العنوان جاء اليسار ليقوم بدور جديد
الكاتب حمد الجاسر
تاريخ النشر الثلاثاء 26-مارس-1985
مشاهدات 95
نشر في العدد 710
نشر في الصفحة 15
الثلاثاء 26-مارس-1985
ذكرنا في العدد الماضي أن اليسار ضعف خلال السبعينيات بسبب عوامل عديدة ذكرناها، ومن أبرز هذه العوامل أن هذا اليسار استنفد أغراضه، ولم يعد الدور الذي يؤديه ملائما لحقبة «استقرار الأنظمة» التي سادت خلال السنين الخمس عشرة الماضية.
وقد ضعف اليسار على الصعيد المحلي كذلك، وبدأ يفقد معاقله، فبعد حل المجلس فقد اليساريون المنبر النيابي، ثم فقدوا الاتحاد الوطني لطلبة الكويت بعد أن اجتهدوا في الحفاظ عليه ولو بالتزوير، وأمسك الإسلاميون بهذا المعقل منذ ذلك الحين «منذ ۱۹۷۸»، ثم فقد اليساريون الكثير من جمعيات النفع العام، وأخيرا فقدوا معقلهم الحصين نقابة عمال النفط، وذلك قبيل الانتخابات الأخيرة.
ولكن الصدمة الكبرى لليسار كانت في انتخابات ۱۹۸۱، فاليسار الذي كان يظن أن الجماهير تقف إلى جانبه، وأنها طوع أمره، فوجئ بخذلانها لمرشحيه، فلم ينجح منهم أحد، وكانت تلك صدمة عنيفة لليساريين أيقظت غفوتهم.
لقد كان لنفسية اليساريين التي يتعاملون بها مع الناس أثر في ذلك الفشل؛ لأن اليساريين يحتكرون صفة الوطنية لأنفسهم، وكانوا يقسمون النواب في المجالس السابقة إلى مجموعتين: من ينتمي إلى فئتهم، أو يتحالف معهم، وكانوا يسمون هؤلاء «بنواب الشعب»، ثم سائر نواب المجلس الآخرين، وهؤلاء حكوميون حسب القاموس اليساري، وعلى هذا فهم وحدهم المعارضة، أما الآخرون فهم نواب «للبصم»، ويتضح هذا الوصف اليساري للمعارضة من تصريح لأحد مرشحي تجمع الطليعة، حيث وصف جماعته بأنهم «مثل الملح في الزاد»، لذلك لم يكن من المستغرب أن يحقد اليساريون على هذا الشعب الذي لم ينتخبهم، وكتب أحدهم في صحيفة الوطن بتاريخ ۲٥/ ۲/۱۹۸۱، تحت عنوان «مجلس بلا خطيب» يقول:
«ترى هل أصيب شعبنا بعمى الألوان حتى كاد لا يميز بين من رشح نفسه للعمل الجاد المخلص، وبين من رشح للوجاهة أو للمصالح الخاصة، أو لإشغال الشعب بقضايا هامشية».. وهذه العبارات تتحدث عن نفسية كاتبها، ولا تحتاج إلى تعليق.
لقد استيقظ اليساريون من غفوتهم، وأحسوا بالموت يزحف إلى ما تبقى من جسد اليسار، وأدرك هؤلاء أن قوتهم القديمة كانت تكمن في دورٍ كانوا يؤدونه؛ فلما انتهى هذا الدور فقد اليساريون قوتهم ؛ لذلك فإن عودتهم مرهونة بدور جديد، وهذا الدور هو مواجهة الصحوة الإسلامية المتنامية في المنطقة، وفي الكويت أيضًا بالنسبة لليسار المحلي، وهنا لا بد من تناول الصحوة الإسلامية بصورة واضحة وإبراز الموقف الغربي تجاهها.
الصحوة الإسلامية مصدر قلق للغرب
نحن في غنى عن ذكر شواهد حركة الصحوة الإسلامية المعاصرة.. فهي ظاهرة برزت بشكل ملموس منذ بداية السبعينيات، وإن كانت إرهاصاتها قد ظهرت بعد هزيمة عام ١٩٦٧، ولعل أبلغ دليل على ذلك هذا السيل من الأخبار والتحليلات والدراسات التي تحاول سبر غور هذه الظاهرة، ومعرفة العوامل الكامنة التي سببتها، ومحاولة التنبؤ بمستقبلها.
وقد كانت فترة منتصف السبعينيات «فترة الاستقرار السياسي» فرصة جيدة لتحرك الإسلاميين وانتشار الصحوة؛ حيث إن الانقلابات العسكرية والاضطراب السياسي السائد قديما- وما يرافقه ذلك من تضييق للحريات واضطهاد- من معوقات الصحوة الإسلامية، فلما استقرت الأوضاع نسبيًّا تحرك الإسلاميون، وامتدت الصحوة الإسلامية إلى سائر أقطار العالم الإسلامي.
ونشطت الحركة الإسلامية واشتد ساعدها، ففي مصر عاد الإخوان المسلمون إلى العمل السياسي والاجتماعي، وكسبوا الشارع المصري، وفي تركيا نال حزب السلامة ثقة الشعب التركي؛ حيث إنه كان يقود حملة أسلمة الأوضاع في تركيا، مما سبب ذعرًا للأمريكان، دفع عملاءهم من العسكريين إلى تدبير انقلاب ۱۹۸۰، كذلك الأمر بالنسبة للحركة الإسلامية في المغرب وتونس وسورية وباكستان والفلبين، ثم العملاق الإسلامي الشامخ في أفغانستان.
وكانت مظاهر الصحوة في كل مكان: الشباب المتدين يملأ المساجد، والحجاب يزين رؤوس الفتيات في المعاهد والجامعات، الكتب الإسلامية تحتل رفوف المكتبات، وتطرد الكتب الفكرية المنحرفة والقصص الإباحية، إلى آخر مظاهر الصحوة، ومع هذا النمو والانتشار في جميع أنحاء العالم، أصيب العالم الغربي بالذعر والهلع، واستنفر قواه لمواجهة الصحوة وتطويقها، بل وإخمادها إذا أمكن.
ولا نقول ذلك من فراغ، فتصريحات الغربيين تفضح هواجسهم من الصحوة الإسلامية ونواياهم تجاهها، فقد ذكرت «الواشنطن بوست» في أحد أعدادها في يناير ۱۹۷۹ أن الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر طلب من وكالة المخابرات الأمريكية أن تعد دراسة عن نشاطات الحركات الإسلامية في العالم كله.
ونسبت الصحيفة إلى زبيغينيو بريجينسكي مستشار البيت الأبيض آنذاك لشؤون الأمن القومي قوله: «إن الإدارة الأمريكية تشعر بقلق بالغ إزاء تزايد نشاط الحركات الإسلامية المنتشرة في العالم الإسلامي، وإن الولايات المتحدة بحاجة إلى إعداد دراسة جديدة حول الحركات الإسلامية المتشددة؛ ليسهل على الإدارة الأمريكية و«أصدقائها» في المنطقة الإسلامية مراقبتها عن كثب؛ حتى لا تفاجأ باندلاع ثورة إسلامية جديدة في أي مكان في العالم الإسلامي؛ لأن أمريكا حريصة على عدم السماح للإسلام المتشدد بأن يلعب دورًا مؤثرًا في السياسة الدولية».
وهناك سيل عارم من التصريحات المشابهة لمسؤولين غربيين لا يتسع المقام لذكرها هنا، ولعل تصريح بريجنسكي يفي بالغرض، ولكن من اللازم الإشارة هنا إلى أن الإسلام ومن يحملون فكره يعتبرون خصمًا حضاريًا للغرب لا سبيل للالتقاء معهم، أما الشيوعيون والاشتراكيون فهم خصوم ثانويون يمكن الالتقاء معهم، بل إنهم أصدقاء في بعض الأحيان، والفرق بين هؤلاء وبين الإسلاميين أن الفكر اليساري أوروبي المنشأ، أما الإسلام فهو تحد حضاري للغرب، وأخطر ما في الإسلاميين وفكرهم أنهم يرفضون بضاعة الغرب التي يسعى لفرضها على العالم الإسلامي، وهي بضاعة العلمانية.
وقد كتبت صحيفة «ليفيغارو» الفرنسية في أکتوبر۱۹۸۱ تحلل أسباب مقتل السادات فكان مما جاء في مقالها: «إن الرئيس مبارك يدرك أن الاتجاهات اليسارية والليبرالية- المعارضة لنظامه ونظام سلفه السادات- ليست ذات أهمية، ولا تشكل أية خطورة ضد النظام؛ لأن المعارضة الحقيقية في مصر تتمثل في الاتجاهات الإسلامية وحدها».
وقد ذهب أحد المسؤولين الغربيين أبعد من ذلك؛ فقال معلقا على تلك الأحداث: «إن الغرب الذي كان يعلن عداءه للقومية العربية في السابق، عليه الآن أن يسعى لإحياء هذه القومية لمواجهة التطرف الإسلامي».
وقد استخدم الغرب لمقاومة الصحوة الإسلامية عدة وسائل، ومن هذه الوسائل:
- في الدول التي يحكمها نظام عسكري أو ديكتاتوري يتم استخدام العنف ضد الإسلاميين، وبدا هذا واضحًا في سورية، ومصر، وتركيا، وليبيا، وغيرهم من الدول.
- في الدول التي تحكمها أنظمة تقليدية تستخدم سياسة التضييق على الإسلاميين، وسد الطرق في وجوههم، مقابل تشجيع التيارات المناوئة للإسلاميين، وتقديم التسهيلات لها.
- يهتم الغرب كذلك بتشجيع الأيدلوجيات الأوروبية المنشأ كالاشتراكية، واستخدامها لمواجهة المد الإسلامي، ومن هذا المنطلق وجد اليسار العربي دورًا جديدًا يلعبه، وهو استخدام أيدلوجياته وما تبقت له من قوة سياسية في التصدي للحركة الإسلامية.
الدور الجديد لليسار في الكويت
لقد برز نشاط الإسلاميين في الكويت منذ انتخابات ۱۹۸۱، حيث تمكنوا من إيصال بعض مرشحيهم للمجلس، وتمكن التيار الإسلامي من أن يفرض على الحكومة بعض التقاليد الإسلامية التي أدت إلى تضايق بعض المسؤولين، وعلى سبيل المثال فإن المجلس برغبة من الإسلاميين فيه قام بمنع الخمور عن السفارات مما أحرج بعض المسؤولين الذين يحرصون على صورة الكويت «الليبرالية» أمام العالم الغربي..
وأهم من ذلك إصرار الإسلاميين- ومعهم كثير من نواب المجلس- على موضوع تعديل المادة الثانية من الدستور، وهو ما يزعج بعض الفعاليات السياسية في البلد التي صرح بعضها لصحيفة «الفاينانشال تايمز» بقوله: «إن هؤلاء الأشخاص يريدون أن يعيدوا الكويت إلى ما قبل مائة عام» على حد تعبيره.
وأمام رغبة بعض المتنفذين في البلد في التصدي للحركة الإسلامية، وجد اليسار لنفسه مهمة جديدة، ولما كان هؤلاء المتنفذون يحاولون دفع السلطة في الكويت للتعامل بصورة سلبية مع الإسلاميين، فإن اليساريين من جانبهم أصبحوا يأملون بالتحالف مع السلطة لمواجهة خصم مشترك هم الإسلاميون، وإلى جانب التصدي للحركة الإسلامية، فإن هؤلاء المتنفذين إياهم يأملون في أن يساعد انتعاش اليسار على إعادة الروح «الليبرالية» وتكريس العلمنة في البلد.
ويقال بأن نصائح قد وجهت للمسؤولين تحذرهم من مغبة السماح للتيار الديني بالانتشار في الكويت، وتحضهم على التعاون مع اليسار وباقي الفئات الليبرالية لمواجهة الإسلاميين والتضييق عليهم.. وجدير هنا العودة إلى مقال تحريضي نشرته صحيفة الواشنطن بوست بتاريخ 24/4/1984وتناولت فيه التيار الديني في الكويت، وكان مما جاء فيه:
- «ومما يزعج بعض المحللين الغربيين هو حقيقة أن مؤلفات الكاتب المعروف سيد قطب هي من أكثر الكتب تداولًا في أيدي القراء من الإسلاميين.. » أي في الكويت.
- ونقل كاتب المقال عن رئيس تحرير صحيفة يومية كويتية رفض الكشف عن اسمه قوله: «بأن الجماعة الإسلامية من وجهة نظره قوية جدًّا، وحسنة التنظيم، وأنها في الأساس حركة ذات نشاط سياسي متخف برداء الدين».. «كذا»..
- «لعل الصحوة الإسلامية هنا هي جزء من حركة عامة تكتسح الوطن العربي برمته، وتعكس خيبة الأمل العربية نتيجة الهزائم العسكرية المتتالية على يد إسرائيل، وإفلاس الأيدلوجيات الأخرى كالقومية العربية وحركة القوميون العرب والاشتراكية العربية».
- ثم يقول: «أما أعضاء النظام الميالون للتحرر.. فقد أصبحوا على جانب من الحيطة والحذر بسبب «الممارسات العدوانية» للإسلاميين، وبسبب فشل «السلطة» في تنظيم حركة مضادة»؟؟ أي هناك بحث عن حركة مضادة.
- ويستمر الكاتب في التحريض، فينقل عن أحد المستشارين السياسيين في الكويت قوله: «إن الحكومة تنتظر الظرف المناسب للانقضاض على الحركات الإسلامية وإغلاق جمعياتها، ولكن المسألة هي أن الحكومة لم تجد مبررًا لذلك حتى الآن»، حسب زعمه.
- وقبل أن ينهي الكاتب مقاله فإنه يكشف أحد الأسرار «وعلى كل فإن الميالين إلى التحرر والذين يسيطرون على وسائل الإعلام، ويتمتعون بدعم صريح من.. «السلطة».. قد بدؤوا الآن ينشطون ويعبئون أنفسهم أكثر فأكثر».
وقد كانت «الفاينانشال تايمز» في عددها الصادر في ٢٢/٢/١٩٨٤ أكثر وضوحًا بالنسبة للنقطة الأخيرة حين قالت: «ويعتزم القوميون الأوائل أن يخوضوا الانتخابات القادمة، ويعتقدون بأنهم سيفوزون، وبأن الحكومة ستكون أقل معارضة لهم هذه المرة!!»
هذا وقد تحدث الكثيرون عن صفقة تمت بين اليساريين وبين بعض الفعاليات السياسية في البلد، بعد أن وعدت هذه الفعاليات اليساريين بتوفير دعم لهم مقابل تنازلات كبيرة يقدمها اليسار، ومقابل التعاون في مواجهة الإسلاميين، ومكافحة التدين، ويعتقد من يقولون بوجود هذه الصفقة بأن تصريحًا للسيد عبد العزيز حسين لصحيفة الرأي العام قبيل الانتخابات «٢٧/١/١٩٨٥» قد يدعم هذا التفكير، وكان السيد عبد العزيز حسين- وزير الدولة السابق- قد قال حينئذ: «إن تلاقي التيار الوطني مع الحكومة يؤكد على أن ما تطرحه الدولة يعبر عن مشاعر الجميع وتوجهاتهم..».
كيف خاض اليسار معركة الانتخابات
وضع اليساريون في مضمار تعاملهم مع الفئات المختلفة في الانتخابات معيارًا ثابتًا، وهو أن كل من أيد تعديل المادة الثانية من الدستور، أو رفع شعار هذا التعديل؛ فهو في صف الخصوم، وأما من ناهضوا هذا المشروع فهم أصدقاء.
لذلك عارض اليساريون ترشيح أحمد السعدون لرئاسة المجلس؛ لأنه صوت لصالح التعديل، وكانوا يريدون دعم نائب آخر لم يحالفه الحظ في الانتخابات؛ لأن هذا الأخير لم يصوت لصالح التعديل، وقد أيد اليساريون السعدون في النهاية؛ لأنه بقي مرشحًا وحيدًا، كذلك الحال بالنسبة لعبد الله النفيسي الذي عارضه اليساريون بمجرد رفعه شعار تغییر المادة، وعلى هذا الأساس تعامل اليساريون مع المرشحين.
وقد قدم اليساريون- كما أسلفنا- تنازلات كبيرة في هذه الانتخابات، ومن هذه التنازلات:
أولًا: تنازل اليساريون عن مهمة «إزالة هيبة السلطة» التي كانوا يمارسونها من قبل، بل أكثر من ذلك قال أحد رموزهم- خلال مقابلة تلفزيونية في شهر أبريل من العام الماضي- بأن: المعارضة كلمة «فضفاضة» بالنسبة للمجتمع الكويتي، وحاول أن يقول بأن تياره خلال المجالس السابقة كان يقيم قنوات اتصال مع المسؤولين داخل ردهات المجلس.
ثانيًا: تخلى اليساريون عن كثير من أطروحاتهم القديمة، والتي لم تلق قبولًا شعبيًّا، فلم نعد نسمع الشعارات الثورية، كذلك لم يتحمس أحد من اليساريين خلال الحملات الانتخابية في أن يتحدث عن الاشتراكية أو ما شابه ذلك، بل إنهم- ولأول مرة- يذكرون الإسلام ضمن برنامجهم الانتخابي، ويطالبون بالتمسك بقيمه.
وبالنسبة لإيران التي أيدها اليسار في السابق، فقد انقلب ضدها، وأيد العراق؛ لأن جموع الناخبين لا تستسيغ تأييد إيران ضد العراق، والمضحك بأن اليساريين أصبحوا ينفون معارضتهم لتطبيق الشريعة الإسلامية، وقال أحدهم في ندوة انتخابية بأنه لا يعارض الشريعة، وإنما يفضل أن يكون تطبيقها تدريجيًا، وليس عن طريق تعديل المادة الثانية.
وفي الواقع لم يعد اليسار يسارًا، وأطروحاته خلال الانتخابات على سبيل المثال لم تكن تختلف كثيرًا عن أطروحات الإسلاميين، مع احتفاظ اليساريين بخط رجعة من تلك الأطروحات إلى فكرهم القديم.
وقد نفذت تلك الفعاليات السياسية التزاماتها من الصفقة تجاه اليساريين؛ فبدأت تدعمهم، وتحارب خصومهم، ومما حققته تلك الفعاليات لليساريين:
أولًا: قامت هذه الفعاليات بما تملكه من نفوذ بتوجيه الإعلام الرسمي والصحف الموالية لها- بالإضافة إلى صحف اليسار- لممارسة حملة إعلامية صاخبة ضد الإسلاميين استمرت شهورًا طويلة، وأصبح البرنامج الفاشل «ندوة للرأي» يدفع في وجه المشاهد دفعًا، والصحف تنخرط في مقالات تشويهية طويلة ومتوالية ضد الإسلاميين، ويتم تضخيم قضية تافهة في جمعية الشريعة لتكون قضية الكويت الأولى، كذلك يتم إيقاف أبرز الخطباء الإسلاميين عن الخطابة وغير ذلك.
ثانيًا: دعمت تلك الفعاليات اليساريين بقوة، خاصة في الجانب الإعلامي، وأصبحت مقالاتهم تأخذ مساحات كبيرة في الصحافة، ولوحظ أن اليسار كان متواجدًا في الكثير من الندوات الفكرية التي تعقدها جهات رسمية.
ولا ننسى هنا مقابلة تلفزيونية أجريت مع أحد رموز اليسار، وتمت إعادتها على المشاهدين بعد قطع مفبرك في العرض الأول وذلك لغرض الجذب، حيث تمكن هذا الرمز من نشر الأطروحات الجديدة- الهادئة- لليسار على أكبر مساحة ممكنة من المشاهدين.
إضافة إلى ذلك اتبعت تلك الفعاليات سياسة «التمرير» مع اليساريين، وذلك في مؤسسات الدولة الرسمية والثقافية، وعلى سبيل المثال قام أحد الدكاترة- بمجرد تعيينه في الجامعة- بنشر مقالة فيها تطاول على الإله والدين؛ ولأنه يساري فقد تمت مكافأته بتعيينه بمنصب حساس في إحدى المؤسسات الأكاديمية.
ودكتور يساري آخر بعد 6 أشهر من بداية عمله في الجامعة، ارتقى فجأة ليصبح مدير القسم الذي يدرس فيه، وقد علق أحد الظرفاء على هذه الظاهرة بقوله بأن المسؤولين يؤمنون بالمبدأ المروري القائل «أولوية المرور للقادم من اليسار».
وقد اتبع اليسار خلال حملته الانتخابية تكتيكات مختلفة، وكان الوصول للمجلس بأي ثمن هو الغاية التي يسعى لها.. ومن هذه التكتيكات:
١- تم تكتيل جميع القوى «الليبرالية» في جبهة واحدة تحت شعار غير معلن، وهو «العلمانية في خطر»، ولذلك تم التنسيق بين اليسار والآخرين بأن يتم نزول مرشح واحد من هذا التحالف في منطقة واحدة.
٢- أعاد اليسار علاقته مع القطب السياسي القديم الذي كان يدعمه في الستينيات، وقد عمل أعوان هذا القطب كمفاتيح انتخابية للمرشحين اليساريين، وقد كان لأحد أعوان هذا القطب المعروفين صولات وجولات في منطقة الروضة.
۳- استخدم اليسار التسهيلات الصحفية الممنوحة له إلى أقصى حد، مع تكثيف المحاضرات والندوات حول القضايا والعناوين المثيرة، وكانت حملة اليساريين الانتخابية مستميتة حيث بدؤوا فيها قبل «٤» سنوات.
٤- أجرى اليساريون تحالفًا مع التيار الحركي الشيعي، واستفادوا من الأصوات الشيعية الضائعة في بعض المناطق التي لا يوجد بها مرشحون شيعة أقوياء.
وقد يحتاج الحديث عن هذه التكتيكات- وتحليلها وإعطاء المزيد من المعلومات عنها- أن نسترسل في الكتابة مزيدًا من الصفحات مما يخرج عن الهدف الأساسي لكتابة المقال، وهو: لماذا عاد اليسار للحياة؟ ونحن نأمل أن تسنح فرصة أفضل في المستقبل لمناقشة هذا الموضوع.
ويهمنا- في ختام هذا التحليل- أن نذكر بأن النتائج التي توصل إليها المقال تعبر عن قناعة موجودة لدى الكثيرين حول طبيعة اليسار الموجود في العالم العربي وفي الكويت، وهو رأي مطروح للنقاش على كل حال، والله ولي التوفيق.