; في الساحة العربية: التحالف الباطني الماركسي هل يقابله تحالف فلسطيني إسلامي؟ | مجلة المجتمع

العنوان في الساحة العربية: التحالف الباطني الماركسي هل يقابله تحالف فلسطيني إسلامي؟

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 15-نوفمبر-1983

مشاهدات 60

نشر في العدد 645

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 15-نوفمبر-1983

في الساحة العربية:

التحالف الباطني الماركسي هل يقابله تحالف فلسطيني إسلامي؟

حين يستعين الفلسطيني بالعربي على الفلسطيني، وحين يستعين العربي بالأجنبي على العربي، وحين يستعين المسلم بالكافر على المسلم... فذلك هو عصر الانحطاط والانحطاط هنا ليس صفة العصر وإنما صفة المعاصر أي الإنسان الذي يعيش في هذا العصر، ونحن نعيش في هذا العصر، وحتى لا نذهب بعيدًا في المكان بعد أن حددنا الزمان نقول: إن المنطقة العربية هي المقصودة بهذا الوصف، عرب هذا الزمان هم المقصودون والفلسطينيون منهم بوجه خاص.

لا يتصوره العقل:

ولكن الدهشة عند العقل السليم سرعان ما تتلاشى حين يبحث عن الجذور، فيكتشف أن هذه الفئة الضالة من أبناء شعب فلسطين قد انسلخت عن أبناء شعبها منذ سنوات، انسلخت انتماء وعقيدة ومسلكًا، ولم يتبق لها من فلسطينيتها شيء إلا الادعاء، ذلك أنها فئة تمركست فضلّت فحقدت فعاثت في الأرض فسادًا ثم تحالفت مع الباطنية، فكذبت وضللت وأجرمت في حق شعبها ووطنها وقضيتها.

 تمركسوا فانتزعت الرحمة من قلوبهم كما تمركس «بابراك كارمل» فانتزعت الرحمة من قلبه فاستعان بالروس أو استعان الروس به، وعملا معًا في الشعب الأفغاني المسلم ذبحًا وقتلًا وتشريدًا مستخدمين الدبابات والطائرات والصواريخ والمدافع وحتى الغازات السامة والقنابل الفسفورية وقنابل النابلم، وهم الذين زعموا أنهم مع الشعوب المستضعفة في سعيها لنيل حريتها وتحررها... ألا إنهم لكاذبون.

في أفغانستان لم يكونوا يتصورون قوة العقيدة، قوة الإسلام راسخًا في وجدان الشعب الأفغاني لأنهم كفرة ولأنهم ماديون فكان أن سقطوا في مستنقع الجهل والحماقة وأخذوا يستنجدون طلبًا لإيقاف الحرب التي هم بدؤوها ضد الشعب الأعزل إلا من الإيمان، واكتشفوا بعد فوات الأوان أن سلاح العقيدة، العقيدة الربانية، أقوى من كل سلاح مادي وأن اليد المتوضئة حين تقبض على السلاح وتضغط على الزناد تنطلق منها القذيفة موجهة بأمر الله الذي لا يخطئ مرماه ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ﴾ (الأنفال:17)

فئة ضالة:

وهذه الفئة الضالة من الشعب الفلسطيني على قلتها -انحرفت في عقيدتها فانحرفت في سلوكها، ناصبت حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» العداء منذ نشأتها الأولى، واتهمتها بشتى التهم وأهونها التوريط، ووقفت هذه الفئة منذ البداية ضد الكفاح المسلح وضد الجهاد لفظًا ومعنى، ومدت أيديها إلى الصهاينة تنسق معهم فيما عرف باسم «عصبة التحرر الوطني».

وكانت هي الفئة التي ضغطت «لتطوير» الأهداف الاستراتيجية «الفتح» من تحرير كامل التراب الفلسطيني إلى إنشاء الدولة الديمقراطية العلمانية، ولقد حاولت أن تتحالف مع الصين أيام «ماوتسي تونغ» ففشلت، وحاولت أن تتحالف مع موسكو التي رأت أن هذه الفئة، فئة طفولية تحاول أن تستبق الأحداث وتحرج الاتحاد السوفيتي الذي آثر الصمت والعمل بهدوء لتحقيق أهدافه الاستراتيجية التي لا تختلف في جوهرها عن أهداف الولايات المتحدة في هذه المنطقة إلا بمقدار ما يختلف المتنافسان على التهام الفريسة أو إيقاعها في شباكه.

 هذه الفئة يوجد أمثالها في طول الوطن العربي وعرضه، غرست غرسًا لتكون وباء ووبالًا على حاضر هذه الأمة ومستقبلها، ولقد وجدت فرصتها الذهبية بالتحالف مع الباطنية والطائفية فالتقى هذا الحلف غير المقدس مع الوفاق غير المعلن بين الشرق والغرب فكان التوازن المفتعل بين الجنبلاطيين والموارنة ضمن لعبة محسوبة ومحسومة في نظرهم تشطب من الخارطة السياسية ما يسمى بالشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية، وما يسمى بالمسلمين- أعني السنة- في لبنان.

ولذلك كان ضرب الفلسطينيين في البقاع والمخيمات توطئة لضرب المسلمين في طرابلس والشمال، تمامًا مثلما كان ضرب الإسلاميين في حماة وحلب وبقية المدن والقرى السورية توطئة للاستفراد بالفلسطينيين بعد ذلك.

جهد مستميت

وليس غريبًا هذا الجهد المستميت المبذول لعزل الثورة الفلسطينية عن عقيدتها الإسلامية، وعزل المسلمين عن قضية فلسطين، وافتعال الخلاف والاختلاف بينهما، ذلك أن أعداء هذه الأمة يدركون تمامًا ماذا يعني أن يقاتل الفلسطيني باسم الإسلام وأن يجاهد المسلم لتحرير فلسطين، ولما كان الماركسيون من الشعب الفلسطيني قلة معزولة عن غالبية الشعب ولما كانت الأقليات الطائفية الباطنية والصليبية معزولة هي أيضًا من جماهير الشعب، فقد وجد المستعمرون طريقة لقلب المعادلة غاية في الخبث والدهاء وهي إنشاء أحزاب علمانية تنادي بالقومية وينضوي تحت لوائها الصليبيون والباطنيون باسم العروبة، وقد أفلح هذا المخطط في إيصال كثير من المشبوهين إلى سدة الحكم والقيادة في بعض الأقطار العربية فكان ذلك نذير شؤم على الإسلام والمسلمين لا نزال نعاني منه حتى الآن...

وحتى يصل المخطط الجهنمي إلى منتهاه أمر الشيوعيون بأن يرفعوا شعارات الجبهات الوطنية والتقدمية وأن يندمجوا مع الأحزاب غير الإسلامية، ومع الأقليات الطائفية الباطنية والصليبية من أجل الوصول إلى الأهداف المشتركة.

الإسلام يخيفهم:

 وأكثر من ذلك تبنى بعضهم بناء على قرارات سرية- ما يسمى بالإسلام اليساري أو اليسار الإسلامي، وألقوا المحاضرات هنا وهناك، وألفوا الكتب، ودبجوا المقالات ترويجًا لهذه الأفكار الزائفة، فالإسلام لا يمكن وصفه باليمين ولا باليسار ولا بالوسط وإنما هو الإسلام نسيج وحده فمن شاء أن يأخذه كله شريعة وعقيدة، عبادات ومعاملات، دينًا ودولة فهو مسلم، ومن شاء أن يكون على يمين الإسلام أو على يساره أو من خلفه فهو قريب من الإسلام بمقدار اقترابه منه، ولكنه لا يمكن أن يكون مسلمًا ما دام لم يدخل في دائرة الإسلام ولم يعتقد بعقيدة الإسلام جملة ولم يسلك سلوك المسلم الذي اتخذ من رسول الله صلى الله عليه وسلم «أسوة حسنة».

وعلى الطرف الآخر فإن هناك إجراءات لتطبيق الشريعة الإسلامية أو بحث في تعديل القوانين بما يتلاءم مع روح الشريعة الإسلامية وهذه الإجراءات أو البحوث يمكن أن يفهمها بعض المسلمين على أنها اتجاه نحو تطبيق الإسلام ككل، كما يمكن أن يفهمها بعضهم الآخر على أنها استيعاب لرغبة ملحة لدى الجماهير المسلمة في تطبيق الإسلام وإجهاض أي حركات سرية أو متطرفة.

وأيا ما كان الأمر فالإسلام يفرض نفسه على الساحة عقيدة وهو في سبيله -بإذن الله- إلى أن يفرض نفسه على الساحة جماهيرًا متحركة، وهذا هو ما يرعب الشرق والغرب على حد سواء، ولذلك يعمل كل من جهته على إيقاف هذا الزحف الإسلامي الذي يحول الإنسان المسلم إلى طاقة خلاقة فاعلة مدمرة للوجود الاستعماري الصليبي واليهودي والماركسي، كما حصل في مقر قيادة القوات الأمريكية والفرنسية واليهودية والشيوعية في بيروت وصور وطرابلس على التوالي.

هذه الحشود لمن؟!

ولذلك تحشد إسرائيل وتحشد أمريكا وتحشد سوريا كما يقولون لمعركة محتملة بينهم ولكن المعركة الحقيقية قائمة مع الفلسطينيين وقادمة مع الإسلاميين في طرابلس وفي غير طرابلس.

المؤامرة كبيرة وكبيرة جدًا، ومتشعبة الأطراف وبالغة الدقة، والمستهدفون هم المسلمون وفي طليعتهم الفلسطينيون، وأما سعيد موسى ونمر صالح وسميح أبو كويك فما هي إلا أسماء، مجرد أسماء استطاعت أن تضلل بعض المقاتلين الفلسطينيين لبعض الوقت، ولكن سرعان ما انكشفت وتخلى الذي أمكنه أن يتخلى عنها عند أول نقطة تماس مع إخوته الفلسطينيين على الطرف الآخر، وأخذنا نسمع بين الحين والآخر عن انضمامات من «المنشقين إلى الموالين» وعن استبعاد المنشقين ووضع السوريين والليبيين بدلًا عنهم ثم اعتقالات في صفوف السوريين من غير الباطنيين.

وكثرت الهمسات على لسان سعيد موسى بأنه «حين ننتهي من القضاء على عرفات سيحاول السوريون القضاء علينا» وقد ذكر ذلك الصحفي البريطاني «دافيد هيرست» في صحيفة «غارديان» بتاريخ 8/11/،83 ولا يزال أبو موسى يتحسس على صدره آثار أربع رصاصات سورية في محاولة لاغتياله على إثر تدميره للدبابات السورية على أبواب صيدا عام ١٩٧٦ م، ولكن أفول نجمه في «فتح» على إثر اكتشاف سرقة العاج وأمور أخرى أدت إلى تقديمه للمحاكمة مرتين، ثم تدخل نمر صالح لإنقاذه في المرتين مما أدى إلى التحالف بينهما لإنقاذ نفسيهما والتحالف السوري معهما للقضاء على عرفات في الظاهر وعلي الثورة الفلسطينية في الباطن وعلى نمو الحركة الإسلامية المتصاعدة في لبنان بعد ضربها في سوريا، كل ذلك أدى إلى هذا التحالف غير المقدس الذي لحقت به على الفور كل من موسكو وواشنطن رغم ما بينهما من خلاف أو اختلاف.

والمتمردون في فتح لا يملكون أنفسهم وبالتالي لا يملكون قرار التوقف عن القتال أو استمراره، وهم في الواجهة اليوم وفي بعض الأحيان يوضعون في المؤخرة، والسوريون لم يعودوا يقنعون أحدًا بأنهم على الحياد كما لم يعودوا يقنعون أحدًا أنهم يعملون من أجل فلسطين وتحرير فلسطين.

 وجبهة الخلاص الوطني تكشفت حقيقتها برموزها الثلاثة جنبلاط، كرامي، فرنجية فهي جبهة في يد سوريا لخلاص لبنان من الفلسطينيين، ولذلك فهي لا تختلف في شيء عن «الجبهة اللبنانية الصليبية الكتائبية، فالجبهتان تطالبان بالخلاص من الفلسطينيين.

ولم يبق مع الفلسطينيين حقيقة إلا الإسلاميون الذين استعدوا للقتال إلى جانب الفلسطينيين، إذا هاجمت سوريا طرابلس، فهل يعي الفلسطينيون ذلك؟ وهل تبدأ مرحلة الإصلاح الحقيقي داخل صفوف الثورة بالعودة إلى الإسلام؟!

الرابط المختصر :