العنوان في احتفالية فريدة.. مفكرون وكتاب يتحدثون عن: طارق البشري.. الرجل الموسوعي
الكاتب رجب الدمنهوري
تاريخ النشر الثلاثاء 01-سبتمبر-1998
مشاهدات 71
نشر في العدد 1315
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 01-سبتمبر-1998
احتفى علماء ومفكرون من مختلف أطياف تيارات الفكر والسياسة في مصر بمناسبة انتهاء الولاية القضائية للمستشار طارق البشري - نائب رئيس مجلس الدولة المصري ورئيس اللجنة العمومية للفتوى والتشريع تحرره من قيود الوظيفة الرسمية، وما كانت تفرضه من حسابات وموازنات معينة، وبعد هذا الاحتفاء بمثابة تقليد جديد غير مسبوق، إذ جرت العادة أن تكرم الرموز عقب وفاتها.
الاحتفائية ناقشت بعض جوانب المشروع الفكري للبشري، وكيف استطاع أن يجمع بين الفكر والقضاء، ومنهجه في التاريخ، وكيف استن في مجال القضاء أهمية الرجوع إلى أصول الفقه، بدلاً من أحكام القضاء الفرنسي.
والملاحظ من خلال فعاليات هذا اللقاء الفكري أن البشري له قبول واسع في أوساط التيارات والتخصصات، فهو القاضي العادل الذي ترك وراءه مدرسة في مجال قضاء مجلس الدولة، تضم العديد من التلاميذ الذين تعلموا على فكره ومنهجه في التفسير القانوني، وهو المفكر الذي يقدره القوميون بما له من رؤية عميقة تغلب المصلحة العامة على نظيرتها الفردية، ودعوته إلى الاستقلال الوطني، وتخليص الأمة من كل مستعمر أجنبي، وهو الفقيه الذي تأثر عقب تحوله الفكري من المعسكر العلماني إلى نده الإسلامي، وكتب في المسألة الإسلامية كتابات واعية متزنة تجمع بين فقه الواقع، وفقه المقاصد.
رجل محترم:
ألقى كلمة الافتتاح د. أحمد كمال أبو المجد . وزير الإعلام الأسبق - فقال: إن البشري يمثل في نفسه أمورا ثلاثة:
إنه رجل محترم في عصر قل فيه المحترمون والاحترام كلمة جامعة وقيمة رفيعة، كالمروءة والفتوة، وهو رجل احترم فكره، وعندما اكتشف الصواب راجع نفسه وعاد إلى الحق ببصيرة ووعي ونضج.
إنه مثال نادر للقاضي العادل المدقق والقضاء هامة عالية، إذا امتهن استقلاله ضاعت حقوق وانتهكت حريات، وسادت شريعة الغاب.
لديه أمانة في الكلمة، وصدق في اللهجة وتواضع في العلم، كتب في السياسة والفلسفة والقانون والفكر الإسلامي، وقدم خدمات جليلة لهذا الفكر دون انفعال، فكل العناوين التي طرحها اتسمت بالرصانة، وصاغها عبر منهج علمي سليم وهو رائد من الرواد في كل هذه المجالات.
وقال د. حسن الشافعي - أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة القاهرة - الذي أدار الجلسة الأولى: إن البشري ليس رجلاً عادياً، فقد عرف عنه استقلال ضميره القضائي، وحبه الشديد للعدل. وجهاده من أجل تعميق القيم، وعطاؤه الوفير في مجال التاريخ والفكر والثقافة.
البشري قاضياً:
وتحدث المستشار عثمان حسين . نائب رئيس محكمة النقض سابقا . عن البشري قاضيا، فقال: إنه يعتنق ويلتزم ويدعو إلى قيم تستند إلى عقائد الإسلام وشرائعه وأخلاقه وآدابه وهي قيم العلم والفكر والحق، مشيرا إلى أن اختيار القاضي العالم العادل مهمة صعبة والقضاء والعدل أمانة ثقيلة ومسؤولية شاقة، وقد أعرض عنها تهيبا علماء أعلام، وعلى الرغم من ذلك، فإن حضارتنا الإسلامية أهم معالمها في عصور الازدهار القضاء العادل الذي كان يضطلع به علماء مؤمنون يعشقون العدل والحرية والأمانة والاستقلال.
ولقد شهد تاريخ القضاء الإسلامي أمثال أبي يوسف وشريح بن الحارث وشريك بن عبد الله والعز بن عبد السلام، والشوكاني وغيرهم من القضاة المسلمين الذين أحبوا العلم، وعاشوا للعدل، فأورثهم ذلك إعزازاً ومهابة وشأنا عظيما. وذكرا خالدا.
واختتم حديثه بقوله: إن طارقا يرتفع به تعلقه بدين الله، ويشهد له عشقه للعلم والفكر، وتسمو به أخلاقه الإسلامية وتكرمه أعماله ومواقفه القضائية. وأبحاثه في الشريعة وفي الدعوة وفي التاريخ، وهو مرجو في هذه المجالات جميعا بالمزيد يخدم به . إن شاء الله - رسالة الإسلام وتاريخ أمته.
البشري المفكر:
د نادية مصطفى . أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة - تحدثت عن المشروع الفكري للبشري. من حيث بناؤه وكيفية تشييده، ونماذج من أفكاره وملامح منهجه، منوهة إلى قيامه بتشخيص وتفسير آفة الآفات التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية، ممثلة في الصدع والانقسام والازدواجية على صعيد الحركة أو النظم هذه المعضلة تناولتها دراسات البشري في المسألة الإسلامية، وبعد تشخيصه للداء في ظل الظرف التاريخي ناقش الحل من خلال بعدين يمثلان وجهين لعملة واحدة هما: التفكير في المشروع الوطني ومتطلباته، وبحث مسألة الذات الحضارية المستقرة وضرورة الانطلاق منها لصالح الجماعة، وإضافة لذلك رأى أن الحوار الإسلامي القومي ضرورة لرأب الصدع ولم شمل الأمة.
وتمحورت عملية تشييد البناء الفكري للبشري . كما تقول د نادية . حول طرح فكرة التحديات التي جابهت الأمة، وأنماط الاستجابة لها على صعيد الفكر أو المؤسسات أو الأنظمة، وقد خدم البشري الفكر الإسلامي وتشريعاته وتنظيماته على نحو يبرز نوعا من التمكن من التحليل التاريخي، وخلال عملية التشييد تبلورت عدة مقولات منها: الإصلاح الفكري، أو الإصلاح المؤسسي الرشيد، والعلاقة بين الوافد والموروث، ووضع الإسلام في الأمة. وتحليل مفهوم المعاصرة من خلال رؤية إسلامية للعولمة، ومقولات الغلو والتطرف، وشرح أبعاد المشروع الوطني، وحجية موقفه من الحوار العلماني الإسلامي.
وعن ملامح منهجه في التفكير جاءت الرؤية الكلية لتاريخ العصر في مراحله المتتالية في ترابط وتواصل على نحو يبين وحدة تاريخ الأمة، كما جاء الربط بين الفكر والواقع ليشكلا الملامح المنهاجية لتفكيره.
المؤرخ:
وعن طارق البشري مؤرخا قال د. قاسم عبده قاسم - أستاذ التاريخ بجامعة عين شمس .. إن التاريخ ليس حكاية تنتمي إلى الماضي، وقصة انتهى عهدنا بها، ولكنه علم ينتمي للماضي والحاضر، ونستشرف به آفاق المستقبل، والتاريخ يكتب مرة واحدة، لكنه يقرأ مرات ومرات لإبراز عناصر جديدة في فترات جديدة، وهذا ما فعله البشري مع إصداره المتميز بالحركة السياسية، إذ كتبه في ۱۹۷۰م وأعاد قراءة ومراجعة أفكاره لصالح أمته في ۱۹۸۱م من منظور إسلامي، وإعادة القراءة شجاعة ندر أن نجدها، فعندما راجع كتاباته كان منصفاً وموضوعياً، وهو مؤرخ صاحب رؤية، كتب عن الحركة الوطنية، وكتب عن مسألة الأقباط والمسلمين في إطار الجماعة الوطنية والكتاب الأخير فيه عمق وقدرة على استخدام المعلومات الكثيرة في صالح الجماعة الوطنية، وأهم ما يميز البشري أنه يضع لبنة فيما يجب أن يكون عليه علم التاريخ، على عكس الذين يعيشون عالة على تصورات الغرب وتقسيماتهم الزمنية (عصور قديمة ووسطي وحديثة حتى إنهم يستخدمون مواقفه نفسها، ومثال ذلك موقفهم من الدولة العثمانية هو موقف أوروبي، بالرغم من أن الدولة العثمانية لعبت دورا كبيرا في حماية تراث الأمة وكيانها، والبشري من الذين راجعوا تاريخ الدولة العثمانية وأنصفوها .
وتحت عنوان المسألة المنهاجية في فكر الحكيم - البشري قال د.سيف عبد الفتاح . أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة . إن البشري لديه اهتمام رصين بالمنهج، ومن فرط اهتمامه بالمنهج يعتبر منهاجا يمشي على الأرض فكراً وسلوكاً.
وفي الجلسة الثانية قال د.حسام عيسى . أستاذ الاقتصاد بعين شمس : إن البشري مفكر من طراز نادر جعل آلام وآمال الأمة محور حياته وفكره، والبشري كإنسان وقاض ومؤرخ دشن أحكاما رائدة عن الحريات وحق المواطن في اللجوء إلى قاضيه الطبيعي، ورفض المحاكم العسكرية.. هذا الموقف هو امتداد لإيمانه العميق بالحريات.
الملكة الفقهية:
وكانت مفاجأة الاحتفاء مشاركة العلامة الكبير د.يوسف القرضاوي الذي أثنى في كلمته على هذه السنة في تكريم الأفذاذ من أهل الفكر والعمل، وإعطاء الرجال قدرهم، مشيراً إلى أن البشري قاض ومؤرخ وفقيه، وإنسان ومفكر، وإذا كان هناك بعض الناس تحترمهم ولا تحبهم فالبشري من هؤلاء الذين تحترمهم وتقدرهم وتحبهم وتودهم، وهو رجل يألف ويؤلف، وصاحب خلق رفيع، شمل العديد من الفضائل من بينها الأدب والتواضع والسلوك الراقي المهذب
أما المستشار مصطفي حنفي - بمجلس الدولة - فيقول في كلمته: لقد تأثرت بفكره ومنهاجه، ولم أكن وحدي الذي تأثر، فقد ترك بصمة على كل عضو من أعضاء مجلس الدولة وكل من ينخرط في سلك القضاء ومن لم يتتلمذ على البشري فسوف يخسر الكثير.
والحق يقال: إن جميع المتقاضين والمحامين يطمئنون الأحكام البشري، سواء حكم لهم أو عليهم. والقضاء لديه وسيلة لتغيير المجتمع إلى ما هو أفضل. ومن أهم ما يميز البشري عن غيره أنه يرجع في أحكامه إلى الأصول الفقهية، وهذا ما سوف يحفظه القضاء للبشري، في حين أن الآخرين يرجعون إلى الأحكام الفرنسية.
البشري فقيها:
وعن البشري ولمحات من منهجه تحدث د. محمد سليم العوا فقال: إنه قد جمع بين فقه الشريعة، وفقه القانون الوضعي، واستفاد على أفضل نحو ممكن من قواعد أصول الفقه الإسلامي وطرق الاستنباط فيه، ومن قواعد الجمع بين النصوص جمعا يؤدي إلى إعمالها بلا إهمال، وإلى نفي شبهة التعارض عنه، وإلى ترجيح العدالة التي تدل عليها روحها وفحواها على الشكل الذي يصون احترام حروفها وألفاظها، وأكد أن البشري كان يفسر النص القانوني عبر الحقائق الاقتصادية والاجتماعية والواقعية، وكان إذا اشتدت قبضة الدولة على حريات المواطنين وأموالهم، لا يتردد في أن يصل بالنص إلى التوسعة على المواطنين لوطأة هذا التشدد الحكومي، مستهديا في ذلك بالقاعدة الفقهية التي تقرر أن الأمر إذا ضاق اتسع.
وفي الجلسة الثالثة التي ترأسها د.سيد دسوقي دارت المناقشات والتفاعلات حول معالم في سيرة البشري، أكد رئيس الجلسة أن طارق يأتي في مقدمة المؤرخين السياسيين، ومن خصائص عقله القدرة على التحليل والاستنباط بكفاءة منقطعة النظير.
هجرته من العلمانية إلى الإسلام:
وتحدث د. إبراهيم البيومي غانم - الباحث السياسي - عن التنسيب الاجتماعي للبشري، وأثر ذلك في تكوينه النفسي والوجداني والفكري والتنسيب الفكري والثقافي، من حيث علاقته بالتيارات الفكرية والسياسية الرئيسة في المجتمع ورؤيته لها وموقفه منها ..
وركز البيومي على هجرة المستشار البشري من العلمانية إلى الإسلام، حيث انتقل من مسار النخبة المتغربة والداعية إلى التغريب، إلى مسار النخبة الداعية إلى التجديد على أسس الإسلام ومقاصده، وأحدثت هذه الهجرة لديه نقلة معرفية انعكست على منهجه في البحث والنظر، وعلى معاييره في الحكم على الأمور. وأكد البيومي أن هزيمة ١٩٦٧م كانت نقطة تحول أساسية في مسار تطوره الفكري والمعرفي وقد شغله عقب الهزيمة السؤال الكبير: ما علة الهزيمة، ومن أين أنت؟ ومنذ ذلك الحين عاش مرحلة انتقالية صاحبتها معاناة فكرية جعلته - على حد تعبيره - في حالة فقدان توازن لفترة، وطوال هذه المعاناة لم تفارقه المسألة الأساسية الاستقلال الوطني، وشروط الانعتاق من إرادة القوى الاستعمارية، وقادته هذه المسألة إلى مسألة الهوية. وخلص إلى أن إرادة الاستقلال لا تعني فقط أن تكون لقمة عيشنا ملكا لنا، وإنما تعني - قبل ذلك . شعور الجماعة بتميزها وترابطها وإحساسها بالانتماء المشترك، وهذا الشعور يأتي أساسا من الجانب العقيدي الذي تفقده العلمانية.. من هنا كانت استعادته للهوية الإسلامية والعودة إلى الذات.
التراثيون المجددون:
وفي كلمته أكد الدكتور محمد عمارة . المفكر الإسلامي . أنه التقى البشري في السبعينيات، وكان معهما عادل حسين، وكانت لهذه الجماعة الفكرية اجتماعات لمناقشة هموم الأمة التي تتناوشها التحديات من الداخل والخارج، وكانت مرحلة من الإنضاج الفكري والتحول في الرؤى والأفكار، وكان الماركسيون في حقبة السبعينيات يطلقون على هذا التيار التجديدي التراثيون الجدد، ولو أنصفوا لقالوا: التراثيون المجددون وسقط من هذه المجموعة الكثير، فقد خشي بعضهم من الاجتهاد، خشي من نقد الماضي وإبداع الجديد، وأصبح طارق البشري من المتألقين
والمشرقين الذين لهم مريدون..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل