; في الذكرى الخمسين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان | مجلة المجتمع

العنوان في الذكرى الخمسين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان

الكاتب عزام التميمي

تاريخ النشر الثلاثاء 13-أكتوبر-1998

مشاهدات 85

نشر في العدد 1321

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 13-أكتوبر-1998

بدأت الأمم المتحدة ومعها العديد من منظمات حقوق الإنسان منذ مطلع هذا العام الإعداد للاحتفال بالذكرى الخمسين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يكمل أعوامه الخمسين في نوفمبر القادم، ولعل من أهم ما يطرح في منتديات الفكر المهتمة بقضية حقوق الإنسان بهذه المناسبة هو مدى عالمية ودرجة مرجعية أو إلزامية - هذا الإعلان الذي صدر عن الأمم المتحدة في نوفمبر ١٩٤٨م في اجواء امتزج بها الابتهاج بالنصر مع الشعور بالذنب لما أثمرته الحرب من سيادة أمم على أمم ولما جلبته في الوقت نفسه من دمار وسببته من مآس وآلام، ولئن كانت مساهمة المسلمين في صياغة الإعلان وإنشائه حينذاك شبه معدومة، فإن الحوار حول الإعلان في ذكراه الخمسين لا يخلو من مساهمات إسلامية، ولعل النقاط التالية تلخص بعض الأفكار التي يتم تداولها في مثل هذه الحوارات.

اختلاف في النظر بين الإسلامية والغربية:

رغم ما يمكن أن يجمع عليه البشر بشكل عام - مسلمون وغير مسلمين . من احترام للحقوق الأساسية للأفراد والجماعات، فإن الأصول الفلسفية والحقوق الإنسانية في المنظومة الفكرية الإسلامية تختلف تماماً عنها في المنظومة الغربية، بل وتتناقض معها، ففي الفكر الإسلامي يجري التأصيل لمفهوم حقوق الإنسان انطلاقاً من مبدأ تكريم الله للبشر ومن عقيدة أن الله خلق الكون وما فيه لخدمة الإنسان المكلف بعبادة خالقه والتقرب منه ابتغاء للفوز بحياة أفضل في الآخرة، وانطلاقاً من الإيمان بأن الحياة الدنيا إنما هي دار اختبار مؤقتة لا بد من العبور منها إلى ما بعدها من دار إقامة دائمة مروراً بالموت الذي لا مفر منه، وبذلك تقوم المنظومة الإسلامية على مبدأ توطيد الصلة بين الله الخالق والإنسان المخلوق على أساس أن الله هو المتفرد بالألوهية الربوبية والمنزه عن كل ما دونه من مخلوقات، وأنه رغم ذلك قريب من الإنسان وهذا السمو والتنزه - رغم القرب - هو الذي يحول دون أن يعتقد مسلم صحيح الإيمان بالحلول الذي يفتح كل أبواب الاستبداد والطغيان والظلم، كما كان حاصلاً في أوروبا في عصور غفوتها وكما تبرره المعتقدات الوثنية في ثقافات قديمة وحديثة نظر فلاسفتها لتأليه الزعماء والملوك، نازعين - مقابل إضفاء القدسية عليهم - التكريم الإنساني عن رعاياهم الذين تحولوا إلى عبيد، بل إلى مجرد أشياء، ولذلك، لا توجد ترجمة عملية أدق للمفهوم الإسلامي للإنسان والكون وعلاقة الخالق بالمخلوق من الإيمان بأن الله لا ينوب عنه أحد، ولا يتحدث باسمه فرد أو مؤسسة، وأن الوحي هو صلة الله بخلقه، وبذلك تكون حرية الإنسان ثمرة عبوديته لله وطاعته له ولرسوله.

بالمقارنة تقوم المنظومة الغربية - التي حققت خلال القرون الثلاثة الماضية فتوحات كبيرة في التأكيد على حقوق الإنسان الأساسية - على بتر الصلة بين الخالق والمخلوق، إذ جاءت حقوق الإنسان ثمرة الثورة على الله والتمرد على كل مظاهر التدين، والكفر بكل ما هو غيبي ومطلق، وذلك لأن النهضة الأوروبية قامت على التحرر من قيود الدين الكنسي الذي جرم الإبداع وحرم التفكير وأرسل بالناس إلى النعيم أو إلى الجحيم بصكوك كانت تصدرها الكنيسة ادعاء على الله.

ومن هنا كانت النظرة الغربية - والتي ينبثق عنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان - على رفض المطلق الديني وصولاً إلى اعتبار هذا الإعلان هو المطلق الذي ينبغي على كل البشر الإيمان به والانصياع له، إن هذه النظرة الفلسفية ذات صلة بالتجربة الغربية - وبالخصوصية الأوروبية - ومع ذلك هناك من يسعى في الغرب وفي الشرق - لفرض هذه النظرة على باقي شعوب الأرض دون أدنى اعتبار لحق هذه الشعوب في الخصوصية الثقافية.

هل يمكن إيجاد أرضية مشتركة ؟

رغم اختلاف النظرة الفلسفية بين المنظومتين الإسلامية والغربية إلى الكون وإلى الإنسان، فإن المسلمين بحكم دينهم مدعوون للانفتاح على غيرهم، وينبغي ألا يجدوا غضاضة في البحث مع الآخرين عن أرضية مشتركة يقف الجميع عليها نصرة لقضية حقوق الإنسان وسعياً لإيجاد مجتمع بشري أكثر اطمئناناً وأمناً وتعاوناً، إلا أن هذه الأرضية المشتركة التي تسمح بتعدد الآراء ينبغي الا تكون على حساب المبادئ الأساسية للعقيدة والأخلاق الإسلامية، ومن هنا ينبع الخلاف بين المسلمين ودعاة العلمانية في الشرق والغرب الذين لايرون الأرضية المشتركة ممكنة إلا إذا كانت هجرة إلى ما يقفون عليه هم من أرضية.

منذ بدأ الفكر الإسلامي المعاصر يتعرض لقضية حقوق الإنسان، كان التعامل مع هذه القضية في كثير من الأوقات نابعاً من رد الفعل على ما يراه البعض تقدماً غربياً وتخلفاً عربياً وإسلامياً، لقد أن الأوان أن يتعامل المسلمون مع هذه القضية من منطلق الهجوم لا الدفاع، وبخاصة بعد أن تطرف الغربيون ومن يروج لفكرهم في بلادنا وذهبوا في العلمنة مذهباً حول الإنسان إلى سلعة تباع وتشترى فتلاشت الحقوق التي من أجلها قامت النهضة الأوروبية المعاصرة، والمقصود هنا أن يتطرق المسلمون في خطابهم ليس فقط لما يوجد في الإسلام من ضمانات لحقوق الإنسان والحرية بل أن يتطرقوا كذلك – ويعمق إلى إفلاس الفكر العلماني وخطورته على الإنسان وحقوقه، ولا أدل على ذلك مما نراه في العالم اليوم من تفكك أسري وتحلل أخلاقي، واعتداء شعوب على أخرى، وتسلط حكومات على محكوميها، وهكذا.

لقد قصر المسلمون حتى الآن في المجال العملي، فثمة تقصير هائل في حقل الدفاع عن حقوق الإنسان من منطلق حضاري إسلامي، واللافت للنظر أن هذا الحقل لا يزال - غالباً - حكراً على النخب العلمانية، وبخاصة ممن كانوا حتى عهد قريب أصحاب أفكار وأيديولوجيات باءت بالفشل الذريع، فلجأوا إلى منصة حقوق الإنسان والديمقراطية إبقاء على وجودهم وعلى مصالحهم وهؤلاء للأسف يستخدمون حقوق الإنسان لتحقيق أهداف سياسية أو لفرض هيمنة ثقافية أجنبية من المهم أن يدرك المسلمون أنهم الأحق بالتصدي لهذه القضية الإنسانية منطلقين من ثوابتهم العقائدية وموروثهم الثقافي الثري مع ضرورة تجنب الوقوع فيما وقع فيه غيرهم من استغلال هذه القضية النبيلة لتحقيق مأرب سياسية خاصة، أو للدفاع عن فئة دون فئة أو لتسوية الحسابات مع خصومات سياسية معينة.

يلجأ بعض الحكومات إلى تخصيص دوائر أو وزارات للدفاع عن حقوق الإنسان، إلا أن الدفاع عن حقوق الإنسان وتوفير ضمانات تحول دون انتهاكها لا يمكن إلا أن يكون عملاً غير حكومي، وطوعياً بالدرجة الأولى، إلا أن الذي يمكن أن تعمله الحكومات إثباتاً لصدق نواياهم هو احترام العاملين في هذا المجال وتوفير الحرية لهم حتى يرصدوا الانتهاكات ويقدموا تقاريرهم إلى الجهات الحكومية المختصة المكلفة بدورها بتصحيح الأخطاء ومعاقبة المخالفين للقوانين، ورد المظالم إلى أهلها، وكل ذلك شريطة ألا يستغل العاملون في مجال حقوق الإنسان هذه المنصة للمعارضة السياسية.

ينبغي أن تهتم مناهج التعليم والتربية - سواء في مقاعد الدراسة أو داخل المؤسسات الأهلية الإسلامية - بقضية حقوق الإنسان انطلاقاً من أن الاهتمام بها يمليه الواجب الديني للمسلمين عملاً بمبدأ الدين النصيحة، ومن رأى منكم منكراً فليغيره... كما أن الاهتمام بهذه القضية يقتضيه الواقع المرير الذي يعاني منه سجل الحقوق في أنحاء العالم الإسلامي.

الرابط المختصر :