العنوان حوار هادئ مع منظمة التحرير
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 26-مارس-1985
مشاهدات 69
نشر في العدد 710
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 26-مارس-1985
- هل انتهى المطاف بالثورة الفلسطينية إلى المطالبة بالمشاركة في الصلح مع اليهود؟
حين نتحدث عن منظمة التحرير فإننا نقصد حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» تحديدًا، ذلك أن «فتح» هي رائدة الثورة الفلسطينية المعاصرة، ومفجرتها الأولى، وعمودها الفقري، وليس يعنينا بعد ذلك تلك الحركات التي أنشأتها الأنظمة، أو التي أنشأتها الأحزاب، فالأنظمة والأحزاب سياسيون، وحركة «فتح» في مبدئها وجوهرها حركة ثورية، قامت أصلًا ثائرة على نهج هذه الأنظمة والأحزاب التي كانت موجودة قبلًا، يستوي في ذلك- في نظرنا- من أطلق على نفسه اسم تقدمي أو من أطلق عليه اسم رجعي أو محافظ.
وحين استولت حركة «فتح» على منظمة التحرير، أريد لها وقتها أن تلبس ثوب السياسة؛ فتستوي في ذلك مع الأنظمة والأحزاب، وتدور في فلكها حيث الضجيج الإعلامي يتناسب تناسبًا عكسيًّا مع العمل الثوري الحقيقي، وطرديًّا مع العمل السياسي السري المقصود به في نهاية المطاف عقد الصلح مع اليهود الغاصبين لفلسطين، والتنازل عن حق الفلسطينيين في وطنهم.
وقيل وقتها: إن «فتح» بدخولها منظمة التحرير ستقوم بتثوير المنظمة، وفك ارتباطها بالأنظمة، وقلنا وقتها: إن الأنظمة التي صنعت المنظمة لإخلاء مسئوليتها عن تحرير فلسطين لا يمكن مع ذلك أن تسمح للمنظمة أن تتولى الأمر نيابة عنها، إلا إذا كان الأمر يتعلق بالصلح مع اليهود.
ولقد اتهمنا البعض حينئذ بالتشاؤم، فإذا بالأيام تثبت أننا- بالقياس لما يجري اليوم- كنا متفائلين، إذ إن دخول «فتح» منظمة التحرير لم يكن إلا طعمًا لفتح الشهية، وخطوة أولى في المسيرة التي أطلقوا عليها اسم مسيرة السلام، وهي في مضمونها مسيرة استسلام.
أما لماذا كنا متفائلين قياسًا لما يجري اليوم؟ فلأن منظمة التحرير- نعني «فتح»- التي يدفعونها دفعًا إلى مصالحة اليهود معهم، إنما يريدونها فقط أن تكون كبش الفداء فتقبل المصالحة، وتسير في طريقها، ثم تجد نفسها في نهاية المطاف خارج «مائدة التسوية» التي اندفعت إليها، ولعابها يسيل على شيء يقيم أودها، حتى ولو كان فتاتًا.
بل إن الأمر أبعد من ذلك بكثير، فإن الصلح مع اليهود من الناحية الرسمية قد تم بعد حرب ١٩٦٧، يوم أعلن عبد الناصر عن شعار «إزالة آثار العدوان»، وبالطبع فإن آثار العدوان الذي سماه «نكسة» هو احتلال سيناء، وغزة، والضفة الغربية، والهضبة السورية، ولقد أوعز وقتها للأردن بالتصرف بما يراه مناسبًا لاستعادة الضفة الغربية دون الارتباط بمصر، ومعنى ذلك أنه أعطى لنفسه نفس «الحق» في التصرف مع اليهود لقاء انسحابهم من سيناء، فكانت مسيرة السادات في «الصلح المنفرد» استكمالًا لنهج عبد الناصر في إزالة آثار العدوان كل بالطريقة التي يراها مناسبة.
وحين تضمن الاتفاق الأردني- الفلسطيني في بنده الأول مبدأ «الأرض مقابل السلام» كان أكثر صراحة ووضوحًا من شعار «إزالة آثار العدوان» الذي تجسد فيما بعد في اتفاقيات كامب ديفيد، ومعنى ذلك أن المنظمة الآن تسير في طريق الصلح مع اليهود مقابل- كما تتصور وتريد- إرجاع الضفة الغربية وقطاع غزة.
وحين وصل الأمر إلى هذا الحد، حد رغبة المنظمة ومطالبتها بالصلح مع اليهود مقابل انسحابهم من الضفة والقطاع، كان لا بد من استبعاد المنظمة باعتبارها لم تعترف مسبقا بالكيان اليهودي، وحين تلمح المنظمة بطرح الورقة الأخيرة- ورقة الاعتراف- على طاولة المفاوضات يرفض اليهود التفاوض ويرسلون نيابة عنهم بعض الحمائم اليهود أمثال أفنيري وبيليد إلى عرفات ليدلهم على جثث عدد من الجنود اليهود فقدوا في حرب لبنان!
إذا كانت منظمة التحرير تسير الآن على طريق السادات ومن قبله عبد الناصر، فلماذا اختلفت مع السادات حين صالح اليهود، ومع عبد الناصر حين قبل مبادرة روجرز، فشنت عليه حربًا إعلامية كان من نتيجتها أن أعطى الضوء الأخضر لمجازر «أيلول الأسود»؟
نحن لا نناقش الأطراف الأخرى التي ترفض الصلح على طريقة كامب ديفيد، ليس رفضًا للصلح من حيث المبدأ، ولكنها تريده- كما يقول ياسر عرفات- على طريقة «كامب مورفي»، نحن لا نناقش هؤلاء القوم، ولا نناقش من يتبعهم، فموقفنا منهم معروف، وموقفهم من الجماهير العربية مكشوف.
إنما نريد أن نناقش «فتح» تحديدًا؛ لأننا وقفنا معها حين قاتلت اليهود، ووقفنا معها حين قاتلتها الأنظمة، ووقفنا معها حين نادت بتحرير فلسطين من البحر إلى النهر، ومن رأس الناقورة إلى رفح، ولكننا بدأنا نتوجس حين رفعت شعار «الدولة الديمقراطية» التي يتعايش فيها اليهود والمسيحيون والمسلمون على قدم المساواة، وازداد توجسنا حين بدأت الاتصالات مع «اليهود الشرفاء» داخل الكيان اليهودي، وانحبست أنفاسنا حين حمل ياسر عرفات إلى منبر الأمم المتحدة غصن الزيتون بجانب البندقية، وقال بأعلى صوته: «لا تسقطوا غصن الزيتون من يدي»، وكررها ثلاثًا.
قلنا وقتها: لقد تخلت «فتح» عن مبادئها، إنها تعرض الصلح مع مغتصب الديار، إنها تلجأ إلى المنظمة الدولية، وتعلن أنها تحترم قراراتها، وهي تعلم أن هذه المنظمة الدولية ألعوبة في يد الدول الكبرى وخاصة الولايات المتحدة.
وكان اللجوء إلى الأمم المتحدة خطوة في طريق اللجوء إلى الولايات المتحدة، وهو نفس الطريق الذي سارت فيه الأنظمة وبالتحديد السادات، هل غاب عن «فتح» أن الولايات المتحدة لها حساباتها التي تنطلق من مصالحها التي- ربما- تعارضت مع مصالح الشعب الفلسطيني، و «ممثله الشرعي الوحيد»؟
وكان اللجوء إلى أصدقاء أمريكا لعلهم يؤثرون عليها، لعلهم يحصلون على موافقتها على أن تجلس مع وفد فلسطيني أو وفد فلسطيني أردني مشترك؛ فخاب الرجاء والالتماس والاستجداء.
فماذا بعد؟
هل انتهى المطاف بالثورة الفلسطينية المعاصرة- التي قامت أصلًا لتحرير فلسطين كل فلسطين- إلى الاكتفاء بمجرد المطالبة بالجلوس مع وفد مشترك أردني فلسطيني، أو عربي فلسطيني للصلح مع اليهود مقابل الحصول على كيان فلسطيني على جزء من فلسطين متحد كونفدراليا مع الأردن؟ أمن أجل هذا أطلقت «فتح» رصاصتها الأولى في مطلع عام ١٩٦٥، وقبل أن تسقط الضفة الغربية وقطاع غزة في يد اليهود عام ۱۹٦٧؟ أمن أجل هذا سقط هذا العدد الهائل من الشهداء الذين كانت عيونهم ترنو إلى يافا وحيفا وعكا واللد والرملة وصفد والمجدل قبل أن تسقط غزة وخان يونس ورفح والخليل والقدس ونابلس وجنين وطولكرم وحتى بعد أن سقطت؟
قال هاني الحسن- أحد قادة «فتح» ومستشار عرفات- في لقاء طلابي بجامعة الكويت- بعد الخروج من بيروت- نقلًا عن فلسفات غربية ما معناه: أن المكاسب السياسية ثمرة الكفاح المسلح، ومرحلة لاحقة له باعتباره- أي الكفاح المسلح- أعلى مراحل العمل السياسي وفي خدمته.. ولقد آن الأوان لجني ثمار هذا العمل المسلح، ويقول المثل الشعبي الفلسطيني: «صام وأفطر على بصلة»، فهل تتكافأ هذه الثمرة المرجوة مع هذا الجهد الهائل والتضحيات الجسام؟
ربما قيل: إن الصائم يرجو ما هو أبعد من ذلك، يرجو ثواب ربه، ومنظمة التحرير ترجو من وراء المساعي السياسية ما هو أبعد من ذلك باعتبار انسحاب اليهود من الضفة والقطاع. مرحلة أولى في الطريق الطويل لتحرير فلسطين على مبدأ بورقيبة «خطوة- خطوة».
إذا كان الأمر كذلك، فلماذا تصر منظمة التحرير على إشراك كافة العرب في عملية الصلح مع اليهود رسميًّا من خلال مشاركتها في وفد عربي وليس فقط وفدًا أردنيًّا؟ أليس يعني ذلك إسدال الستار على القضية الفلسطينية مرة واحدة وإلى الأبد؟ أليس يعني ذلك أن يلتزم الكيان الفلسطيني المقترح باتفاقيات علنية للمحافظة على أمن الكيان اليهودي في بقية فلسطين هذا إذا سمح لهذا الكيان أن يقوم؟!
لقد قال أحد قادة فتح البارزين ذات يوم: لم نكن نعتقد في يوم من الأيام أننا وحدنا قادرون على تحرير فلسطين.. فلماذا إذا قامت الثورة الفلسطينية بقيادة فتح؟ هل من أجل توريط الأنظمة في الحرب مع اليهود؟ أم من أجل أن تورطها الأنظمة في الصلح مع اليهود؟
إن الثوار لا ييأسون، ولا يتعبون، ولا يتخلون عن الأهداف التي من أجلها ثاروا، ولا ينضمون إلى الأنظمة على حساب الجماهير المقهورة المظلومة الصادقة النقية المعطاء بلا حدود.
إن الضابط المصري المسلم الذي قتل السادات رفض مقولته الكاذبة بأنه صالح اليهود حفاظًا على «دماء أولادي الضباط والجنود»، ولقد قدم الضابط الشهيد الإسلامبولي دمه- مع رفاقه- وهو يهتف «الموت لإسرائيل والحياة لفلسطين».
وهؤلاء الثوار المسلمون في جنوب لبنان يقدمون دماءهم غزيرة ثمنًا لهدف أبعد من تحرير الجنوب اللبناني، ولا يقيمون وزنًا للسياسة والسياسيين، اللهم احمهم من الأنظمة بعد أن يهرب اليهود من الجنوب.
فصبرًا يا قادة «فتح»، وعودًا إلى الأصالة، ولا تنعزلوا عن الجماهير بارتباطكم بالأنظمة، وكونوا مع الله ينصركم الله، ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ (النساء: 104) صدق الله العظيم.