العنوان في استجواب وزارة التربية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 05-مارس-1974
مشاهدات 91
نشر في العدد 190
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 05-مارس-1974
في استجواب وزارة التربية
· الوقائع الملموسة.. غير النظريات المرسومة.
· في التربية الإسلامية.. غايات إسلامية بوسائل إسلامية.
· وفي بناء التلميذ المسلم.. القضاء على أسباب الهدم.. ثم مباشرة البناء.
الذي قرأ إجابات وزير التربية على الأسئلة النيابية التي وجهت إلى الوزير في مجلس الأمة يخرج منها وقد اطمأنت نفسه على التربية والتعليم في هذا البلد وإن كل شيء في هذه الوزارة يسير على ما يرام.
وقد كثرت الأسئلة النيابية للوزراء في هذه الأيام مما جعل الوزراء يستنفرون مساعديهم في الوزارات لإعداد بيانات وزارية جاهزة يردون فيها على كل تساؤل ويشرحون فيها سياسة وزرائهم يبرئون بها ساحتهم أمام مجلس الأمة الذي أوشكت دورته الحالية على الانتهاء وبات موعد الانتخابات الجديدة فيه على الأبواب.
والواقع أن الإنسان في كل بلد ينتظر من وزارة التربية في بلده أن تصنع الكثير في سبيل إعداد جيل المستقبل، والذي ينتظره الإنسان عادة ليس أساليب التربية والتعليم فهذه من شأن القائمين على الأمر وليس من شأنه.. ولكنه ينتظر النتائج.. وحين يريد معرفة النتائج يقيس ربح الأمة أو خسارتها في الأجيال التي تتخرج من المدارس أو التي لا تزال منتظمة فيها. ولما كانت وزارة التربية تعلن أن من وظيفتها إعداد الإنسان المتحلي بثلاث صفات- الخلق والعلم والعمل، فإن محاسبتها تكون على أساس من توفر مثل هذه الصفات في تلاميذها.
قد يستطيع أي وزير أن يقدم لنا كشفًا بالحساب أرقامًا عن أعمال وزارته فنراجع نحن مثل هذه الأرقام فنعرف الخطأ من الصواب وتقوم الوزارة على أساس من هذا الحساب.. ولكن الأمر في وزارة التربية يختلف إذ يتطلب من الوزارة أن تقدم نماذج بشرية تتحرك على الأرض وتعمل وتنتج بسلوك معين وعلم معين، وهذه النماذج هي المقياس الوحيد الذي تقاس به وزارة التربية.. وليس المناهج ولا الأساليب ولا بناء المدارس وسعتها وتجهيزها.
وإذا أريد مناقشة وزارة التربية في الكويت فلا يمكن أن ننجح في مناقشتها وتقويمها إلا على أساس من هذا الأمر.
ولن تكون المناقشة مثمرة أبدًا إذا كان الهدف منها المقارنة بين أعمال هذه الوزارة في هذا البلد وأعمال الوزارات الأخرى في البلدان الأخرى.
إذ لكل بلد أيديولوجيته وأهدافه.. وليست أخطاء غيرنا مبررة لوقوعنا في الخطأ نفسه.. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم «لا يكن أحدكم إمعة يقول: أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساءوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسنوا أن تحسنوا وإن أساءوا أن تتجنبوا إساءتهم»
· ففي مجال التربية الإسلامية. وقد أحسن السائل حين سأل عن ممارسة التربية الإسلامية في جميع مراحل التعليم- يجدر بنا أن ننظر إلى مدى تطبيق التلاميذ ومدرسيهم والتلميذات ومدرساتهن لشريعة الإسلام في العبادات والأخلاق. فليس المقياس أن الوزارة زادت عدد حصص التربية الإسلامية أو أنها أعادت تأليف الكتب أو أنها فصلت تفتيش التربية الإسلامية عن تفتيش اللغة العربية فهذه وسائل وللوزارة الحق في أن تتخذ الوسائل التي تراها مناسبة، ولكن المقياس هو مدى نجاح الوزارة في غرس العقيدة الإسلامية في نفوس التلاميذ ومدى استجابة هؤلاء التلاميذ في ممارسة العبادات الإسلامية والتحلي بأخلاق القرآن.
نحن إذا أردنا أن نأخذ مثالًا على ذلك.. نأخذ الصلاة مثلًا.. ففي بعض المدارس لا نرى لها أثرًا عمليًا داخل المدرسة على الإطلاق، وفي المدارس التي نجد فيها نشاطًا دينيًا ومسجدًا ووقتًا مخصصًا للصلاة نجد المسجد غير مناسب وليس يجاوره في أغلب الأحيان أماكن مناسبة للوضوء أما وقت الصلاة فقصير لا يتجاوز ربع الساعة للخروج والاستعداد والصلاة والعودة إلى الفصول وليس هذا الأمر هو المهم.. بل المهم أنك إذا دخلت مسجدًا من هذه المساجد لتصلي فيه الظهر فستجد في المدرسة التي يتجاوز عدد طلابها الألف ويصل عدد المدرسين دون غيرهم من العاملين إلى المائة ستجد عددًا من التلاميذ يتراوح بين العشرين والخمسين وعددًا من المدرسين وغيرهم من العاملين يتراوح بين الثلاثة والسبعة، أي أن نسبة الذين يحرصون على صلاة الجماعة في المدرسة لا يتجاوز 5% من الطلبة والمدرسين فإذا عرفنا أن صلاة الظهر في بعض أيام الدوام لا يمكن أن تكون في البيت إذ ما أن يصل المدرس والتلميذ إلى بيته حتى يكون وقت العصر قد دخل، فما معنى ذلك؟
هذه واحدة.. والثانية تحدث في رمضان إذ أن بعض التلاميذ يفطرون علنًا ويشربون من صنابير المياه في المدرسة.
ولقد قامت بعض مدارس الكويت بتجارب في الحجج كانت أكثرها فاشلة لأسباب لا داعي لتفصيلها الآن وقد تحدثت عنها الصحف في حينها.
فجانب العبادات إذن لا يمكن أن نعتبر وزارة التربية ناجحة فيه وإذا وجدنا نشاطًا مثمرًا في مدرسة ما فإنما يكون هذا النشاط اندفاعًا شخصيًا من بعض المدرسين المؤمنين الحريصين على العمل الإسلامي وقد يواجه مثل هؤلاء المدرسين عرقلة لأعمالهم ومحاولات لجعلها شكلية من أجل الدعاية فقط في بعض الأحيان، ولعل محاولة الوزارة في بناء نماذج من المساجد في المدارس يفسر هذا التفسير إذ العبرة ليس في بناء المسجد، ولكن في من يعمره ويصلي فيه. أما الأخلاق فنستطيع أن نتعرف عليها من خلال مشكلات التلاميذ في المدارس وخارجها. ففي داخل المدارس نسمع عن كثير من المشكلات تحدث من التلاميذ تدلل على مستوى الأخلاق عندهم وإذا خرجنا إلى ساحة المدرسة لنتعرف على نوعية أحاديثهم واهتماماتهم وجدنا أحاديث عجيبة واهتمامات أعجب.. فالتدخين عادة تحاربها المدرسة في التلاميذ وتسمح بها للمدرسين، وهذا تناقض عجيب.. إذ تفترض المدرسة في المدرس أن يدخن أمام التلاميذ ثم يعاقب التلاميذ المدخنين وينصحهم بعدم التدخين والملابس الضيقة والمظاهر الهيبية لا تخلو منها مدرسة.
أما إذا خرج التلميذ من مدرسته ورفعت عنه قيود المدرسة فإنه ينطلق بطريقة سيئة فالسيارات التي تجوب الشوارع صارخة أكبر دليل على العبث واللامبالاة، والحدائق التي تعج بالمتسكعين والأسواق التي تغص بالمتنطعين دلائل واضحة على مستوى الأخلاق.
وإحقاقًا للحق لا يمكن أن نجعل التبعة في مثل هذا السلوك على وزارة التربية وحدها.. بل إن وزارة الإعلام تتحمل الوزر الأكبر في هذا التوجيه المنحرف بما في الصحف والإذاعة والتلفزيون والسينما من توجيه نحو تخريب الأخلاق.
ولكننا نقول إن على وزارة التربية وعلى رأسها الوزير أن تسعى بكل ما تستطيع لتجعل وزارة الإعلام متعاونة معها في بناء أخلاق التلاميذ إذا كانت تريد ذلك.. وإذا كانت وزارة الإعلام لا تستجيب لطلب وزارة التربية فمن حق وزير التربية حينئذ- إذا كان مخلصًا- أن يقدم استقالته بحجة أن وزارة الإعلام تهدم ما يبنيه.. ولا يستطيع هو أن يكون على رأس وزارة التربية بينما وزارة أخرى تقف بعنف في وجه هذه التربية.
لا يبلغ البنيان يومًا تمامه إذا كنت تبني وغيرك يهدم
ويومئذ سنقف مع وزير التربية، بل ستقف الأمة كلها من خلفه لأنه يضحي بمنصب الوزارة في سبيل بناء أخلاق الشباب.
أما أن تخرج من وزارة التربية نشرات تشجع على حضور حفلات راقصي الباليه والراقصات على الجليد بحجة مشاهدة الفن الرفيع أو أن تحيي الطالبات والطلاب أنفسهم مهرجانات للرقص والغناء في أكبر معهد علمي في هذا البلد فهذه أمور لا يمكن أن تنسجم مع أهداف الوزارة في التربية الدينية والخلقية.
والأدهى من ذلك أن تحول الوزارة النشاط الكشفي الذي يهدف إلى تربية الشباب تربية أشبه بالعسكرية وإلى تعويدهم على الرجولة والتقشف والاعتماد على النفس- أن تحول الوزارة هذا النشاط إلى حفلات ساهرة تدعو إليها كبار المغنين المحترفين والهواة لإحياء ليالي الكشافين فهذه مخالفات تربوية واضحة.
وأما مدارس البنات وما فيها من أزياء يستطيع أي إنسان أن يلاحظها في أي مدرسة يستوي في ذلك المدرسات والطالبات وما عليه بعض المدرسات من جهل بالإسلام وكذلك تلميذاتهن إلا من عصم الله فأمر لا يخفى على ذي بصر وقراء هذه الصحيفة يعرفون ذلك معرفة جيدة.
كل هذه الأمور لا تجعلنا نتقبل رد الوزارة على الاستجواب النيابي بالقول إن الوزارة قد خطت خطوات طيبة في سبيل ترسيخ قواعد مادة التربية الإسلامية وجعلها منطلقًا تربويًا يوثق صلة الطلاب بكتاب ربهم وسنة نبيهم، ويبصرهم بمآثر أسلافهم وأسرار تشريعهم، ويطبع حياتهم بطابع الإسلام وآدابه، التي هي أرقى وأجل ما عرف البشر من قيم وآداب.
· وحتى يتسم نقدنا لوزارة التربية بالبناء فإننا نتقدم في موضوع التربية الإسلامية بالاقتراحات التالية:
أولًا: ضرورة التفاهم والتعاون الكاملين بين وزارة التربية ووزارة الإعلام بحيث تتفق وجهة نظر كل منهما في الأهداف والغايات مما ينسجم مع ما تعلنه الوزارة من تربية للأجيال تربية تطبع حياتهم بطابع الإسلام وآدابه وقيمه.
وثانيًا: أن يدعى أولياء أمور التلاميذ من قبل المدارس لحضور محاضرات تربوية تفتح أذهانهم إلى طرق تربية أبنائهم تربية مسايرة لغايات التربية الإسلامية في المدرسة.
ثالثًا: أن يحاسب التلاميذ محاسبة دقيقة على سلوكهم خارج المدرسة وداخلها وأن يفصل كل تلميذ يتبين للمدرسة خطورة اختلاطه بالتلاميذ وتأثير ذلك على انحراف أخلاقهم.
رابعًا: أن يكون المدرسون قدوة حسنة لتلاميذهم وأن يطبق المدرس الأخلاق الإسلامية على نفسه قبل أن يطلب تطبيقها على تلاميذه.
خامسًا: أن يتم الانسجام والتعاون على تحقيق غايات الإسلام في مناهج
المواد جميعها بحيث تنقى هذه المناهج من أي مخالفة إسلامية، وأن يكون المدرسون صالحين لاستغلال جميع المواد العلمية في تعميق الإيمان بالله عند التلاميذ وتحبيب منهج الإسلام إلى قلوبهم.
سادسًا: أن يعد التلاميذ إعدادًا اجتماعيًا يهدف إلى بناء المجتمع المسلم عن طريق الأنشطة المدرسية المختلفة فيتعرف التلميذ إلى أقرانه ويتعامل معهم تعاملًا إسلاميًا.
سابعًا: أن تكثر المدرسة من الرحلات الاجتماعية داخل البلاد وخارجها بحيث لا يكون على رأس هذه الرحلات إلا أفضل المدرسين خلقًا وأنقاهم سريرة وأقربهم إلى نفوس التلاميذ لينفتح التلاميذ على العالم ويعرفوا دور أمتهم في قيادته ودورهم في حمل هذه التبعة.
ثامنًا: ألا تسند المناصب الإدارية في المدارس إلا إلى الأكفياء الذين عرفوا بأخلاقهم الإسلامية أولًا وبكفاءتهم الإدارية ثانيًا.
تاسعًا: وفي مجال مدارس البنات يضاف إلى ما تقدم ضرورة الاحتشام في الملابس بحيث يدعو منظر المدرسة أو التلميذة إلى الاحترام والتقدير ولا يكون ذلك إلا بالتزام اللباس الإسلامي التزامًا كاملًا.
عاشرًا: لا بد من أن تكون تربية البنت تهدف إلى إعدادها زوجة وأمًا ومربية للأطفال قبل كل شيء ثم عاملة في المجال الذي يناسبها بعد ذلك. وفي هذا المجال يحسن التقليل من رحلات البنات واقتصارها على داخل البلاد فقط في جو محاط بالفضيلة والاحتشام والمدرسة القدوة أهم في مجال التربية من كل المناهج والكتب.
هذا ونرجو أن يظل تفاؤلنا قائمًا بإمكان تطبيق كل ما قدمنا والإمكانات موجودة ولا ينقصنا إلا الإخلاص ومباشرة العمل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل