العنوان سباق السيطرة على الصعيد الدولي في لعبة الأمريكان والروس
الكاتب أحمد الطنطاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 09-أكتوبر-1984
مشاهدات 51
نشر في العدد 686
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 09-أكتوبر-1984
منذ الصبا وأنا أتذكر أجمل الألعاب التي التهمت ساعات طويلة من يومي ولكنها كانت تشبع رغبات كثيرة أهمها رغبة الانتصار، وكان في ذلك الحين مباراة بطولة العالم بين الولايات المتحدة الأمريكية «بوبي فيشر» والاتحاد السوفيتي «سباسكي»، إنها لعبة الملوك من قديم الزمان يطلقون عليها الشطرنج واليوم أطلق عليها «السياسة الدولية».
- ما هي السياسة الدولية؟
هي سياسة توازن القوى بين الدول العظمي أو بطريقة أخرى هي سياسة الحفاظ على استمرار السلام والعدل الدوليين المأثورة على الدول العظمى مخاطبة الصعيد الدولي، رافعي راية السلام على شواطئ من الرمال لا تستطيع التصدي لموجاتها العاتية.
هي سياسة التخدير الدولي بإنشاء هيئة الأمم المتحدة بعد عصبة الأمم لكي تضمن عدم المساس بالسيادة الدولية للدول الكبرى.
هي السباق القائم بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية في شتى المجالات؛ غزو الفضاء الجوي، وفي المجالات الرياضية، في مجال صناعة الأسلحة والاختراعات الحربية الأخرى من أجل السيطرة أو الاحتفاظ بالسيادة الدولية في شتى المعاهدات الدولية الملزمة لدول العالم أجمع دون الدول العظمى أخذًا بأن لكل قاعدة شواذًا.
هي حماية سياسة التوسع والسيطرة على الصعيد الدولي فيما بين الدولتين العظميين لحفظ التوازن سواء تم ذلك عن طريق التوسع الجبري أو الودي الذي تحكمه الأمم المتحدة بفوز الجانب المتقدم على خصمه لتقليده تاج السيطرة على العالم أو بعبارة أخرى تاج الحفاظ على السلام والعدل الدوليين.
وإن ساحة العرض لزاخرة بالأمثلة لتوضيح ما هي السياسة الدولية.
- الصراع في منطقة الشرق الأوسط:
نجحت الولايات المتحدة الأمريكية في التقدم على الاتحاد السوفيتي في منطقة الشرق الأوسط بعد تشييد إسرائيل كبرج مراقبة، وظهر ذلك في عام «1956» حين احتلت إسرائيل جزءًا كبيرًا من الأراضي المصرية، العدوان الذي استنكره الاتحاد السوفيتي ورفعه لمجلس الأمن لإدانة العدوان الإسرائيلي الذي لم يتم انسحابه إلا بعد تصريح إيزنهاور في عام «1957» حين أطلق على القرار سياسة إزينهاور الحكيمة، وفي عام «1967» بعد احتلال إسرائيل جزء كبير من الأراضي العربية؛ واستنكر الاتحاد السوفيتي في مجلس الأمن التوسع الأمريكي الإسرائيلي مرة أخرى، وصدر قرار مجلس الأمن رقم 242 الذي أدرج في طي النسيان وعزز النسيان بالموافقة على عودة اللاجئين إلى الضفة الغربية، وأصدر جونسون في خطابه المشهور بعد إقناع كوسيجين في جلسة مغلقة باحترام الاستقلال السياسي والحدود الجغرافية لجميع دول المنطقة، وهنا أصبحت إسرائيل دولة ذات حماية أمريكية في منطقة الشرق الأوسط وغفلت العيون وتاهت العقول عن بحث المشكلة وتحولت الصورة إلى مرحلة توازن من نوع جديد حتى اندلعت حرب «1973م» وانتصر العرب على القوات الإسرائيلية مما دعا لفتح «دوسيه» القضية مرة أخرى وبدأ نقاش الحل السلمي بعيدًا عن الأمم المتحدة، وحمل البيت الأبيض الراية البيضاء لحل أزمة الشرق الأوسط سلميًّا، الذي سطر في معاهدة كامب ديفيد كمسيرة مؤكدة لسياسة إيزنهاور الحكيمة لتثبيت رواسي إسرائيل في المنطقة بصفة دوام.
- السموم الروسية:
وأبعد الاتحاد السوفيتي عن المباحثات الخاصة بالمنطقة مما دعاه لغرس سمومه في سوريا وليبيا وغيرهما لكي تفرق المنطقة في الحروب لتأكيد فاعليتها في المنطقة تدليلًا لعدم الاعتراف بفوز أمريكا في المنطقة، ومن جهة أخرى يتجه نحو أفغانستان برهانًا على وجوده السياسي تاركًا أمريكا تغوص في مشاكل إيران والشرق الأوسط محذرًا بعدم تدخلها في قضية أفغانستان، وهنا أعلنت أمريكا عدم اشتراكها في الدورة الأولمبية بموسكو 1980 بعد أن منعت تصدير الحبوب إلى الاتحاد السوفيتي كوسيلة ضغط ومن ناحية أخرى نرى روسيا تواصل غزوها لأفغانستان للوصول إلى حالة التوازن الجبري مع أمريكا.
- المنوال نفسه:
وعلى نفس المنوال كانت المشاكل الأخرى مع السلفادور والأرجنتين ونيكاراغوا، وتشق أمريكا مخططًا جديدًا حاملة راية السلام والعدل الدولي، منادية في الساحة الدولية بتخفيض التسليح الذري داعية للسلام مما جعل العالم بأسره مؤيدًا للسياسة الأمريكية فتحقق انتصارًا جديدًا على الاتحاد السوفيتي، مما جعلها تطالب العالم بالتدعيم المادي بتنمية اقتصادها الداخلي تحت ستار حل الأمم المتحدة أو نقلها، باعتبارها مؤثرة على الاقتصاد الأمريكي، وينعم البيت الأبيض وتتربع أمريكا على عرش الكرة الأرضية.
ولكن سرعان ما يفتح الكرملين باب الهجرة الكوبية إلى أمريكا لإضعاف الاقتصاد الأمريكي مرة أخرى وترد أمريكا بإرسال البحرية لمنطقة الشرق الأوسط لإزعاج الاتحاد السوفيتي والتأكد من توطيد إسرائيل في المنطقة فيثور الكرملين معلنًا عدم اشتراكه في الدورة الأولمبية بلوس أنجلوس، ويكون تعليق الولايات المتحدة أن روسيا على أي حال قد خسرت الجولة.
وتأتي أمريكا بفكر آخر وهو التقرب من الجانب الشرقي وتعيد علاقتها مع الصين، ولكن هؤلاء الصينيين تعلموا لعبة الشطرنج، ومن هنا اتفقوا مع الولايات المتحدة دون أي ترابط عسكري حتى ترضي الجانب السوفيتي أيضًا.
- خلاصة:
ونستخلص من الواقع السياسي أن الولايات المتحدة الأمريكية تمارس شتى الضغوط على الاتحاد السوفيتي حتى يعترف لها بالسيادة الدولية أو ليعتبرها حالة توازن جديدة دون ألقاب.
والسؤال يطرح نفسه: هل قبل الاتحاد السوفيتي هذا الضغط أم لا؟
السؤال مطروح ونحن في انتظار الإجابة التي تعطينا إجابة أخرى على تقرير معهد الدراسات الإستراتيجية بلندن حيث صرح: «أن العالم مهدد بالحرب بسبب الأحداث في الشرق الأوسط» فإنه جعل المنطقة أو المكان سببًا للحرب ولم يتكلم عن المتحاربين.
فهل لنا أن نتعلم لعبة الشطرنج لمعرفة ما هي السياسة الدولية بين الدولتين العظميين في ضوء سياسة القوى؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل