; في إيطاليا.. يأكلون الدجاج المخنوق | مجلة المجتمع

العنوان في إيطاليا.. يأكلون الدجاج المخنوق

الكاتب الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أبريل-1972

مشاهدات 386

نشر في العدد 96

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 18-أبريل-1972

في إيطاليا.. يأكلون الدجاج المخنوق

وردتنا رسالة من طلاب مسلمين في إيطاليا وجدوا أنفسهم في حَيرة مما يقدم لهم من أطعمة فيها الدجاج المخنوق أو لحم الخنزير وهم يحتارون في تدبير طعامهم وقد أرسلوا إلى «المجتمع» يستفتون.

وقد عرضنا الرسالة على الأستاذ عبد الرحمن عبد الخالق فتفضل بهذه الإجابة المستفيضة ونحن ننشر الأسئلة والإجابة عليها تعميمًا للفائدة على القراء.

 السيد رئيس تحرير مجلة المجتمع، السلام عليكم ورحمة الله أود أن أسألكم بعض الأسئلة أرجو الرد عليها وشكرًا.

١- يوجد في هذا البلد «إيطاليا» دجاج مخنوق أو أحيانًا تكون مُزهَقةً روحُه عن طريق إدخال حديدة في رقبته، وبصفتنا طلابًا مسلمين فإننا قد صددنا عن أكله بسبب عدم مطابقته للذبح الإسلامي، هذا علمًا بأننا قد مررنا على الآية الكريمة التي في معناها: «وأحل لكم طعام أهل الكتاب» فما رأيكم؟ وقبل ذلك ما موقف الشرع من هذا.؟

٢- كذلك بالنسبة للحمة، ولكننا نأكلها لأننا مضطرون لذلك، وإننا أحيانًا ندخل إلى مطعم الجامعة ليقدم لنا لحمة خنزير دون أن ندري فنأكلها، وإننا لقلقون جدًا لهذا، وإننا قد امتنعنا مؤخرًا عن الأكل في المطاعم لهذا السبب، وأصبحنا نأكل في البيت، ولكننا أحيانًا نضطر للأكل فيه، فما حكم عدم درایتنا بنوع اللحمة، وبالتالي أكلها؟ وهل نقترف إثمًا إذا ما أكلناها دون أن ندري نوعها؟

وليد محمد ومحسن دهشة  -إيطاليا-

 

كان المفروض أن أجيب على هذا السؤال بالقدر المطلوب بيانه، والحكم فيه، ولكنني أجدني ملزمًا ببيان مفصل وموجز لأمر اللحوم التي انتشرت لا في إيطاليا وبلاد الغرب وحدها، بل وفي بلاد الإسلام أيضًا، وقد كثر السؤال والاستفسار عن حكمها في شريعة الإسلام فأقول:

 أولًا: القاعدة العامة الشرعية في المطعومات لحمًا أو غيرَه أن الإباحة هي الأصل، والمحرم هو المستثنى. وقد فصل الله في كتابه وعلى لسان رسوله هذا المستثنى. كما قال: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ (الأنعام: ١١٩)

هذا مع العلم أن الإباحة الأصلية للمطعومات ليست على إطلاقها أيضًا لأنها مقيدة بأن تكون من الطيبات كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ )البقرة: ١٦٨) ومعلوم أن «طيبًا» حال وهي قيد للأكل المذكور في الآية فيكون المعنى كلوا مما في الأرض عندما يتصف بالطيبة، ومفهوم هذا أنه إذا اتصف بالخبث فلا يؤكل، وقد نص على ذلك أيضًا حيث قال تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (الأعراف: ١٥٧)

ثانيًا: اللحوم التي حرم الله علينا أكلها والانتفاع بها تحريمها لعلتين:-

 الأولى: الخبث الذاتي وهو ينقسم إلى قسمين:-

 أ- خبث طبيعي جِبِلِّيٌّ يعلمه الله سبحانه وتعالى في حيوانات بعينها كالخنزير والحمار المستأنس وذوات المخلب من الطير، والناب من السباع

 ب- خبث طارئ علی الأنعام التي أبيح لنا أكلها كأن تموت حتفَ أنفها أو بسبب يحبس دمها فيها كأن تخنق أو تضرب فتموت، أو تموت متردية أو نطيحة أو مقتولة بسَبُع، وهذا ما لم ندركها قبل خروج الروح فتذكيها بالذكاة الشرعية، ولم يستثن من هذا إلا الصيد بشرط أن يسمى عليه قبل أن يصاد وأن يخدش بآلة الصيد، فأما إن ضغطه فقط فقتلته أو أصابته بكدمة لم تخرج دمًا فلا.

 الثانية: المذبوح وقد سمي عليه اسم غير اسم الله تبارك وتعالى، ولم يستثن من ذلك إلا ما ذبحه أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وقد منع بعضٌ من علماء السلف أكل ذبيحتهم إن علمنا أنهم سموا عليها اسمًا غير اسم الله تبارك وتعالى، أما إذا لم نعلم أو علمنا أنهم لم يسموا عليها اسمًا فلا بأس بأكلها.

وبهذا الذي قدمت نصل إلى الأحكام التالية:-

١- الأصل في المطعومات الإباحة

٢- الحرام من المطعومات هو ما نص الله أو رسوله عليه.

٣- المباح من الطعام هو ما اتصف بالطيبة فإذا اتصف بالخبث فهو غير حلال.

٤- الطيب من الطعام هو ما زادت فيه المنافع على المضار والخبث ضد ذلك.

٥- كل ما أزهقت روحه بغير إراقة دمه وذلك بقطع عروق الرقبة «الوَدَجَين» فهو حرام سواء بفعل مسلـم أو بفعل غيره، أو بسبب غير بشري کالتردي ونهش السبع والنطح، إلخ. ولا يستثنى من ذلك غير الصيد.

٦- يشترط حِلِّ الصيد شرطان:

 أ- أن يذكر عليه اسم الله قبل أن يصاد.

ب ـ أن يخدش فينزل منه دم.

٧- كل ما ذبح من حيوانات -هي حلال لنا في الأصل- مذكورًا عليها اسمٌ غيرُ اسم الله تعالى فهي حرام أكلها والانتفاع بها إلا ذبيحة النصراني والكتابي.

٨- ما ذبحه مشرك أو كافر غير يهودي أو نصراني فهو حرام سواء ذكر اسم الله عليه أم لا.

 ۹- اللحم المشري المأخوذ من الحيوانات قبل ذبحها بالطريقة الشرعية فهو ميت ولا يجوز الانتفاع به.

الأدلة والنقاش

لن أتعرض إلى أدلة كل ما قدمت من أحكام وإنما سأذكر فقط أدلة حل ذبيحة الكتابي بشروطها:

 الدليل على أن ذبيحة الكتابي حلال هو قول الله تبارك وتعالى من سورة المائدة ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ (المائدة: ٥)

 وقد فسر عامة السلف الطعام هنا بالذبيحة.

والأخ السائل يذكر أنه في إيطاليا -وهم أهل کتاب- يخنقون أو يدخلون حديدة تقتل الحيوان، ويبدو من كلامه أنها لا تذبحه ولا تريق دمه؛ وبهذا يكون حكمها كالخنق، وهذه الذبيحة لا شك أنها حرام حتى ولو ذكر عليها اسم الله لقوله تعالى في المائدة أيضًا:-

﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ (المائدة: ٣)

وهذه الآية لا مخصص لكلمة منها، بل جميع كلماتها على إطلاقها فحتى الذين قالوا من السلف بحل ذبيحة الكتابي حتى ولو ذكر اسمًا غير الله حرموا ما ذبحوه لأصنامهم وكنائسهم وصلبانهم تبركًا وتقربًا لدخولها في قوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ (المائدة: 3)

وأما ما يفتي به بعض العلماء في وقتنا هذا من حل اللحوم التي يأكل منها أهل الكتاب ما لم تكن خنزيرًا، حتى لو خنقت أو قتلت بأي صورة عملًا بقول الله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ (المائدة: ٥) فهو خطأ والرد عليه من وجوه: -

 أولًا: أن هذه الآية ليست على إطلاقها حتمًا وذلك أن من طعام أهل الكتاب الخنزير وهو لا يجوز قولًا واحدًا ولم يخالف في هذا أحد من أهل الإسلام.

 ثانيًا: لو أبيح لنا أن نأكل ما يخنقه الكتابي أو يقتله بغـير الذبح لأبيح ما يقتله المسلــم ويخنقه بطريق الأولى.

 ثالثًا: الخبث الذي في المخنوق والميت بغير الذبح خبث ذاتي لا يطهره كونُ فاعل ذلك نصرانيًّا أو يهوديًّا.

خلاصة وخاتمة

وبعد فبهذا الذي قدمت يتضح أن اللحوم التي سأل عنها الأخ المسلم في إيطاليا لا يجوز أكلها، ومن أفتى بغير ذلك فقد أخطأ، وليس هذا الأخ في مقام ضرورة فيباح له ذلك، بل عليه هو وزملاؤه أن يطالبوا بأن يذبح لهم على الطريقة الشرعية، وأن يرفعوا رؤوسهم بشعائر الإسلام، فأهل الباطل لا يخجلون من إظهار شعائر باطلهم، ونحن أولى بإظهار شعائر ديننا الحق.

الرابط المختصر :