العنوان أيام في ستوكهولم (1 من 2)
الكاتب د. محمد بن موسى الشريف
تاريخ النشر السبت 02-ديسمبر-2006
مشاهدات 66
نشر في العدد 1729
نشر في الصفحة 44
السبت 02-ديسمبر-2006
شاركت في مؤتمر (الحوار في الإسلام) الذي عقد بمدينة ستوكهولم بالسويد، وهذا عنوان جيد ومبحث مناسب؛ لأن أوروبا هذه الأيام تقوم بتغيير شامل في قوانينها وأنظمتها، من حيث وضع المسلمين فيها، وهذه قضية خطيرة تحتاج إلى نقاش مع القوم وإحسان للحوار معهم حتى يخرج المسلمون من هذا المضيق وتلك الورطة.
وأحوال المسلمين في السويد جيدة، مقارنة بباقي دول أوروبا، والوضع السياسي الداخلي مواتٍ ومساعد، والدولة تحترمهم وتساندهم، لكن المشكلة أن عددهم قليل والكفاءات محدودة مقارنة ببريطانيا وفرنسا وأمريكا.
على سبيل المثال أتيت إلى السويد بدون مشکلات وليس كما حدث معي من قبل وخلاصته أني ركبت الطائرة الفرنسية من ستوكهولم إلى باريس، وكنت لابسًا ملابس الطيران لأني سأركب الطائرة السعودية من باريس مع طاقم القيادة، فلا بد أن أكون لابسًا ملابس الطيران، وهذا هو القانون، فلاحظ طاقم الطائرة ملابسي فعرفوا أني طيار فتخوفوا مني!! خاصة بعد أن صليت الفجر في آخر الطائرة – ولم أقف للصلاة إلا بإذنهم – هنا طلب قائد الطائرة الفرنسية الشرطة لإخراجي من الطائرة!! وطلبت مني المشرفة الأرضية في الخطوط الفرنسية أن أغادر الطائرة وعندما سألتها عن السبب قالت: هي رغبة قائد الطائرة، فكلمته فقال: لِمَ تلبس ملابس الطيارين؟ قلت: لأني طيار، فقال: لكن هذا مخالف للنظام. قلت: لكنكم لم تكتبوا هذا النظام في مكان حتى تتهمني بالمخالفة، فقال: لماذا صليت خلف الطائرة؟ قلت: لم أصل إلَّا بعد أن أذن لي المضيف، واسأله، فلما رأى أنه لا حجة معه، قال: أنا لا أقبلك على الطائرة!!
فحاولت إقناعه ببراءتي ومسالمتي!! فرفض، فخرجت من الطائرة متأسفًا على هذا الموقف المحزن، لكن الله عوضني وساعدتني الموظفة الفرنسية على ركوب الطائرة السويدية إلى فرانكفورت، وأدركت رحلة السعودية التي مسارها من باريس إلى فرانكفورت ثم جدة، فما ضاع مني شيء، وعوضني الله، ولله الحمد.
مفردات الحوار
بدأ اليوم الأول في المؤتمر بمحاضرة للعبد الفقير عن الحوار في القرآن، فذكرت في المحاضرة جملة من الأمور منها: انتشار مسألة الحوار ومفرداته في هذا العصر، والفرق بينه وبين الجدال المذموم والغرض من الحوار إنما هـو الدعوة إلى الله تعالى واكتساب الحقوق للمسلمين والحماية لوجودهم والحوار من أجل إظهار المحاسن في الإسلام والمجتمع الإسلامي، لأن البعض لا يرى في المجتمعات الإسلامية إلا سوءًا وسوادًا.
ثم تحدثت عن طريقة القرآن في الحوار، وأنها طريقة مثلى، كما هي طريق القرآن في الحديث عن موضوعات المختلفة، وذكرت أساليب للحوار وآدابًا في القرآن العظيم منها الحوار بالحسني: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (النحل: ١2٥)، ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ﴾ (العنكبوت: ٤٦). ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: 34).
ومن أساليب القرآن: التشكيك في قناعات المقابل ووضعها موضع التمحيص والنقد: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (سبأ: 24).
فهم المتحاورين
الحكومة السويدية تحترم المسلمين وتساندهم.. والمشكلة في قلة عددهم وندرة الكفاءات.
أنزلني قائد الطائرة الفرنسية لارتدائي ملابس الطيارين وصلاتي للفجر داخل الطائرة.
ومن الآداب التي أكدها القرآن في قضية الحوار، الحث على فهم المتحاورين ما يتحاورون فيه: ﴿هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران: 66).
ومن أساليب الحوار، محاولة البدء من أرضية مشتركة: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (العنكبوت: 46).
ومن آداب الحوار القرآني، أنه يؤكد الاستعداد لتقبل الحق من أي أحد كان: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (القصص: 49).
إنهاء الحوار السلبي، ومن النقاط المهمة التي وردت في كتاب الله، قضية إنهاء الحوار السلبي الذي لم يستطع فيه المتحاوران الوصول لنتيجة تنتهي بنقطة اتفاق مريحة لكلا الطرفين، ففي سورة الكافرون مثال واضح: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ (4) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)﴾ (الكافرون: 1-6) وهذا إنهاء جيد، وكذلك ﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ۖ أَنتُم بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (يونس: 41).
القوة والعزة
كما يغفل كثير من المتحاورين مع الغرب عدم إظهار الضعف والاستخذاء أمام الآخر بل القوة والعزة: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 64)، وقول موسى عليه الصلاة والسلام لفرعون: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ (الإسراء: 102).
ومن النقاط المهمة: إثارة العاطفة ترغيبًا ترهيبًا. وهذه طريقة الأنبياء ﴿أَن لَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ۖ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴾ (هود: 26).
هذه خلاصة المحاضرة مع ربط بالواقع قدر الإمكان، وما يسمح به الزمان، ثم استقبلت الأسئلة وكانت كثيرة ومتنوعة جيدة في أكثرها.
وفي المحاضرة الثانية، تحدث الدكتور. بدر الماص عن الحوار التربوي الأسري بين الزوجين، وبين الزوجين والأولاد، وقد حازت المحاضرة على رضا وتفاعل.
وقد تخلل المحاضرتين أناشيد إسلامية تفاعل معها الجمهور الحاضر أيما تفاعل، وكانت جلها عن فلسطين.
الشورى والحوار
ثم ختم اليوم الأول بندوة رباعية عن الشورى والحوار كان محاضروها الأستاذ كمال الهلباوي، والدكتور بدر الماص والدكتور عزام التميمي، والعبد الفقير، وكان من نصيبي الحديث عن الشورى وأهميتها في الإسلام وهل هي معلمة أو ملزمة، وكل ذلك في أربع دقائق وكان الأستاذ كمال كعادته يتفجر حماسًا وقوة حفظه الله، ثم تحدث الدكتور بدر عن الشورى في الأسرة بين الزوجين والأولاد، ثم تحدث الدكتور عزام عن تأخر المجتمعات والمؤسسات الإسلامية عن بناء الشورى حتى في الغرب. وذكر أن الشورى في حاجة لرقابة في الداخل ورقابة في الخارج، ورقابة الداخل هي التقوى أو الضمير، ورقابة الخارج المؤسسات التي تضبط الحكم، وكان كل ذلك في أقل من ثلث ساعة!! ثم توالت أسئلة الجمهور صريحة قوية عن الحكم الراشدي والشورى في أثنائها، وتوزع القائمون على الندوة الإجابة على أسئلتهم. وفي اليوم الثاني للمؤتمر ألقيت في أول الوقت محاضرة (أثر المرء في دنياه) – ومضمونها معروف، وهو في شريط لمن أراد الاطلاع عليها.
ندوة خماسية
وكانت المحاضرة الثانية للأستاذ كمال الهلباوي عن (الإعلام وأثره في الحوار)، ثم كانت ندوة خماسية قام عليها الأستاذ راشد الغنوشي والأستاذ كمال الهلباوي، والأستاذ الدكتور عزام التميمي، والأستاذ الدكتور بدر الماص، والعبد الفقير، وكانت أسئلة منوعة من الجمهور بدءًا من الجهاد في العراق.
مرورًا بقضية فلسطين واليهود والسلام، إلى قضية تربية الأبناء، وكانت ندوة جيدة في الجملة فيها مصارحة بين الجمهور والمشايخ.
وكان لي لقاء مع غير المتحدثين بالعربية عبارة عن أسئلة وأجوبة طرح فيها الإخوة والأخوات من السويديين وغيرهم همومهم، وكان أكثرهم يدور عن التغيير وأنواعه، وكان لقاءً جيدًا في الجملة أيضًا. وكان هناك لقاءات جانبية رائعة مع الشباب ودروس في المسجد المركزي في الذكر وأهميته وغير ذلك، وخطبت الجمعة وكان موضوع الخطبة (الاعتزاز بالإسلام ومقتضياته)، وهي الافتخار بالإسلام والتزامه، والدعوة إليه وإحسان عرضه على المجتمع السويدي. وفي الجملة كان المؤتمر جيدًا في اليومين الأولين، أما اليوم الثالث فقد غادرت فيه المؤتمر لألتحق برحلة من فرانكفورت يوم الأحد فلم أستطع المكث.
محاضرات نسائية
أما المحاضرات النسائية فقد تكلفت زوجتي الداعية الأستاذة بسمة بدوي – وفقها الله تعالى – بإقامتها، حيث تحدثت في محاضرة عن الحوار الأسري، وكانت المحاضرة الأخرى عن المرأة وكيف تحدث الأثر المناسب في الأمة، وكان هناك لقاء أجابت فيه عن أسئلة المحاضرات التربوية، وتحدثت في محاضرة في المسجد عن العشر الأوائل من ذي الحجة وكيفية اغتنامها.
وكانت هناك لقاءات جانبية متعددة وأثمر ذلك كله نتائج حسنة – إن شاء الله تعالى – والتفت حولها النسوة وتأثرن بها ولله الحمد.