العنوان في الذكرى السادسة والعشرين لتأسيس الأمم المتحدة.. قصة العدد: الطريق!
الكاتب أحمد الطحان
تاريخ النشر الثلاثاء 02-نوفمبر-1971
مشاهدات 83
نشر في العدد 84
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 02-نوفمبر-1971
في الذكرى السادسة والعشرين لتأسيس الأمم المتحدة
قصة العدد
الطريق!
وتسربل الكوكب الفضي بدمائه ودموعه، فبدت حمرة في السماء، ولون عسجدي في الأفق، برهة قصيرة وصدح المؤذن في سماء «أسدود» معلنا نداء السماء فتواكبت الأصداء في المدينة الصغيرة -كنغم رخيم- يعيد ذلك الشعار الرباني الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، وهرع الأهلون للصلاة، وعلى عتبة المسجد أراده الله شهيدًا، صرخات تتعالى وتطول، واستنجادات المطعون في قلبه: اليهود، اليهود وانقضت شرذمة من عصابة «الهاجانا» فأعملت القتل في السكان العزل، قتلت المدافعين شردت الأطفال الآمنين، بقرت بطون النساء، وتمادت في غيها فاعتدت أيما اعتداء. وبين ساعة وأخرى حولت المدينة لكتلة ملتهبة من النيران، تتضرم في أحيائها، وتحول أشلاء أصحابها - من رجال استشهدوا ومن شيوخ ونساء وأطفال، عجزت بهم الحيلة عن الدفاع والفرار لرماد يتذرى هنا وهناك، يصل إلى عنان السماء، يستصرخ الثأر من أعداء الله والإنسانية.
وعم سكون رهيب، وما كاد يعم حتى بددته أصوات المنتصرين، يقرعون كؤوسهم، ويشربون نخب انتصاراتهم المتوالية على أمة مستضعفة، لا تملك سوى الدعاء!
وبقيت هذه القضية العادلة غيمة في نفوس الخلق، يبتدعون الطرق والأساليب لحلها، يتكلمون بمنطلقاتها، ويحيكون القصص والأشعار حولها، يبدعون في وصف المشردين من أهلها: في خيام البؤس والشقاء، تحت رحمة السماء من برد قارس وحر لاهب، وبينهما الخريف، يتمتعون بمنظر أطفالهم يقفون وراء الأسلاك الشائكة، ينظرون للقدس وبيت المقدس يعيدون في الذاكرة أيامهم.
كانوا وكيف انقلبت بهم الأيام، وعلى الشفاه المرتجفة وفي العيون الدامعة، وعلى الخدود المصفرة كالورس ارتسمت صورة المأساة.
وطرق الفلسطينيون الأبواب فخطبوا وما استفادوا، ودبجوا وما عادوا، وتقربوا من العرش والسلطان فما اكترث بهم العرش ولا السلطان، فهم في الخيام مشردون، ومن وراء الأسلاك ينظرون، والبرتقال يثمر لليهود العام تلو العام: العام تلو العام. والعرب يعدونهم بدولة!
ولجأ الفلسطينيون للأمم المتحدة، وعلى المائدة المستديرة! ومن وراء منابرها، أخذت أصوات الدول العربية والصديقة تنادي، وتكرر النداء: فلسطين عربية وستبقى عربية وسيرفرف على سمائها علم الحرية وستعود البلاد لأهلها الشرعيين، واحترف القوم هذه الصناعة! وتوالت الخطب، والبرتقال يثمر لليهود العام تلو العام، العام تلو العام، وذاب القلب من حسرة، وتبلد الحس من تكرار، وبقيت القضية هي القضية، وبقي الفلسطينيون في الخيام، تحت رحمة السماء من برد قارس وحر لاهب، وبينهما الخريف، يتمتعون بمنظر أطفالهم، يقفون وراء الأسلاك الشائكة، ينظرون للقدس وبيت المقدس، يستعيدون في الذكرى أيامهم، وعلى الشفاه المرتجفة، وفي العيون الدامعة وعلى الخدود المصفرة ارتسمت صوره المأساة.
وفئة مؤمنة علمت بأن طريق الأمم المتحدة سراب لا يحقق الهدف –لا يعيد الأرض- ولا يسترجع الكرامة -لا يرد حقول البرتقال -ولا ينتقم لشهيد على عتبة بيت الله، وما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة «وللحرية الحمراء باب بكل مضرجة يدق» تلمسوا الطريق، فكان الجهاد في سبيل الله ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُون﴾(البقرة)
وفئة إمعة رضيت بالقعود فسيبقون في الذل والهوان ما شاء الله أن يبقوا، وسيعلمون ذلك في حين ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِين﴾ (التوبة)
وسارت الجحافل المؤمنة بأمر من ربها، فقد تحركت أجنحة القوات الضارية في ليلة الجمعة 31/12/1964 وقامت بتنفيذ عدة عمليات في الأرض المحتلة، وكانت بداية الطريق، ودوت الانفجارات في الأرض المحتلة، وكثرت العمليات العسكرية، وبلغ عدد المقاتلين الآلاف، وسارت المسيرة، فمن حلم في الخيال، ومن وراء الأسلاك الشائكة برزت للعالم حقيقة ناصعة مشرقة، بشرت بميلاد الرجاء ميلاد الثورة التي غضبت على الأمم المتحدة وقراراتها، غضبت على الخطب والخطباء غضبت على عالم النساء: كسرت اليراع واستلت السيف البتار مزقت الصحائف وشهرت السوابغ واعتلت الرياح، وأعلنتها حتى النصر ثورة في سبيل الله.
وأحس العالم بالقضية الفلسطينية، تذكروا إنها قضية عادلة، إنها قضية شرفاء وأبطال، أرادوا الموت في سبيلها فوهبت لهم الحياة، تذكر العالم القضية، بعد أن كان بالأمس القريب متجاهلًا القضية مستصغرًا أعمدتها وقوادها، تذكروا ذلك، لأن أصحاب القضية تذكروا فن اختيار الموت وسموا فوق الحياة، فاتصلوا بخالقهم، وزودهم بقوة سرمدية خالدة، فأحسوا بالعظمة بعد الصغر، وبالانتصار بعد انكسار، فكانت القضية عادلة: يا له من عالم هاو لا يعرف إلا منطق القوة.
وفي إحدى العمليات وصل الفدائيون «لأسدود» ومن وراء تلة عالية، أخذوا يتدبرون الخطة ويتذكرون تلك الليلة، التي مرت منذ عشرين سنة وأهلها عزل من السلاح فقتلوا الأهل ودمروا المدينة، تذكروا مئات الضحايا التي سقطت تتسربل في دمائها، تقبل الثرى، وتدعوا للانتقام! تذكروا كيف سقط الشيخ الفاضل على عتبة بيت الله يردد في آخر أنفاسه، علاقة بينه وبين خالقه: الله أكبر الله أكبر، وثارت حمية الإسلام في نفوسهم فعاهدوا الله على الشهادة، وركزوا صواريخهم الثقيلة على المستعمرة، وبدأوا بقصف مركز في اتجاه واحد هو القلب وما هي إلا لحظات حتى توالت الصيحات في الجنبات: المخربون وهرع الأهلون لبيوتهم، وعبثًا ما يفعلون، لقد تهدمت البيوت على رؤوسهم، واندلعت ألسنة النيران في كل مكان فلم تبق ولم تذر، لقد تذكروا أسدود منذ عشرين سنة كيف ألهبوها بقنابلهم الحارقة، فدمروها على أهلها شر تدمير قتلوا المدافعين شردوا الأطفال وبقروا بطون النساء، فعلوا الأعاجيب، كأن التاريخ يعود وكأن الكرة عليهم تدور ما كادت الأفكار تتجلى في النفوس بين قاصف ومقصوف، حتى أز صوت الطيران الإسرائيلي، محاولًا القضاء على مدفعية الفدائيين وصواريخهم، وتدميرهم عن بكرة أبيهم، عبثا ما يحاولون لقد انسحب الفدائيون لقواعدهم، يحملون أحد المناضلين الأبطال، أصيب بجراح أثناء القصف.
وفي القاعدة، التف الرفاق حول أحمد، يقوون عزيمته، ويهونون عليه آلامه وجراحه، وعندما شعر بدنو أجله، أمسك بيد القائد، لا ليشكو له الجراح ولا ليطلب منه الدواء، وإنما ليحشرج بما في صدره من إيمان «لا تحيدوا عن هذا الطريق أيها الرفاق، فهو طريق العزة وغيره طريق الهوان، لا تحيدوا فالجنة تحت ظلال السيوف، إني لألمح حوريات الجنة تتسابق إلي، فهيا أخوتي لا سدود في سبيل الله»! رحم الله الشهيد لقد كان من مشرديها.
أحمد محمد طحان