العنوان في الذكرى الـ50 لها.. دروس من الوحدة الأوروبية
الكاتب د. أحمد عيسى
تاريخ النشر السبت 05-مايو-2007
مشاهدات 53
نشر في العدد 1750
نشر في الصفحة 28
السبت 05-مايو-2007
- في مارس 1975 وقعت ست دول على اتفاقية السوق الأوروبية المشتركة.. ووصلت 12 دولة في اتفاقية ماستريخت غام 1993م.. ثم تتابع دخول أوروبا الشرقية الاتحاد الأوروبي
يتعجب المرء كيف اجتمعت وتوحدت بلدان شتى تتحدث بـ ۲۳ لغة، وتفرقت دول ذات لسان واحد! هذا ما حدث لدول أوروبا التي تحتفل بمرور ٥٠ عامًا على بداية مشروع وحدتها مستفادة في مارس ١٩٥٧ م، فيما يعاني أصحاب اللسان العربي المبين من تفرق واختلاف .. فما السبب؟ وهل من دروس مستفادة من تجربة الوحدة الأوروبية؟
لا شك أن كل مسلم يطمع في الوحدة الإسلامية الكبرى للدول السبع والخمسين، ولكن ما المانع أن تبدأ بالوحدة العربية من منظور إسلامي- وليست القومية العربية-كمثال يحتذى ونواة تكبر، خاصة أن العرب يعيشون على أرض ممتدة ككتلة جغرافية واحدة، ودين الغالبية الساحقة هي الإسلام؟
نواة الوحدة الأوروبية: ففي مارس ۱۹٥٧ وقعت ست دول أوروبية على اتفاقية روما التي كانت بذرة السوق الأوروبية المشتركة "فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، هولندا بلجيكا، لكسمبورج". وتوالى دخول الدول حتى وصل إلى ١٢ دولة في اتفاقية ماستريخت في ١٩٩٣م. ثم تتابع دخول دول أوروبا الشرقية حتى وصل العدد في بداية ٢٠٠٧ م إلى ٢٧ بدخول بلغاريا ورومانيا.
الهدف من الوحدة الأوروبية، كما أعلن هو السلام والرفاهية والاستقرار والأمان لمواطني القارة، والقضاء على الاختلافات فيها، وتشجيع النمو المتوازن اقتصاديًّا واجتماعيًّا، مع الحفاظ على النسيج المتنوع الأهل القارة، وإعلاء قيم البيئة الصالحة واحترام حقوق الإنسان.
- الإيمان بالقضية
آمنت أوروبا بالمصير المشترك، ورأت أن البقاء للأقوى في زمن التكتلات، فوضعت الوحدة نصب عينيها على أساس إيمان كل الدول الأعضاء بأن الوحدة الاقتصادية والنقدية بينهم ستحقق الفائدة لكل الأطراف وأن كل طرف سيحصل على فائدة صافية من هذا التكتل..
التدرج والتخطيط: وبدأت التجربة بتجمعات صغيرة ثم تدرجت خلال خمسين عامًا على أسس مدروسة.. بدأت باتفاقية روما، مرورًا بالعملة الموحدة في ١٩٩٩م "اليورو في بلاد الاتحاد ما عدا الدنمارك والسويد والمملكة المتحدة".
أما التجربة العربية فبدأت بمحاولات متفرقة للوحدة الاقتصادية والسياسية بين بعض الدول مثل تجربة مصر وسورية، بما سمي بالجمهورية العربية المتحدة (١٩٥٨-١٩٦١م)، وتجربة مصر وليبيا وسورية "اتحاد الجمهوريات العربية" الذي لم يتعد حد البيان، ثم انتهى بعد اتفاقية كامب ديفيد، ومجلس التعاون العربي (۱۹۹۱-۱۹۸۹) ضم الأردن ومصر والعراق واليمن الشمالي وانتهى بحرب الخليج. وقامت تلك التجارب على الاندفاع العاطفي دون دراسة عميقة، ومن ثم كتب لها الفشل ولم يبق إلا مجلس التعاون لدول الخليج العربية الذي تأسس عام ۱۹۸۱م..
وعلى المستوى الإسلامي والعربي بقيت هيئات شكلية مثل الجامعة العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي. ولم يكتب لهذه ولا تلك الاجتماع على القضايا الكبرى كقضية فلسطين، أو منع دخول صدام للكويت أو إخراجه منها، ولا رفع المعاناة عن فقرائنا ولنقل التجربة إلى مجتمعاتنا العربية والإسلامية لابد من التعرف على أهم أسس الوحدة الأوروبية:
- التكافل
الوحدة الأوروبية ليست وحدة بين حكومات أو أنظمة ولكنها وحدة لعبت الشعوب دورًا بارزا فيها.
وفي جميع مراحل الوحدة الأوروبية كانت الحكومات تلجأ إلى الشعوب لأخذ رأيها- في مناخ حر- بداية من فكرة الانضمام إلى التكتل الأوروبي، وانتهاء بالانضمام إلى العملة الموحدة.
وقد رفضت الشعوب في أيسلندا والنرويج وسويسرا الالتحاق بالاتحاد، واحترمت الحكومات رأي الشعوب.. فيما تم تهميش مواقف وآراء الشعوب العربية والإسلامية في كثير من قضايانا المصيرية...
اعتمدت الوحدة الأوروبية آلية توزيع الأعباء والمغانم بين الدول الأعضاء، ومساعدة الدول الأقل نموًّا أو التي تواجه ظروفًا خاصة أو التي يقع عليها أضرار أكبر من قرارات وإجراءات التكامل الاقتصادي..
حيث منح الاتحاد الأوروبي الدول العشر التي انضمت منذ ثلاث سنوات- ٤١ بليون يورو حتى تتحقق لها شروط قبولها…
- الشورى
لكل دولة عدد من الأصوات في المجلس الأوروبي طبقًا لثقلها الاقتصادي والسياسي والسكاني، فلكل من ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا ٢٩ صوتًا، في حين أن لهولندا ١٣ صوتًا، ولمالطا ثلاثة أصوات فقط "من جملة ٣٤٥".
وفي البرلمان.. لألمانيا ٩٩ مقعدًا، والمملكة المتحدة ۷۸، ولإسبانيا ٥٤، ولمالطا ٥ مقاعد "من جملة ۷۸۸". وهناك آليات لضمان تنفيذ القرارات التي يكفيها الأغلبية، وليست الأغلبية المطلقة.
- التواصل الثقافي
أخذ الاتحاد الأوروبي على عاتقه المشروع الثقافي والتربوي، والذي يبذل فيه الغالي والثمين، فمثلًا الاتحاد الأوروبي ينفق على ٣ ملايين طالب جامعي للدراسة في دول مختلفة، ويمنح ٨٠ ألف خريج-كل عام منح تدريب في شركات أوروبية مختلفة. وتصرف أموال طائلة في مجال الدراسات الأوروبية بغرض تحقيق الاندماج.
ومع هذه الوحدة فتحت أبواب الحدود وأبواب الخزائن ورأينا-كمثال-وصول ما يقرب من نصف مليون أوروبي، معظمهم من بولندا إلى بريطانيا بسهولة، ويعملون بنفس حقوق أصحاب البلاد. كما تبادلوا الخبرات والثقافات وحدث التزاوج والاندماج.
- الاكتفاء الذاتي والتصنيع
صار الاتحاد الأوروبي قوة اقتصادية هائلة، وأصبحت دولة مجتمعة هي الأولى من حيث الدخل والتجارة بالمقارنة بالقوتين الأخريين أمريكا واليابان.
كما يهتم الاتحاد بالزراعة التي تحقق له الاكتفاء الذاتي والتصدير. فالزراعة والنمو الريفي يأخذان نصيب الأسد من الإنفاق السنوي، بما يصل إلى ٤٦ % من ميزانية التطوير: أي حوالي ٥٠ بليون يورو في السنة.
أما المثال الذي اخترته للذي "صنع في بلاد الوحدة الأوروبية" فهي طائرة-Air A380 bus التي بدأت رحلاتها العام الماضي، بعد عشر سنوات من العمل المشترك بين فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإسبانيا في مشروع تكلف ۱۰ بلايين يورو.
وهذه الطائرة الآن تتحدى البوينج ٧٤٧ الأمريكية. وتم التعاقد حتى الآن على ١٦٦ طائرة إيرباص سعر الواحدة على الأقل ۲۰۰ مليون يورو، ويتوقع بيع ۱۷۰۰ طائرة خلال العشرين سنة القادمة.
- تحديات في طريق الوحدة
مع الوحدة وحرية التنقل ظهرت بعض السلبيات التي لا تضر أساس الفكرة، على سبيل المثال وصول بعض عصابات أوروبا الشرقية للعمل في الغرب، وسهولة انتقال المخدرات ونقل النساء للعمل كرقيق أبيض.
ولا يزال دستور الوحدة الأوروبية ينتظر الموافقة الكلية، وحتى الآن فقد وافقت عليه ۱۸ دولة، ولايزال متجمدًا في ٧ دول، ورفضت دولتان التصويت، ولكن يوجد لدى الاتحاد الأوروبي دستور غير مكتوب يسمح بالتنوع والتناغم.
أما القضية التي يحتمل بشكل كبير أن تكون مصدرًا للتوتر بعد اتساع الوحدة، فهي مشكلة السياسة الخارجية ولا سيما العلاقة مع الولايات المتحدة، فالدول المنضمة حديثًا ستحرص على تكوين علاقات أقوى مع أمريكا، وقد يستغرق تكوين موقف أوروبي موحد وقتًا. ومع ازدياد البرلمان الأوروبي قوة وتطورًا بمقتضى الدستور الأوروبي الجديد فستنتقل السلطة تدريجيًّا من البرلمانات الوطنية إلى البرلمان الأوروبي، وقد يشعر الناس بصعوبة فكرة أن يصوت على القرارات التي تخص بلدهم من قبل ممثلين أجانب.
الحق يقال: إن التجرية الأوروبية تستحق الدراسة، وإن أمتنا في أشد الحاجة لتعلم درس الوحدة وهي تسمع نداء الله تعالى: ﴿وَٱعۡتَصِمُوا۟ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِیعࣰا وَلَا تَفَرَّقُوا۟ۚ﴾ (آل عمران: ۱۰۲).