; في البوسنة هل تطفئ خطة السلام الظالمة نار الصراع؟ | مجلة المجتمع

العنوان في البوسنة هل تطفئ خطة السلام الظالمة نار الصراع؟

الكاتب د. حسين نصر

تاريخ النشر الثلاثاء 19-سبتمبر-1995

مشاهدات 54

نشر في العدد 1167

نشر في الصفحة 41

الثلاثاء 19-سبتمبر-1995

الأطفال البوسنويون يعانون من التفرقة العنصرية في الشوارع والمدارس مما يؤثر على نفسياتهم

أثار تحول الموقف الأمريكي والغربي عمومًا في قضية البوسنة، المتمثل في الغارات الجوية المكثفة التي قامت بها قاذفات حلف الأطلسي على المواقع الصربية المحاصرة للعاصمة سراييفو، مما أجبر الصرب مؤخرًا على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، أثار هذا التحول شكوكًا متزايدة في الأوساط الإسلامية، حول أسباب ومبررات هذا التحول، وما إذا كان يصب في خطة  أوروبية أكبر لتصفية الدولة المسلمة في البلقان، وقد تزايدت هذه الشكوك في أعقاب الكشف عن خطة السلام الأمريكية المقترحة، والتي وافق عليها الصرب وترمي إلى إنشاء كيانين مستقلين على مساحتين متساويتين للمسلمين والصرب على أرض البوسنة، يتمتع كلاهما بالحكم الذاتي، الأمر الذي فسره المراقبون هنا  في واشنطن بأنه تصفية ذكية ومحسوبة للدولة البوسنية المسلمة، التي ستضطر إن عاجلًا أو أجلًا للذوبان في دولة كرواتيا.

وبحجم التحول الذي حدث في الموقف الأمريكي كان الجدل الذي ثار داخل الولايات المتحدة، لتفسير هذا التحول وربما تبريره من منطلق أنه يمثل تحولًا في الدور الأمريكي الدولي /وفي صورة الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة في العالم، فطوال نحو ثلاثة أعوام في عمر الحرب في البلقان، ظلت إدارة الرئيس كلينتون تتحاشي إغضاب حلفائها الغربيين بالتدخل لإنهاء الحرب بالقوة، وتصمت المرة تلو الأخرى على المذابح الصربية الوحشية للمسلمين، والعار الذي لحق بالأمم المتحدة وقواتها الدولية على يد الصرب.

الخطة الأمريكية تصفية محسوبة للدولة المسلمة في البوسنة

من ناحية يقول محللون أمريكيون إن هذا التحول بالإضافة إلى ما يمكن أن يرتبط به من أهداف خارجية كثيرة تتعلق بمستقبل البوسنة، فإنه جاء تحت ضغط الرأي العام الأمريكي، فالأمريكيون رغم ضآلة اهتمامهم بالسياسة الخارجية عمومًا لم يعودوا قادرين على تجاهل حقيقة الحرب العنصرية وإغماض عيونهم عن المذابح التي يرونها كل يوم على شاشات التليفزيون، وفي الشهور الأخيرة ارتفعت أصوات كثيرة من جميع الاتجاهات الديمقراطية والجمهورية، تطالب بموقف محدد من قضية البوسنة، والتخلي عن التردد والانتهازية التي تتعامل بها إدارة كلينتون مع الأزمة، وقد أثمرت الانتقادات المتزايدة في الداخل لموقف الإدارة الأمريكية في صدور قرار الكونجرس برفع حظر السلاح المفروض على مسلمي البوسنة، كان على كلينتون إذن بعد أن أظهر عجزه داخليًا وخارجيًا، وعدم تجاوبه مع تيار الرأي العام بتهديده باستخدام الفيتو على قرار الكونجرس بشأن رفع حظر السلاح أن يتخذ خطوة إيجابية تسند موقفه المتداعي في انتخابات الرئاسة المقبلة في العام القادم، ومن حسن الحظ أن اجتمعت عدة عوامل خارجية وبوسنية شجعته على اتخاذ خطوة في تاريخ رئاسته باتجاه دعم الزعامة الأمريكية في العالم. 

وقد تمثلت هذه العوامل في الغارة الصربية الوحشية للمرة الثانية على السوق التجاري بقلب العاصمة البوسنية سراييفو، ورغبة الحلفاء الأوربيين خاصة بريطانيا وفرنسا في إنهاء وجودهما في البلقان، قبل حلول فصل الشتاء، والتأكد من نجاح كرواتيا في استرداد أكثر من۸۰% من أراضيها المغتصبة من جانب الصرب، بالإضافة إلى الرغبة في تحجيم الدور الروسي الذي كان آخذًا في التزايد، أما العامل الأهم فكان توصل الأمريكيين إلى مشروع للسلام يحقق أهداف جميع الأطراف، ماعدا الطرف المسلم، وذلك عن طريق منح الصرب ما اغتصبوه من أراضِ تمهيدًا لضمها إلى جمهورية صربيا والجبل الأسود، ومنع قيام دولة مسلمة مستقلة في البلقان بتأكيد الخيار الفيدرالي أمام البوسنة باعتباره الخيار الفيدرالي الوحيد للتعايش في المنطقة، ومن ثم الذوبان في البحر الكرواتي المسيحي.

إن السؤال المطروح حاليًا هو هل سيقود هذا التحول إلى سلام دائم وعادل في البلقان؟

 إن كل الشواهد تؤكد أن خطة السلام لا تفي بالحد الأدنى من حقوق المسلمين في البوسنة، وتمنح الغاصب ما اغتصبه على طبق من فضة، ولا تحل إشكالية عدم توازن القوى العسكرية بين أطراف الصراع، وبالتالي فإن هذه الخطة قد تنجح في وقف القتال لفترة قد تطول أو تقصر، ولكنها لن تخمد نار عدم الرضى الصربي والإسلامي على حد سواء التي ستظل مشتعلة تحت الرماد.

الرابط المختصر :