوان المسلمين.. أي إن جماعة
الإخوان الآن قائمة قانونًا وليس هناك قرار بحلها!
كان تقرير
هيئة مفوضي الدولة واضحًا وصريحًا وحاسمًا، في أنه ليس هناك قرار بالحل، ومن
الناحية القانونية، فليس هناك مجال للطعن على قرار غير موجود أساسًا، وبالتالي
مطلوب من الجماعة- حسب تقرير المفوضين- أن تمارس نشاطها، وأن تعلن عن نفسها
ومؤسساتها ودورها وبرامجها، فإذا وجدت معارضة أو منعًا لذلك، عليها أن تلجأ إلى
القضاء؛ لتحصل على حقها القانوني والدستوري، ولكن الأمر الآن مازال بين يدي
القضاء، لم يفصل فيه بعد، بعد دخول القضية- مرة بعد مرة- في دوامة التأجيل
للاطلاع، والتأجيل لتبادل المذكرات، والتأجيل لانتظار تقرير مفوض الدولة.. إلخ.
- قضية سياسية
والأمر
الذي لا يحتاج إلى تدليل أن القضية لها بعدها السياسي، إن لم تكن قضية سياسية
في الأساس، وبالتالي فانتظار المواءمات السياسية قد يكون من بين أسباب التأجيل،
والتساؤل الذي يطرحه الكثيرون: هل الأوضاع في مصر الآن مهيأة لعودة جماعة الإخوان
المسلمين بصفة رسمية، سواء كان ذلك على المستوى الداخلي أو الخارجي؟ وبالطبع تختلف
الإجابات والتقديرات والتحذيرات، كل حسب ما يراه.
أما على
المستوى الإخواني ذاته، فالأمر في نظر البعض لن يتغير كثيرًا، فالجماعة الآن
قائمة، سواء كانت لها المظلة القانونية أم لا، والدليل على ذلك هو نشاطها الملحوظ،
ودورها الملموس في الشارع السياسي المصري، سواء على مستوى النقابات المهنية، أو
الطلابية، أو أساتذة الجامعات، أو حتى البرلمان، وأن ممارسة النشاط الدعوي
والاتصال بالجماهير ليست بحاجة إلى لافتات ومراكز ورسميات.
ولكن.. لا
ينكر أحد أن الإشهار الرسمي والاعتراف القانوني، قد يشكل- إلى حد ما- لونًا من
ألوان الحماية من التعسف والاضطهاد والاعتقال لأفراد الإخوان، وبالتالي فحكم
المحكمة لصالح قضية الإخوان، هو دفعة جديدة لها دورها في العمل الإسلامي
بصورة عامة.
فهل يمكن
أن يصدر حكم لصالح الجماعة بعد كل هذه المدة أمام القضاء؟ وهل الجو السياسي في
مصر الآن يسمح بإعطاء الإخوان الاعتراف الرسمي؟ أم تظل الأمور كما هي؟
وإذا حصلت
الجماعة على حكم، هل تعود- كهيئة إسلامية عامة- كما كانت؟ أم تخضع لقانون الأحزاب
الذي يمنع تشكيل أي حزب على أساس عقائدي؟ سؤال موجه إلى الحكومة في مصر!
*******
من صاحب المصلحة؟!
كنت طفلة،
وكانت تعطيني أمي لجارة لنا تدعى مباركة، وكانت مسيحية، وكنت أحبها، وكانت متعلقة
بي جدًا، وكان لها ابنان منصور وأولجا، وكان منصور أكبر منا، وكبرنا، وأسست المركز
العام لجماعة السيدات المسلمات، وصار هو في سلك التعليم، حتى التحق ليتخصص ليكون
قسيسًا، وأصبحت أنا رئيسة المركز العام الجماعة السيدات المسلمات، وكان يزورني في
المركز العام، يقول للسكرتير: قل للحاجة زينب أخوك منصور، ويدخل بثياب القساوسة
دار المركز العام للسيدات المسلمات، فيحتفل به؛ لأنه آت لزيارة أخته زينب كما يقرر
هو.. ما سمعنا بفتنة طائفية تفرق بين أبناء الوطن الواحد، وما سمعنا ببدعة أن
النصارى أعداء لنا أو نحن أعداء لهم، كنا وما زلنا نتزاور ونجامل في أفراحنا
ومآتمنا.. فماذا حدث؟ أليس المسلمون هم المسلمون، والمسيحيون هم المسيحيون؟ هل
تكون فتنة يهودية؟!
إن
الإسلام لا يرغم غير المسلمين على اعتناقه، ولكن يقرر في كتابه العزيز: ﴿ادْعُ
إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ﴾ (النحل:125)،
وفي موضع آخر: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ
أَحْسَنُ﴾ (العنكبوت:46)، فالمسلمون لا يرغمون غيرهم على أن يكونوا مسلمين؛ لأن
ذلك غير جائز في شريعتهم التي تدعو إلى ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ.
لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ (الغاشية: 21-22)، وهنا أسأل الحاكم وحكومته: لم
رحلتم الأجانب الذين قاموا بصناعة الفتنة بين المسلمين والأقباط؟! إنه كان من
الواجب أن يحاكموا طبقًا لأحكام الشريعة الغراء بجريمة حد الحرابة؛ لأنهم يعملون
على الإفساد بين الأمة التي لم يحارب بعضها بعضًا من يوم الفتح الإسلامي لليوم..
فلم رحلتهم الحكومة؟! أتساءل وأتعجب.. لمصلحة من رحلتهم؟! إن من مصلحة المسلمين
والأقباط معًا ألا يرحلوا، ويوضح للأمة أنه لا فتنة طائفية في مصرنا، ولكن من
الخارج، وفتنة صهيونية نسيجها لم يصنع في أرضنا، ولكنه مستورد من الكيان الصهيوني
وأعوانه، ولكني أقول لهم: لن تقوم فتنة طائفية في مصر.
إن كتابنا
يقرر أن أقرب أهل الكتاب إلينا هم النصارى، قال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ
أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ﴾ (المائدة:82)،
ترى هل عرفنا من هو صاحب المصلحة في إثارة هذه الفتنة؟!
زينب
الغزالي الجبيلي