; العد التنازلي في الموقف الأوروبي من القضية الفلسطينية | مجلة المجتمع

العنوان العد التنازلي في الموقف الأوروبي من القضية الفلسطينية

الكاتب أبو عثمان

تاريخ النشر الثلاثاء 16-أبريل-1985

مشاهدات 78

نشر في العدد 713

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 16-أبريل-1985

  • تراجع الموقف الأوربي تجاه القضية الفلسطينية نتيجة لثلاثة عوامل: الضغط الأمريكي، الانشقاق الفلسطيني، فقدان التضامن العربي

    اختتم مؤتمر قمة زعماء الدول العشر للسوق الأوربية المشتركة في بروكسيل الأسبوع الماضي دون إصدار أي إعلان رسمي عن القمة حول قضية الشرق الأوسطـ وقد اعتبر المراقبون ذلك تراجعًا خطيرًا في الموقف الأوربي المشترك تجاه قضية فلسطين التي كانت تشغل حيزًا بارزًا في مثل هذه القمم الأوربية في السنوات الماضية، وقد عزا بعضهم صمت قمة بروكسيل عن القضية إلى خلاف في وجهات النظر بين زعماء السوق لم يمكن التغلب عليه، كما ذكرت مصادر أخرى أن الرئيس الفرنسي فرانسوا میتران عارض اتخاذ قرار بشأن إصدار بيان حول الشرق الأوسط؛ خوفًا من أن يقيد هذا البيان تحركات فرنسا المعلنة حول القيام بمبادرة دبلوماسية فرنسية يمكن اتخاذها إطارًا أوربيًا لحل القضية الفلسطينية قد يكون مكملًا لمعاهدات كامب ديفيد. 

بداية التوازن في الموقف الأوربي:

      إذا عدنا إلى بداية الموقف الأوربي تجاه قضية الشرق الأوسط منذ قيام الكيان الصهيوني وحتى حرب ۱۹6۷ نجده موقفًا متسمًا بالفردية ومنحازًا انحيازًا كليًا إلى جانب إسرائيل، ففي عام ١٩٥٦شاركت فرنسا، وبريطانيا إسرائيل في شن هجوم على مصر فيما عرف بحرب السويس، لكن الموقف الأوربي الانفرادي بدأ يتراجع عن تشدده في تأييد إسرائيل ومعاداة العرب بعد حرب يونيو ١٩٦٧، فعقب تلك الحرب فرض الجنرال ديغول حظرًا عسكريًا على إسرائيل احتجاجًا على استخدامها لطائرات الميراج الفرنسية في هجومها على دفاعات مصر بصورة مباغتة ودون استئذان من فرنسا، وفي بريطانيا أدركت لندن خطورة الموقف في الشرق الأوسط منذ حرب الأيام الستة، ونشطت الخارجية البريطانية للمرة الأولى منذ ١٩٤٨ في البحث عن توازن سياسي، وقامت بصياغة قرار مجلس الأمن الدولي (٢٤٢) الذي يدعو إلى الجلاء عن «أراض عربية محتلة» وعودة «اللاجئين الفلسطينيين» إلى ديارهم، ورغم ضآلة هذا الموقف البريطاني فإنه يعتبر بداية توازن في الموقف البريطاني خاصة والموقف الأوربي بشكل عام. 

تطور الموقف الأوربي:

      الموقف الأوربي من قضية الشرق الأوسط بدأ يتبلور نحو تكوين موقف جماعي بقيادة فرنسا الجنرال ديغول، وكان أول بادرة لهذا الاتجاه الجديد هو وثيقة شومان وزير الخارجية الفرنسي آنئذ، تلك الوثيقة التي اتفقت عليها دول السوق المشتركة في مايو ۱۹۷۱، والتي كانت قريبة في مجمل مضمونها من قرار مجلس الأمن الدولي (٢٤٢) ووعدت دول السوق من خلال وثيقة شومان بإطلاق مبادرة أوربية «هدفها حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين ضمن إطار هيئة الأمم المتحدة وبالارتباط مع دول الشرق الأوسط والدول القادرة على تحمل نفقات تمويل برنامج عون اللاجئين»، لكن تلك المبادرة الموعودة لم تتحقق. 

     بعد حرب يونيو ١٩٦٧ التي مني فيها العرب بهزيمة نكراء رأت الدول الأوربية أن تقف إلى جانبهم وقفة تعاطف أدت إلى اتفاق هذه الدول على وثيقة شومان، لكن بعد الانتصار النسبي الذي أحرزه العرب في حرب أكتوبر ۱۹۷3وما تبع ذلك من استخدام العرب لسلاح النفط ضد الدول الغربية التي كانت تؤيد إسرائيل على طول الخط طرأ تطور ملحوظ على الموقف الأوربي، حيث تنبهت الدول الأوربية لأول مرة إلى أن استمرار أزمة الشرق الأوسط يمكن أن يلحق ضررًا كبيرًا بمصالحها في المنطقة، ومن هنا بدأت هذه الدول في انتهاج سياسة مجاملة العرب؛ وذلك بإصدار البيانات السياسية المؤيدة للقضية الفلسطينية، والتي تطالب بأخذ حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة في الاعتبار عند البحث عن سلام عادل ودائم بالمنطقة. 

     وقد ظهر هذا التطور في الموقف الأوربي واضحًا خلال مؤتمر قمة دول السوق الأوربية المشتركة، الذي عقد في لندن أواخر شهر يونيو ۱۹۷۷، فقد طالب زعماء دول السوق لأول مرة بضرورة تقرير المصير وقيام وطن للشعب الفلسطيني، وإشراك ممثلين عن الفلسطينيين في أي مفاوضات سلام في البيان الصادر عن تلك القمة.

التراجع الأوربي:

      إن التطور السريع الذي طرأ على موقف دول السوق المشتركة تجاه القضية الفلسطينية بعد حرب أكتوبر وحرب البترول تعرض لضغوط أمريكية قوية لشل المبادرات التي كانت دول السوق قد أعلنتها منذ سنوات، والتي كانت منصفة للشعب الفلسطيني إلى حد ما، فبعد اتفاقيات كامب ديفيد نجحت الضغوطات الأمريكية على الأسرة الأوربية في عرقلة إصدار أية مبادرة أوربية جديدة ولو كانت مكملة لمعاهدات كامب ديفيد؛ ولذلك عندما عقدت قمة رؤساء دول السوق المشتركة في البندقية عام ۱۹۸۰ لبحث أزمة الشرق الأوسط اكتفت القمة بإصدار بيان من (۱۱) نقطة حول الموقف الأوربي الجديد من قضية الشعب الفلسطيني، بدلًا عن المبادرة الأوربية التي كان المراقبون يتوقعون صدورها عن قمة البندقية، وأهم النقاط التي وردت في البيان الختامي هو: 

-الاعتراف بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، وضرورة إشراك منظمة التحرير في مفاوضات السلام، واعتراف الدول الأوربية بأن مشكلة الشعب الفلسطيني ليست مجرد مشكلة لاجئين، والمطالبة بضرورة انسحاب إسرائيلي من الأراضي العربية التي احتلتها عام 1967. 

     وفي قمة دبلن التي عقدها رؤساء دول السوق بعد أربع سنوات من بيان البندقية؛ أي في عام ١٩٨٤ أصدرت هذه الدول بيانًا أوربيًا جديدًا أكثر تراجعًا؛ حيث طالب هذا البيان بمفاوضات مباشرة بين الدول العربية وإسرائيل، يشارك فيها ممثلون عن الشعب الفلسطيني دون ذكر منظمة التحرير، وقد صدر هذا البيان المتخاذل دون أن تحتج عليه أي جهة عربية، فالمنظمة كانت مشغولة بمعالجة قضية الانشقاق الحاصل في صفوفها، والدول العربية الأخرى كانت تبحث عن وسيلة لتعزيز التضامن العربي الضروري لعقد قمة الجامعة العربية التي ظلت معلقة منذ سنوات. 

     وقد انتبهت دول السوق إلى ضعف التأثير العربي على مصالح الغرب بالمنطقة عندما عقدت قمتها في بروكسيل الأسبوع الماضي، واختتمتها دون أدنى إشارة إلى القضية الفلسطينية؛ الأمر الذي اعتبره المراقبون ذروة التراجع في الموقف الأوربي تجاه مشكلة الشرق الأوسط، بعد مسلسل المبادرات الأوربية التي بقيت حبرًا على ورق.

الرابط المختصر :